بقلم بيار سمعان

تعود علاقتي بالمغفور له المطران عبده خليفه الى سنوات الدراسة في اكليريكية مار مارون – غزير عندما كان مرشداً روحياً للطلاب.

وكان الطلاب آنذاك كمعظم الكهنة يرون من الاسقف الشاب مثالاً اعلى لهم على اكثر من صعيد. فهو رفيع الثقافة، قوي الشخصية. شديد الانفتاح، عميق في تفكيره صريح في مواقفه، يؤيد الحداثة دون التخلي عن المبادئ الاساسية الايمانية.

مع العلامة الأب الدكتور يوسف يمين والكاهن الموهوب الأب منصور لبكي وآخرين، شهد معهد مار مارون نهضة قلّ نظيرها عبر تاريخ هذا الصرح التربوي.

في سنة 1973، صدر مرسوم من قداسة البابا بولس السادس بتعيين المطران عبده خليفه اسقفاً على الابرشية الجديدة في استراليا. واعتبر البعض ان هذا القرار جاء لوضع حد لطموحات المطران خليفه واقصائه عن لبنان،  بعد ان أحسّ البطريرك المعوشي بتصاعد شعبية المطران الشاب . واتهم خليفة زوراً انه حرّض طلاب معهد مار مارون للتظاهر في الصرح البطريركي، مطالبين بتحسين الوضع المعيشي واصلاح الاوضاع الادارية فيه، بعد ان نُقلت ملكيته وادارته من اليسوعيين الى البطريركية المارونية.

واتذكر جيداً يوم ذهبت لوداعه في غزير قبل سفره الى استراليا بأيام، حملته رسالة الى اخي جان، مؤسس اول صحيفة عربية في استراليا «صوت المغترب» داعياً اياه ان يولي اهتماماً خاصاً بالمطران خليفه ويقدم له كل الدعم.

في مطلع 1978 هاجرت مع عائلتي الى استراليا لألتقي مجدداً سيادة المطران خليفة، الرجل الذي احترم للغاية واقدّر مزاياه العديدة، وتجدّدت صداقتنا مرة اخرى. وغالباً ما كنا نتبادل خلال لقاءاتنا العديدة الحديث عن شؤون الوطن وهموم ادارة الابرشية الجديدة في استراليا.ولا انكر ان المطران خليفة كان يعاني بصمت من الانقسامات الداخلية وخيبة امله من بعض الكهنة وعدم قدرته على احضار النوعية الجيدة منهم للخدمة في استراليا. فأُرغم على قبول من رغبوا بالقدوم الى استراليا، البلد البعيد جداً عن الوطن الأم والثري بخيراته وبجاليته.

كما عانى خليفة من محاولة البعض التحكم بقرارات الاسقف، مستفيدين من ثرواتهم الطائلة وحاجة المطران خليفة للدعم المالي، وهو من اتخذ شعاراً له «ايمان وانماء».

وطالما كان يسعى دون ملل على تحقيق هذين الهدفين مع من توفر من كهنة وبمساعدة ابناء الابرشية خاصة مَن يهبون دون تمني او غايات شخصية.

للأسف الشديد، كان هناك مجموعة من الموارنة الذين سعوا جاهدين للهيمنة على المطران خليفة والاستفادة من غطائه المعنوي لتحقيق اهداف وغايات شخصية. وعندما فشلوا في «تطويعه» انقلبوا عليه لألف سبب وسبب.

 حادثة اهدن وانقسام الجالية

لا شك ان الحرب اللبنانية القت بثقلها على المكونات الاجتماعية للجالية اللبنانية في استراليا. وقد انقسمت هذه الجالية طائفياً ومذهبياً وسياسياً، والتزم كل فريق بمواقف الزعماء والاحزاب والطوائف التي ينتمي اليها سياسياً في لبنان.

واستفاد كتائبيو استراليا من الدور الذي لعبته الكتائب اللبنانية على الساحة العسكرية بقيادة الزعيم الشاب بشير الجميل لتحسين مواقعهم على صعيد الجالية في استراليا. وجمعت اموال طائلة باسم القضية اللبنانية، لكن يقال انها ذهبت لجيوب البعض، ولم يستفد منها الوطن المقاوم في لبنان.

فالانقسامات المارونية المارونية بلغت ذروتها بعد حادثة اهدن المؤسفة (13 حزيران / يونيو 1978) وسيطرت اجواء التشنّج على العلاقات بين الموارنة، ومعظمهم من شمال لبنان.

وجاءت هذه الحادثة صدمة اخرى، خاصة لمن يعتبرون انفسهم في موقع القيادة، خاصة سيادة المطران عبده خليفة الذي ادرك بعمق خطورة ما يجري في الوطن.

وقرر المطران خليفة تمضية نهار واحد في الاسبوع في كل رعية في الابرشية بغية الاستماع الى شكاوى وآراء ابنائها والتواصل معهم ومواجهة حالة التشنّج السائدة في الأبرشية.

 حوار وجداني مع خليفه

غالباً ما كنت التقي المطران عبده خليفه واناقش معه قضايا تتعلق بمسار الاحداث في لبنان ومستقبل الطائفة المارونية في استراليا. ولا انكر ان المطران خليفه الذي يمتلك ذاكرة نادرة كان يحاسبني على تعهدات سابقة ووعود لم أفِ بها.

ذات يوم اربعاء التقيت به في كنيسة مار يوسف كرويدن، كان وحيداً في تأملاته وآلامه. وللأمانة التاريخية اورد الحوار التالي الذي جرى بيننا.

انا: سيدنا، كيف شايف الاوضاع في لبنان؟

هو: انا متشائم لما يجري من نزاعات بين الموارنة.

انا: وانا كذلك.. انا قلق، لكن قد يكون هنا بعض الخير في حادثة اهدن، اذ لا يصلح ان يصور ان الموارنة يلعبون جميعهم لعبة اسرائيل وينسقون معها.. لكن ما رأيك بالاوضاع داخل الجالية في استراليا؟

هو: لست مرتاحاً ايضاً. فالانقسامات تضعف الجميع. والخلافات المارونية تشنج العلاقات بينهم. واخشى الا تتطور الاوضاع الى ما هو اسوأ وتنقل النزاعات الى استراليا..!!

انا: وانا كذلك لديّ نفس المخاوف، لكن سيدنا عند المحن تعرف الرجال. واعتقد ان احداً سواك هو قادر على اعادة تقريب النفوس وتوحيد الجالية.

هو: ليس سهلاً في اجواء الانقسامات الجالية العميقة. ويبدو شبه مستحيل جمع بعض موارنة الشمال في مثل هذه الظروف.

انا: اعتقد، سيدنا ان الجميع لديهم كل الاحترام والتقدير لشخصكم. حتى اخصامكم يحترمون مواقفكم ويقدرون مزاياكم. ومتى اخذتم المبادرة، فالجميع سوف يلتزمون بقراراتكم.

هو: ماذا تقترح؟

انا: باعتقادي ان اغلبية الموارنة بشاركونكم مشاعر القلق ويبحثون عن مخرج لها.

هو: لا تزال الحديدة حامية ويلزم المزيد من الوقف لمعالجة انعكاسات ما يجري في لبنان.

انا: لماذا لا تنشئ رابطة مارونية تساعد المطران على تخطي الصعاب التي نواجهها وتخطط معكم من اجل خير ومصلحة وديمومة الموارنة في استراليا؟

هو: كيف ذلك والاجواء متوترة الآن. فهل يصلح جمع الموارنة في مثل هذه الظروف؟

انا: قد تكون مبادرة خطيرة ، بالطبع هذا صعب. لكن في اعتقادي يمكن ان نجد في كل البلدات والقرى المارونية اناس يتمتعون بالثقافة والرؤية الايجابية وحب الخدمة والاعتدال. وبالامكان بدء مرحلة جديدة مع هؤلاء.. بإمكانكم اختيار اناس حياديين تثقون بهم وتنطلقون في مشروع توحيدي تحت اسم الرابطة المارونية في استراليا او ما شابه ذلك.

هو: دعني افكر بالموضوع.

انا: لنفكر اكثر ونصلي معاً على هذه النية.

على كل سيدنا، يجب ان يكون للموارنة مجلة خاصة بهم. لكي لا يبقى المطران تحت رحمة وسائل الاعلام المحلية.

هو: هذا حلم لدى.. نتحدث لاحقاً

 جو متلج وانطوان الراهب

مضى حوالي اسبوعين، اتصل بعدها المطران خليفة بي قائلاً: لقد طلبت من السيدين جو متلج وانطوان الراهب لوضع قانون للرابطة المارونية. هكذا كان. فالرابطة لم تُنشأ ضد اي تنظيم  آخر،بل لاعادة توحيد صفوف الموارنة ودعم وجودهم في استراليا والحفاظ على ارتباطهم بالوطن الأم وانخراطهم الفاعل والمثمر في المجتمع الاسترالي. هكذا ارادها المطران خليفة ان تكون فالظروف القائمة في تلك المرحلة التاريخية والخوف على مستقبل الموارنة في الوطن وفي استراليا كانت بالواقع الدافع الأساسي لانشائها.

وفي 2 نيسان 1987 عقد الاجتماع الاول للرابطة المارونية، بحضور المطران خليفه والأباء انطوان شلهوب وميشال بو ملحم ورئيس دير مار شربل آنذاك الأب انطوان طعمه. وامل خليفه في كلمة له، بعد ان منح الرابطة بركته وموافقته الاسقفية، ان تكون هذه المؤسسة صرحاً جديداً يحقق كل الخير للموارنة في استراليا، لأن للعلمانيين دور هام داخل الكنيسة، عملاً بتوصيات المجمع الفاتيكاني. ولفت خليفة ان الرابطة المارونية هي مؤسسة حرة في قراراتها شرط الالتزام بتعاليم الكنيسة واحترام قادتها ومؤسساتها.

 رابطة مارونية على قياس اعضائها

من العدل الاعتراف ان المحامي جو متلج والمرحوم القاضي انطوان الراهب وآخرين بذلوا جهوداً لوضع قانون جيد ومتماسك للرابطة المارونية. كما بذلوا جهوداً لاختيار الدفعة الاولى من الجسم التأسيسي، على ان يكون ممثلاً لمختلف المكونات الاجتماعية والمناطقية للموارنة في استراليا.

ويلاحظ من دستور الرابطة ان واضعي دستورها كان لديهم تخوفاً من لبننة الرابطة ونقل النزاعات اليها. فوضعوا آلية قانونية تجعل دخول اعضاء جدد اليها عملية شبه مستحيلة، دون ان يبتكروا معاييراً او شروطاً يجرى على اساسها اختيار الراغبين بالانضمام اليها. فتحولت الرابطة حصرياً ملكاً لمؤسسيها.

الخطأ الآخر الذي ارتكبه المؤسسون هو غياب الرؤية الاستراتيجية لعمل الرابطة وعدم وجود اهداف واضحة لها، بل جاءت اهدافها شعارات كبرى لم تتمكن اللجان المتعاقبة من تحويلها الى برنامج عمل متكامل، رغم وجود اعضاء لديهم ثقلهم الثقافي وتفانيهم في خدمة الطائفة المارونية ودعم الكنيسة في مشاريعها.

 المشاغبن داخل الرابطة

حاولت على مدى سنوات طوال اعادة وضع الرابطة المارونية في مسار آخر. وتعاونت بذلك مع الصديق ريمون ابي عراج وادت محاولاتنا الى وضعنا في صف المعارضة الدائمة لا بل جرى وصفنا «بالمشاغبين».

كنت اتمنى ان يكون دور الرابطة المارونية واهدافها اكثر وضوحاً، على ان يكون لديها معياراً واضحاً لقبول او رفض الراغبين بالانضمام اليها. اردت ان تكون الرابطة مؤسسة مارونية شاملة لا ترفض اي ماروني لديه سجلاً قانونياً نظيفاً، شرط ان يدخل في الرابطة عبر احدى اللجان وكعضو فاعل فيها، وان يجري خفض رسوم الدخول الى 20 دولاراً. ولا مانع ان تضم الرابطة بضعة آلاف من الموارنة يعملون كل منهم في لجنة تلائم خبراته وثقافته ومستواه العلمي، على ان تتمتع كل لجنة بنوع من الاستقلالية الذاتية ويكون رئيسها عضواً في اللجنة التنفيذية ويعمل كل ماروني لخدمة الجالية من خلال هذه اللجنة، بعد ان يجري تحديد دورها واهدافها ونوع الاشخاص الذين يحق لهم الالتحاق بها. هذا بإيجاز مختصر.

للأسف الشديد جرى مقاومة الاصلاحات بعد ان تحولت الرابطة الى جمعية لبنانية اخرى يسعى البعض الاستئثار بها. رغم القيام ببعض النشاطات والحفلات السنوية وتقديم المساعدات المالية هنا وهنالك. فمن لا يتقدم، يتخلف، لأن دورة الحياة والترقي والتقدم، ليست حكراً على احد. ومَن لا يتطور يتخلف ويقع في الرتابة والتكرار.

 الاسافقة والرابطة

المطران خليفه، رحمه الله، كان يدعو اعضاء الرابطة الى التصرّف كراشدين وعدم الالتزام بتوجيهات الاسقف والعمل بظله وتحت عباءته.

المطران حتي كان له رأي آخر، فهو لم يبال بعمق بكل ما انجزه خليفه وحاول الغاء الرابطة واوقف مجلة «الاشعاع الماروني» بضغط من ارباب المال والاعلام في الجالية.

اما المطران ابي كرم، فرأى التقصير في الرابطة  وعدم قدرتها على مجاراته وبطء  عملها، وهو رجل التخطيط ومنظر من الطراز الرفيع. وقد تكون اللجان العديدة التي انشأها، تعكس الى حد بعيد اللجان التي كنت اتمنى اقامتها ضمن الرابطة المارونية. للأسف توقفت جميعاً مع رحيله، لأنه اخطأ ولم يدمجها مع الرابطة.

الظاهر ان كل اسقف يريد الرابطة ان تكون ملحقة به. وهي رغم استقلاليتها القانونية لم تتمكن من العمل مستقلة، بل فضل معظم اعضاؤها السير في ظلال الاسقف واكتفوا بالتقاط الصور معه والتواجد في المناسبات، حباً بالظهور.

ان تقصير الرابطة المارونية عبر التاريخ سيدفع الى ظهور جمعيات ومؤسسات اخرى تعنى بالشأن العام. فلا ضرورة لتوجيه الانتقادات الى الآخرين طالما نحن مقصرون.

هذا غيض من فيض.

فالرابطة المارونية ليست ملك اشخاص او مطية يجرى استغلالها لتبييض سمعة او تحقيق غايات شخصية.

من يريدها على قياسه يخالف علة وجودها وعليه بالتالي ان يرحل.