بقلم هاني الترك OAM

اثناء دراستي في الجامعة في القاهرة وفي احدى المحاضرات في الفلسفة وقف طالب رخيم الصوت في قاعة المحاضرات وقال للبروفسور المحاضر انت تتكلم عن الفلسفة التي لا تفيدني.. فإني اتعذب وخصوصاً في الليل اعاني نفسياً واتألم حتى نخاع عظمي من الداخل فلا تنفعني الفلسفة بمثقال ذرة.
ردّ عليه البروفسور وقال: اجلس ان حالتك مرضية ليست من اختصاصي.. غادر الطالب قاعة المحاضرات وهو مكسور القلب والألم القاتل يبدو على ملامح وجهه.. وشعرت بالحزن نحو والتعاطف معه.
وبعد انتهاء المحاضرة قابلته وذهبنا الى مسكنه المؤلف من غرفة واحدة ولا يوجد بها كهرباء.. ورأيت انها فرصة كي اتحقق من صحة منهج التحليل النفسي الذي اكتشفه سيغموند فرويد.. وربما في الاستماع اليه اساعده في الخروج من محنته.. اخذ يحكي لي قصته واسهب في الحديث اذ انه كان يريد شخصاً ما يستمع اليه.. فهو وحيد في حياته.. بدأت الدنيا تظلم ولا يوجد نور فأدركت ان عليّ ان اغادر المكان.
قررت ان اجري التحليل النفسي على نفسي لكي اتفحص صحة منهج التداعي الحر الطليق بأن اترك نفسي على سجيتها.. واطلق ما يجول في نفسي واكتب ما يجول من خاطري على الورق وكأني اخضع لمحلل نفسي بالكلام. .كنت استغرق ما يقارب الساعتين متوغلاً في اللاشعور حتى بت بعد عدة جلسات ذاتية اعتقد بدقة التحليل النفسي Psychoanalysis .. وكنت اعلم ان مؤسس منهج التحليل وأبا الطب النفسي سيغموند فرويد قد حلّل نفسه بعد ان حلل مرضاه قبل التوصل  الى منهج التحليل النفسي القائم على اللبيدو اي الطاقة النفسية المستمدة من الدوافع من الغريزة الجنسية والعلاج بالكلام وتحليل وتفسير الاحلام في اللاشعور الذي اكتشفه فرويد.. والعلاقة في الطفولة بين الطفل ووالديه او شخصية مؤثرة في حياته يتم تحويلها الى العلاقة مع المعالج النفسي.. واكبت القراءة في علم النفس حتى بهرتني نظرية فرويد.
وعندما انهيت دراستي الجامعية في القاهرة اخذت ابحث عن بلد يأويني اذ كانت احتلت اسرآئيل في حرب الايام الستة باقي فلسطين ولم يكن في استطاعتي الذهاب اليها.. ولم اعرف اي دولة سوف استقر فيها.. وكانت المشكلة هي ثروتي الفكرية من الكتب والمجلات الثقافية التي كنت قد جمعتها اثناء دراستي في القاهرة.. اوكلت زميلاً لي بأن يبيع هذه الثروة ببسطها في شارع فؤاد باشا وكتب عليها «مكتبتي الخاصة للبيع»..كان كل يوم يبيع جزءاً منها ويعطيني النقود بما تمكن من بيعه.. الى ان ضاعت مكتبتي الفكرية الشخصية.. فلم اكن اعلم اي بلد ستقودني الاقدار اليه.. واحتفظت بكتابين هما الكتاب المقدس كانت اهدتني اياه زميلة في الجامعة كنت اطمح بالزواج منها واسمها ماري.. لم اكن مؤمناً في ذلك الزمن ولكن لسبب لا ادريه احتفظت بالكتاب المقدس.. والكتاب الثاني الذي احتفظت به هو السيرة الذاتية لحياة فرويد.
كنت مولعاً بالتحيل النفسي ولكن لعدة سنوات لم اتابع القراءة بحكم هجرتي الى استراليا وجهلي اللغة الانكليزية والتركيز على عملية استقراري في بلدي الجديد استراليا.. ولكن بعد فترة من اطلاعي عرفت ان نظرية فرويد قد تقلصت خلال العقود الاخيرة الماضي واصبح اطباء علم النفس يعتمدون على العلاج السريع بالعقاقير الطبية.. وفرويد نفسه في اواخر عمره اشار الى انه حينما يتطور العلم سوف تلعب العقاقير الطبية دوراً في علاج المرضى.. وهذا ما حدث بالضبط.. بعد اكتشاف  العقاقير الطبية المركبة من مواد كيمائية اصبح العلاج المتبع مع انه ليس فيه الشفاء من الامراض النفسية والعقلية ولكن مجرد علاج .. مع انه ليس لها جدوى في بعض الحالات المستعصية… ورغم ذلك لا تزال بعض المدارس النفسية تطبق نظرية فرويد في التحليل النفسي ولكن بصورة قريبة جداً منها.. ويطلق عليهم بالمحللين واسم منهجهم النفسي Psychodynamic Therapy اي العلاج النفسي الديناميكي اي العلاج من خلال القوى او العمليات العقلية او النفسية او العاطفية الناشئة في فجر الطفولة واثرها في السلوك والاوضاع العقلية.. ومذ فترة بسيطة اجتمع في سيدني 230 محللاً للعلاج الديناميكي استمعوا الى عالم الطب الزائر   بروفسور جوناثان شيدلار وهو يقول ان هناك ادلة علمية تثبت ان العلاج النفسي بالكلام يعمل بطريقة فعالة..وقد راجع شيدلاد 160 دراسة للعلاج النفسي الديناميكي اثبت فيها فعالية العلاج بالكلام.. وقال ان تراث فرويد لا يزال حياً وخصوصاً ان النفس البشرية مركبة ومعقدة جداً والمعظم لا يفهمون تجاربهم الحياتية الماضية بالكامل .. فإن اللاشعور وهو الجزء الهام من الحياة العقلية يوقع الألم في الناس ويجعلهم يعانون نفسياً بدرجة كبيرة.. والعلاج بالكلام هو الطريقة لمعرفة الناس انفسهم.. ولذلك استخدم فرويد تفسير الاحلام وهي نتاج من اللاشعور في العلاج.. وهو القائل جملته الشهيرة: كلنا مجانين اثناء النوم.. والحلم هو جنون الليل والجنون هو حلم النهار والليل..
والعلاج النفسي الديناميكي يستغرق عامين او ثلاثة يتم العلاج فيه عن طريق السلوك المعرفي.. والآن بعد مرور عقود طويلة على اكتشاف فرويد لمنهج التحليل النفسي يعود العلماء لدراسته وتطبيقه ولكن بمنهج علمي معاصر.. لأن الجزء الأكبر من نظريته قد يكون صحيحاً.
ان تأثير فرويد يمتد من العلاج النفسي الى نظريات الابداع الفني والادبي.. ويكفي الاشارة الى ان نظرية فرويد المسماة بعقدة اوديب هي عنصر اساسي في علم النفس التحليلي وقد ظهرت اول ما ظهرت بشكل ادبي في مسرحية الكاتب الاغريقي القديم سوفوكليس.. وبعد ذلك في مسرحية هامليت للمؤلف الفذ وليم شكسبير.. قام فرويد بصياغتها في نظرية طبية نفسية.. وبالضبط مثلما ان الخيال العلمي يصبح علماً بعد ذلك بعد اجراء التجارب والاكتشافات.. فقد اسهم فرويد بطريقة كبيرة في الفكر الانساني.