تابعنا على

Share on facebook
شارك على
Share on twitter
شارك على
Share on linkedin
شارك على

وينزر: مدينة الصباحات الندية التي يعشقُ أهلها حدائقها وجسرها القديم

للطرقاتِ ذاكرتُها التي تعيدك إلى أبجدية الحزن  وتوهج الروح

عبد الوهاب طالباني

للطرقات ذاكرتها
للطرقات ذاكرتها ، ولها خلجاتها التي تحيي نوعا من الاحاسيس الدفينة في النفس التي تعيدك الى أبجدية الحزن و توهج الروح، هذا الطريق الطويل « وينزر رود» الذي سلكته اليوم إلى بلدة « وينزر» القديمة إحدى المناطق السياحية الجميلة  القريبة من سيدني ، ومدينة الصباحات الندية ، أيقظ فيّ  دنيا من المشاعرالمختلفة ، المحزنة منها و المفرحة ، وأحيت في ّ هسيسا من وجع الغربة … تذكرت أيام كنت أصعد  نحو اعماق الجبال  منطلقا من أربيل ثم إلى فاتنة مصائف كوردستان « حاجي ئومه ران» …
تبعد بلدة « وينزر» عن الحي الذي اسكنه حوالي 70 كيلومترا  ، وعندما تتوجه الى تلك البلدة الجميلة وتخرج من الضواحي ، يكون جانبا الطريق دائما مكسوين بالاشجار ، وبمساحات خضراء على مدّ النظر ، وقد حاولت مرّة أن اخذ طريقا جانبيا ، لكنني ضعت ، ولولا مساعدة صديق بواسطة الهاتف لكنت أقضي وقتا طويلا للعثور على الطريق العام .
كالعادة أخذت لفة الكباب من مطعم «نوروز» في ضاحية فيرفيلد ، وقنينة الماء وتفاحة ، وصلت البلدة حوالي الظهر ، وقبل أن أدلف إلى الطريق الجانبي المؤدي إلى ضفة النهر لاوقف سيارتي  في موقف صغير يسع فقط لعدد قليل من  سيارات ، رأيت حشدا كبيرا من الناس في ساحة «طومسون» على الجانب الايسر من الطريق العام ، وسمعت موسيقى صاخبة ولافتات مرفوعة ، ومواطنين يلبسون الزي القديم للقوات البريطانية والبحارة ، أوقفت سيارتي ، وتنفست الصعداء لآني وصلت  مكاني الاثير الذي عثرت عليه منذ سنين قليلة، والذي أرتاده دائما ، ولا استطيع تركه ، فهذا الموقع مكان جميل للتأمل  ، وفي الجو المشمس الصافي ، رأيت أن الضفاف قد اخضرت تماما ، ومويجات النهر تعاكس شعاع الشمس  البهية ، وباخرة على الرصيف يصعد اليها سواح صينيون ..
معترضون
صعدت إلى ساحة «طومسون» ، فعلمت أن التجمع قد دعت إليه هيئة من السكان ، تعارض مشروعا ، يرمي إلى هدم الجسر القديم وتشييد جسر جديد وتحويل ساحة «طومسون « الخضراء إلى بنايات ، لا ادري  كيف ، ولكن أحسست أنني يجب ان أؤيدهم ، فالمشروع سيقضي على المكان الذي احببته أيضا ، وتقتلع الاشجار الكبيرة التي أعمار بعضها لا تقل عن مائة عام « حسب روايات السكان» ، كانت هناك خطابات شديدة اللهجة ، ولكن الموسيقى كانت ترطب الاجواء ، وعند جذع شجرة كبيرة معمرة، رايت قلبين ، رسمهما عشاق مروا بها ، كتبوا تحتهما بخط عميق « احبك للابد» …سيدة  طاعنة في السن كانت واقفة بالقرب مني قالت : أراك مهتما بهذه الشجرة ؟ قلت : نعم لانها مهددة بالزوال و أفكر بالعاشقين اللذين كتبا هذه العبارة ..ربما يجتمعان مرة اخرى هنا ولا يريان ما كتباه..
فندق المدينة
ألذي يسترعي الانتباه في هذه المدينة هو بناياتها القديمة ، فالمدينة شيّدت في بدايات  عام 1800  من قبل المستوطنين الاوروبيين الاوائل ، وقد بني أول نزل أو فندق للمسافرين فيها في عام 1815، وهو ما زال باقيا ويحتفظ بطرازه القديم الجميل ، ويرتاده أهل البلدة والسياح ، ويقدم أطباقا شهية من الطعام ، وفي ليالي العطلة الاسبوعية تقام فيه الحفلات الموسيقية التي تستمر إلى ما بعد منتصف الليل.
كنتُ قد اخترت زيارة البلدة  يوم الاحد كعادتي ، لأن الشارع الرئيسي للبلدة يشهد سوقا سياحية ، وإذا أردت  الاستمتاع بزيارتها فيجب أن تأتيها يوم السبت أو ألاحد ، ويأتيها الناس من مناطق سيدني الاخرى والسياح أيضا ، حيث تنصب محلات موقتة تعرض فيها أنواع عديدة من الانتيكات و ومختلف المعروضات من ملابس  ، أدوات تجميل نسائية ، لوحات ، مصنوعات يدوية ،آلات موسيقية ، كتب و شعر مستعار «باروكات نسائية» ..إلخ.
بالقرب من نصب الناعور الذي يتوسط الشارع  إسترعى انتباهي سيدة مع زوجها كانا يبيعان لوحات فنية ، قالا إنهما يتمتعان بالسوق ، وأيضا يحصلان على بعض المال ، قلت : كيف إخترتم هذا النوع من العمل،  إنكم تبيعون  لوحات فنية رائعة حقا . قالت السيدة : أحسن ..انها تريح النفس.
وفي مكان آخر كان هناك رجل طاعن في السن يعرض صورا لأحد السدود وصورا قديمة أخرى للمنطقة مع كتابين قال:
– أنا مؤلف هذين الكتابين ..
وعندما تناولت أحد الكتب وحاولتُ أن  انقل شيئا منه ، قال لي بلطف:
– إنك لا تستطيع أن تنقل شيئا من كتابي  ، لي حقوق فيه..
رجعت الكتابين وقلت : عفوا حاولت فقط أن أعرف شيئا عن شخصك ، حينها قال :
– أكتبْ اسمي «ساول فيلكر مونرو « من مقاطعة «ويلز» مؤلف هذين الكتابين فقط ، عمري ثمانون عام ، عملت طول حياتي في البحرية التجارية الاسترالية إلى أن
تقاعدت .
بعدها سألني:
– أنت من اين ، أقصد من أية خلفية؟
– جنسيتي أسترالية وطني الام كوردستان
وبعد أن فكر قليلا قال:
– يعني أنت تركي …!!!
أدركت أن الامر قد إختلط لديه وعملية الشرح قد تستغرق وقتا طويلا ..
حينها مددت يدي له وصافحته وقلت :
– شكرا لوقتك مع السلامة ، أليوم  الجو جميل جدا والسماء صافية..
وفي ركن آخر رأيت سيدة تبيع باروكات نسائية ملونة.. إبتسمت عندما قدمت لها نفسي وقالت أهلا بك ،قلت لها :
– ما قصة هذه «الشعور» الملونة التي تبيعينها ؟
– تعلم أن البنات والنساء الاوروبيات عموما يحبون أن يتزينوا بالباروكات الملونة خصوصا في المناسبات ، سوق هذه الباروكات  رائجة ، وأنا سعيدة لأنني اقضي وقتا جميلا استفيد وأفيد.

وعندما صورتها فرحت كثيرا وقالت: هل سينشرون الصورة هناك؟ قلت : ربما ..
إقترب المساء ، هبّت ريح باردة ، رجعت الى سيارتي ، ألقيتُ نظرة اخرى على صديقي الاثير ، هذا النهر الهادىء في مجراه  ، ألشاهد على حكايات الماء و وتفتح البراعم ومواعيد الغزل……
أما لفّة  «نوروز» فقد نسيت أن آكلها ، وأكتفيتُ بالتفاحة.

شارك على

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn