تابعنا على

Share on facebook
شارك على
Share on twitter
شارك على
Share on linkedin
شارك على

مداخلتي في المؤتمر الدولي، عقده المنتدى الثقافي الأسترالي العربي موضوع المؤتمر: غربة في الوطن، ووطن في الغربة

دينا سليم حنحن – بريزبن

سوف أتحدث عن تجربتي الروائية في موضوع الهجرة والاغتراب،

وسوف أعتمد عما كتبه النقاد عن أربعة أعمال من أعمالي الروائية التسعة تتعلق بموضوع الهوية، والهجرة، والمنفى، والاغتراب.

لكن دعوني أتحدث عن هجرتي الشخصية أولا:

الغربة غربتان: الغربة في الوطن – وعندما يسكنك الوطن في الغربة.

أصعب احساس وموقف أن تجد نفسك في غربة وأنتَ داخل الوطن: يبدأ التفكير في الهجرة. أما عندما تستقر في الوطن البديل، كلما لمسنا الجرح العميق الذي غُرز داخلنا، يُنكأ وينزف الماضي بذكرياته الأليمة من جديد.

الغربة عمر يمضي، والعمر الضائع منفى أيضا.

بداية، وقبل وصولي إلى أستراليا، كانت أحلامي وطموحاتي كبيرة جدا، لكن بدأت تظهر معيقات كثيرة. وصلتُ وحدي إلى القارة الجنوبية، كنت قد تركت أبنائي في البلاد، كان أول شيء خطر في بالي، سيرة حياة الشاعر الإيطالي “دانتي “ عندما امتنعت زوجته عن مرافقته إلى منفاه في فلورنسا، بل ومنعته من رؤية أطفاله أيضا. توفي الشاعر بعد عشرين سنة، منفيا، ومشردا، وبعيدا عن وطنه، في تلك الأثناء كتب معجزته (جحيم دانتي / الكوميديا الإلهية)، ومن يزور مقاطعة رافينا  يجد قبرا له كتب على شاهدته “ هنا يرقد دانتي بعيدًا عن وطنه ومسقط رأسه”.

لم أخف يوما من الموت بعيدة عن الوطن، بل ولم أفكر بجثماني وهو يعود وحيدا إلى الوطن بعد عمر، كما حصل مع والدي رحمه الله، كثيرون تقلقهم فكرة الموت في الغربة.

لكن جلّ ما كان يقلقني هم أبنائي. أذكر أني جلست مرّة في مجمع فيلفيرد، سيدني، ورأيت فتاة جالسة مع والديها، كانت تشبه ابنتي الصغيرة بقصة شعرها، فتسمرت في المكان وقد انتابني شعور أن تلك الفتاة الغريبة ابنتي، غلبني الشوق، وبقيت مكاني ولم أغادر حتى غادروا هم، عشت جحيما لا يطاق، وأصبحت “مثل الكركي ترسل أنغاما باكية”.

)اقتباسا لبيت في قصيدة (جحيم دانتي)، طير كركي، طير الحرية(.

تضاعف حماسي، وعملت على وصول أبنائي إلى أستراليا أيضا، تحملت الشوق رغم أن المدة الزمنية التي أمضيتها وحدي لم تتجاوز الأربعة أشهر، لكنها كانت بالنسبة لي شهورا ضاعت من عمري.

في أستراليا كبرت الهموم، أهمها البحث عن أسباب معيشة محترمة، خشيت على ضياع الحلم والذي بدأته بالهروب من القفص إلى حياة جديدة خالية من الحزن، وحتى تمرّ الأيام سهلة انغمست في الكتابة، حينها فقط، انتظمت دورة التنفس داخلي، فانتعشتُ من ناحية فيزيائية، ونفسية، واجتماعية.

استقررتُ، واستقر أبنائي في بريزبن، وكُتب لنا النجاح، لكن، لم يتوقف هاجس دقّ داخل عقلي مثل ناقوس الأحدب في نوتردام، وحتى لا نضيع وسط غابة ونصبح مثل الذئب الرمادي، يعمّر كثيرا ويصاب باليأس في كهولته، توجّب علي البحث عن مجموعة ننتمي إليها حتى نحافظ على جذورنا، ولغتنا، وهويتنا من الضياع، وبدأت رحلة البحث عن مجموعة مناسبة، لم تكن بريزبن مهيئة كليا لاستيعاب من يتكلم العربية، والمتحدثون بها قلة وندرة، والمجموعات الاجتماعية القليلة اقتصرت على تشارك تناول الطعام، والشواء في الحدائق العامة، والضحك والترفيه، لكنني صمّمتُ على تسجيل أسمائنا في مكان يسهل الكشف عنه في حالات الطوارىء، وقد احتجت من يصلي لأبني، رحمه الله، قصدتُ كنيسة يونانية قريبة من السكن الذي أقمتُ فيه، كنا قد اعتدنا في بعض مدن فلسطين على الكهنة اليونانيين عند أداء الصلوات، فلم أجد الأمر غريبا.

أنا شخصيا تمتعت بحرية التفكير بعيدا عن الدين، ولم أكن مولعة كثيرا بالروحانيات، مؤمنة بالله وتركت إيماني لنفسي، لكن كل ما أردته هو الانتماء إلى شيء يدعمنا وجدانيا، ومعنويا للحفاظ على هويتنا، فنحن في نهاية الأمر اخترنا حياة جديدة في مكان غريب لا نعرف فيه أحد.

من عادة الكنائس تسجيل أسماء رعاياها ومعلوماتهم الشخصية، لكن صدمنا بحائل جديد، وهو عدم اتقاننا للغة اليونانية، واستمر البحث عن عنوان جديد ننتمي إليه. اتضحت الرؤية، وفهمت سبب انتساب المهاجرين إلى مجموعات دينية هنا، ربما خوفا من الضياع في الغربة، أو ربما، اعتادوا في بلادهم وقبل مجيئهم على النمط ذاته من الحياة الاجتماعية، في فلسطين الداخل، انتمت أرواحنا إلى مجموعات مختلطة ثقافية بعيدا عن دور العبادة، لكن الظروف هنا مختلفة جدا قادتني إلى غربة أخرى، صراحة أقولها، لم ترق لي التجمعات الدينية في بلد يعد علمانيا، وتكونت فيه آلاف التجمعات العقائدية استنادا إلى الحرية الشخصية، واحتراما للديانات والعقائد.

في اعتقادي، هذه التجمعات ساهمت في المزيد من التقوقع، والابتعاد عن الثقافة والبحث العلمي، واختصرت من التعاطي مع المجتمع الواسع المسمى المجتمع الأسترالي، انهمك المهاجرون بحفظ مواقيت الصلوات، والصوم، والاحتفالات الدينية، ولم يهتموا إلا بنسب قليلة جدا بتأسيس جمعيات ثقافية وأدبية، والحديث يطول في هذا الشأن، لكن، هناك محاولات هدفها تدريس اللغة العربية، أتمنى أن يتحقق الحلم في محاولات أخرى، تشبه البرعم، في تأسيس المنتديات التي تعنى بالثقافة.

سوف أختصر الكلام وأقول، إن الغربة تتضاعف في الغربة، وينهمك المرء بأشياء كثيرة، جميعها بعيدة عن العطاء الثقافي، وعندما يستقر الفرد، يكون قد نسي لغته والعالم الذي جاء منه، ولولا الانترنيت لعشنا غربة أخرى تنسينا أسماءنا.

لنقل إنني امرأة ثائرة، فاسـمي يـدل على طالعه، لست ابنة فلسطين فقط، أنا أخت يوسف الذي مرغوا بالوحل قميصه، أنا التي أحرقت عيون يعقوب وليّا أدمعا، أنا التي  تقاسمها الأعداء فيما بينهم.

في لغات أخرى، دلّ اسمي على عراقة وحضارة، وإشراقة الصبح، والجنون أيضا.

شعوري بالإحباط أضاف إلى غربتي غربة عندما كنت داخل وطني، فنما عندي هدف واحد وحلم كبير، الرحيل، والتحرر من القيود، لنقل أن مشاكلي كانت اجتماعية، وجميعنا نعلم الظروف التي تعيشها المرأة العربية عندما تبدأ تكتب وتنشر ما تكتبه.

كان لا بد من اختيار المنفى وطنا، حتى اُصلح ما أفسدته القوانين والعقائد البالية في الوطن من حقوق المرأة.

أما عن الروايات التي تحدثتُ فيها عن الهجرة والمنافي:

«قلوب لمدن قلقة»: عن قصة حقيقية، البحث عن الهوية، وضياع الهوية، كعادتھا في فن السرد، تھتم بالزمكان، والإیحاء، والاستبطان، والتداعي، والاسترجاع، وتعدد الأصوات، والتراسل، امتد من أستراليا حتى أزقة فلسطین العتیقة، ومنھا القدس القدیمة والجدیدة، ومدنھا المغتصبة الأخرى، مع اھتمام واضح بالوقوف على توصیف معالمھا توصیفاً دالاً على شغفٍ بالمكان ومعایشة حقیقیة له، ومعرفة كافیة بخصوصیاته.

“ربيع المسافات» – رحلة إلى القارة الأسترالية

رحلة امرأة مغامرة اقتحمت المجهول في القارة الاسترالية المترامية ..بحيث نشعر أنها تؤرخ لحظة من لحظات حياتها، وجدت نفسها في أرض غريبة ومبغوتة ومبهوتة، لما رأت من واقع جديد لم يكن يخطر لها في الأحلام.. حتى جعلتنا ننغمس في عوالمها الداخلية وهي تتمزق بين عالمين :عالم وطنها المضرج بكل مآسي التاريخ، وعالم الغربة المفتوح الأبواب لكل من خرج من وطنه طوعا او كرها..

“تراتيل عزاء البحر»: رحلة في قوارب اللجوء، تتحدث الرواية عن المرتحلين بحرا، طالبي الحياة الجديدة في منافي الحرية. تغوص الرواية عميقا في النفوس التي تتيه في قعر البحار تنتظر الموت غرقا.

رسالة موجهة الى العدالة الكونية، والبشرية التي فقدت إنسانيتها، تصوير الموت الجماعي غرقا بكلمات مصورة، كرّست الأديبة دينا سليم روايتها لعاشقي الحياة ومحبي الوجود، والتي لم تستطع الحياة مبادلتهم العشق وحب البقاء، جعلتنا ننغمس في عوالمها الداخلية وهي تتمزق بين عالمين :عالم وطنها المضرج بكل مآسي الحروب، والتاريخ، وعالم الغربة المفتوحة أبوابه لكل من خرج من وطنه طوعا او كرها..

“ما دونه الغبار” آخر رواية صدرت، قبل شهرين تقريبا، تحكي عن هجرة شعب كامل في النكبة.

« الحلم المزدوج» باكورة أعمالي وبطلي المنفي من بلاده، رواية انسانية بحث فيها البطل عن حلمين، العودة إلى وطنه بعد انتهاء الحرب، والاحتفاظ بحبيبته التي تعرّف عليها في المنفى، فاختار العودة ليجد نفسه منفيا من ذاته.

شارك على

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn