بقلم العميد وجيه رافع

جميعهم يلتزمون بالمبادرة الفرنسية،وحدها المبادرة لم تعرف كيف تلتزم بنفسها، وُلدت على اثر انفجار،جيئ بها من خلف البحار ،كاملة متكاملة(full package) مع رئيس حكومتها وورقتها الاصلاحية العلمية وصولاً الى الاسماء الخفية لوزرائها،بدأت تعاني القهقرى حال وصولها الى بيروت،حيث جدار الطائفية العتيق بانتظارها،ظنت للوهلة الاولى انها تستطيع المواءمة بين شكلها الطائفي من الخارج وقلبها العلمي التقني من الداخل،ولأن الحقيقة تراقص من يتلاعب بها بصمت احياناً،سرعان ما تضارب شكلها مع قلبها،فهوت صريعة في لعبة الغميضة الاميركية-الايرانية في لبنان والاقليم،وأدمت قلوب الحالمين في حبة من البركة ذات السحر الفرنسي الجذاب لدى غالبية اللبنانيين، الذين اعتقدوا ان سحرها القادم هو من سينقذ رقابهم من سطوة الجلادين في بلاد الألاعيب

 

لكن في الحقيقة،لا بد لنا من القاء الضوء على جانب مهم ساهم ايضاً بسقوط المبادرة الفرنسية،اذ ان فرنسا واوروبا بشكل عام،ومنذ تقهقر مشروعهم القديم في الشراكة من اجل المتوسط،هذا المشروع الذي اسقطته واشنطن في حقله الفلسطيني والعربي منذ ثمانينات القرن الماضي،ادى الى ابتعاد اوروبا كثيراً عن مسارح الشرق الاوسط،لدرجة ان دبلوماسيتها اضحت غير ذي صلة في مجريات احداث المنطقة ،أضف الى ذلك، الاختلاف الجوهري في مقاربة النظريات السياسية بين اوروبا واميركا ،ففي الوقت التي تقارب الاولى ملفاتها وفقاً لثقافة قديمة باتت من الماضي ولم تعد تجدي في منطقة معقدة كمنطقة الشرق الاوسط،ثقافة رافقت اوروبا منذ الحقبة الاستعمارية،ما زالت  تنتمي الى عصر الاتفاقيات الرسمية المرافقة لعنصر القوة او عامل الضغط تحقيقاً لاهداف مصلحية،بينما تذهب واشنطن الى سياسات مختلفة تقوم على تكتيكات ضمنية،سرية وثنائية،وتحاكي مصالحها باسلوب براغماتي دقيق، فتحقق مصالحها دفعة واحدة احياناً وبالتقسيط المريح احياناً اخرى، وبالتالي نجد انفسنا امام  مدرستين ونظريتين مختلفتين في العلاقات الدولية، حيث تعتمد فرنسا على النظرية التقليدية التي تقوم على: تحديد الهدف، ثم ممارسة قوة الفرض والتهديد، وتحقيق الاهداف المطلوبة، في الوقت الذي تختبئ نظريات  وسياسات واشنطن الاستراتيجية ضمن حلقات غامضة تواكبها تصريحات ومواقف علانية تتعارض احياناً كثيرة مع حقيقة مبتغاها

 

لا بد من الاعتراف،ان الاسلوب الفرنسي في مقاربة ملف حكومة المبادرة، انعكس بشكل سلبي على روحية هذه المبادرة،اذ انهم حاولوا تشكيل حكومة مهمة،مارسوا الضغط والتهويل والتهديد،لكنهم لم يتمكنوا من تحقيق النتائج المرجوّة،فسقطت مبادرتهم في جدلية خفية بين مقاربة الاصلاح ومباشرة البحث عن عقد سياسي جديد،واستناداً الى اسلوب هش وقديم في بلد يعاني من تمزقات هائلة في مختلف جوانب عمليته السياسية،وفي الوقت الذي يعرف الجميع انه من المسموح  ان يكون الاصلاح فرنسيا، انما العقد الجديد لا يمكنه الا ان يكون اميركياً، لارتباطه بالمسار الاقليمي المشرقي العام،فدخلت المبادرة في حالة من التخبط  واللاثقة واللاأفق وفقدت قوتها لدى  مختلف اللاعبين الذين لم يبخلوا  في تظهير هشاشتها وضعف بناءاتها،وقد زاد من ضبابيتها ايضاً، عدم تمتع الرئيس المكلف بالدهاء المطلوب للسير في لعبة حساسة ودقيقة بين الافرقاء اللبنانيين

 

من نافذة جيوبوليتكية،وفي تحليل بياني لكل من محوري فرنسا وحزب الله،تعتبر  الشرفة المشرقية اللبنانية، عبارة عن منطقة التقاء المحورين،فلبنان،على المحور الفرنسي،هو نقطة النهاية للعبة المصالح الفرنسية الممتدة من فرنسا على طول المتوسط،بينما يُعتبر لبنان على محور حزب الله،كلاعب اقليمي،هو نقطة البداية بحيث ينطلق نحو الشرق وباتجاه طهران،ويتفرع في مساره ليلاقي مسارح استراتيجية اخرى مؤثرة جداً على الامن القومي الايراني،فهما اذن محوران متعاكسان يلتقي طرفيهما في بيروت

 

واستطراداً،نجد ان حزب الله لا يمانع من حفظ دور لفرنسا في لبنان،منطقة التقاء محاورهما، لاهداف اصلاحية للملف اللبناني،وتسهيلاً للمصالح الفرنسية في شرق المتوسط،وصولاً الى تقاطع بينهما حول الخطر التركي المشترك،وقد بدا ذلك واضحاً في جواب امين عام الحزب لجهة عدم اغلاق ابواب المبادرة، شريطة وجوب ترسيمها جيداً،ووفقاً لمحوري الفريقين ومصالحما الذين سبق ذكرهما، وكأنه يقول للفرنسيين: اهلاً بكم في لبنان،انما لا دور لكم في المحور المعاكس،هناك حيث تختبئ لعبة معقدة من نوع آخر،بين كل من واشنطن وموسكو وطهران،وحيث تختفي باريس فيها كلياً،وللرومانسيين السائلين عن دور الدولة اللبنانية في لعبة المحاور هذه،يمكنهم مراجعة مختبرات معدلات القوة والتصنيف في خرائط الامن الاميركي الجيواستراتيجي،عندها سيكتشفون ان الدولة اللبنانية مصنفة كلاعبة تائهة وضعيفة  داخل الاراضي اللبنانية،فكيف  يكون لها دور في مجريات احداث المنطقة

 

في المقابل،بدا ان باريس مصرّة على مبادرة مفتوحة من دون اي تقييد،ظهر ذلك بوضوح في مؤتمر النكسة للمبادرة الفرنسية عندما هاجم الرئيس الفرنسي المشروع الاقليمي للحزب،عندها وجد الثنائي شينكر-بري،كل وفقاً لمصالحه،بقلب الطاولة القائمة لصالح طاولة مختلفة، مع دفتر واقلام تلوين وترسيم،حيث حضرت فجأة،النظريات الاميركية وتقاليدها في”الثنائي والضمني والمستتر” فتمكن الاميركيون من تبديل الادوار واعادة ترتيب الصفوف،وتمكن الثنائي الشيعي من اعادة توجيه البوصلة مجدداً الى حقل واشنطن المغناطيسي ،وادخلوا المبادرة الفرنسية في دائرة من التوقف والجمود، بهدف تذويبها واعادة ترسيم حضورها واصطفافها  في المشروع الاميركي والدولي، فبدت الصورة الاخيرة،كمن يقارب ملفاً استراتيجياً باسلوب تكتي متقطع أدخل الجميع في استقطاع حقيقي للوقت سيمتد لشهور طويلة،ومن المحتمل ايضاً فرملة العقوبات الاميركية وتجميد الضغوط المتراكمة بمختلف تلاوينها واتجاهاتها،لكن في النهاية، تبقى المسألة بغاية الخطورة والصعوبة،خصوصاً اذا ما وصلت المفاوضات الى طريق مسدود