بقلم بيار سمعان

اقر مجلس النواب في ولاية نيو ساوث ويلز الاسبوع الماضي عدم تجريم الاجهاض، ووافق على تشريع الاجهاض دون قيد او شرط، حتى الاسبوع الثاني والعشرين من بداية الحمل، اي ما يزيد على خمسة اشهر، على ان يوافق طبيبان على اقرار الاجهاض لدواعي صحية او نفسية بطرح الجنين، بعد هذه المدة، وحتى الى ما قبل الولادة. ويلتزم الطبيب المعاين على توفير اطباء للمرأة. في حال تمنع عن اجراء عملية الاجهاض.

نيو ساوث ويلز لم تكن الولاية الاولى التي شرعت الاجهاض في استراليا. فالاقليم الشمالي من البلاد اقر الاجهاض عام 2017 ضمن مدة تصل الى 24 اسبوعاً، بينما اباحت ولاية جنوب استراليا الاجهاض ام 1969 عند الضرورة، على ان تجري العملية قبل 26 اسبوعاً. وتجري عمليات التخلّص من الجنين في المستشفيات والمراكز الطبية المتخصصة.

ولاية تازمانيا سمحت بالاجهاض عام 2013 وحتى الاسبوع السادس عشر على ان يؤخذ برأي طبيبين بعد هذه المدة.

ولاية فيكتوريا كانت تعتبر الاجهاض جريمة حتى عام 2008 عندما جرى تشريعه في برلمان الولاية.

اما غرب استراليا فقد اباحت عمليات الاجهاض عند الطلب وقبل الاسبوع العشرين من الحمل، اذا كان يؤثر على صحة المرأة النفسية والجسدية، بعد 20 اسبوعاً يسمح بالاجهاض اذا كان الجنين يعاني من عاهات او امراض خطيرة، عملاً بتوصيات الطبيب المعاين.

ولاية كوينزلاند شرعت الاجهاض عام 2018 حتى الاسبوع 22.

– عمليات الاجهاض في استراليا

حسب بيانات ميديكير  والتي تشمل السنوات الممتدة بين 1995 و2002 تقوم المؤسسة الصحية بتمويل 75،700 عملية اجهاض سنوياً، على حساب دافعي الضرائب.

وتبين من تحليل الاحصاءات ان 17،2 من الف امرأة، بين عمر 15 و44 عاماً يخضعن لعمليات اجهاض في ولاية غرب استراليا، واذا طبقنا هذه النسب على المستوى الوطني، يعني ذلك ان 82،700 الف عملية اجهاض، تجرى سنوياً في استراليا.

واذا اجرينا مقارنة سريعة نجد ان عدد الاطفال الذين يولدوا في استراليا يقارب عددهم 154،400 الف طفل، مقابل 82،700 الف جنين يجري اجهاضهم. ويصل الى استراليا سنوياً 400 الف مهاجر. وهذا ما اثار حفيظة زعيمة امة واحدة بولين هانسون التي انتقدت سياسة الحكومة للهجرة، مشيرة ان 61،4 ٪ من النمو السكاني يعود الفضل فيه الى المهاجرين وليس للنمو السكاني الطبيعي الناتج عن الولادات.

وبرأي هانسون، ان استمرار الهجرة على هذا النمط سوف يؤدي، مع مرور الزمن، الى تغيير وجه استراليا وثقافتها.

– الاجهاض في العالم

منذ انطلاق حركات التحرّر النسائية في العالم تحوّل الاجهاض الى ظاهرة عالمية.

معهد Guttmacher المتخصص بدراسة ظاهرة الاجهاض في العالم، يقدر نسبة الاجهاض في الاعوام الممتدة بين 2010 و2014 بحوالي 35 مليون حالة، ارتفعت مؤخراً (2018) لتصبح 65 مليون عملية اجهاض.

ويدعي المعهد ان ربع النساء الحوامل في العالم يخضعن للاجهاض، وان اغلبية النساء هن في العشرينات من العمر.

ويجري احصاء عمليات الاجهاض بنسبة 10٪ من المؤسسات الصحية المعتمدة، اما 77٪ منها فيتم من خلال انظمة احصائية متعددة.

ويذكر المعهد ان 64٪ من عمليات الاجهاض جرت في دول آسيوية.

وتقدّر منظمة الصحة العالمية ان الوفيات لدى النساء يعود 14،9 ٪ منها الى عمليات الاجهاض، وان ما يقارب النصف يقع في القارة الافريقية وحدها.

– الاجهاض وحقوق المرأة

ينقسم الرأي العام الى قسمين، حول الاجهاض. قسم يؤيد حرية الحياة البشرية وضرورة الحفاظ عليها، وقسم آخر يرى ان للمرأة الحق بالتحكّم بجسدها وان الجنين هو عضو من هذا الجسد ولها الحق بالتخلص منه.

وليس كل من يدعم حقوق المرأة يدعم الاجهاض، اذ ينشط الكثير منهم لطرح حلول عملية للاسباب التي تدفع للاجهاض. وان الحق في الحياة يجب ان يتقدم دائماً على حق المرأة بالمساواة والتحكم بجسدها.

ويرى هؤلاء ان الاجهاض لا يحرّر المرأة، ويسمح بالعكس للمجتمع بعدم تلبية احتياجاتها. وان ما تحتاجه المرأة ليس حرية الحصول على الاجهاض بل توفير ما تحتاجه للبقاء مستقلة مالياً واجتماعياً كأم. فالافضل توفير الرعاية للأطفال واعتراف اماكن العمل باحتياجات الامهات، وتوفير جدولة مرنة واجازة امومة، وان تسعى  الدول والانظمة على اعادة دمج المرأة في القوى العاملة. وبالتالي، ان عدم السماح بالاجهاض يلزم الحكومات باستثمار المزيد من الأموال في دعم الامهات.

ويرى هؤلاء ان الاجهاض لا يحرّر المرأة، بل على العكس يشكّل هروباً من معالجة القضايا الحقيقية الاخرى. فالمرأة التي تتعرض للاغتصاب وتصبح حاملة لا تنفي المشكلة الحقيقية كونها تعرضت للاغتصاب، وليس لأنها حامل.. هناك نساء يتضورن جوعاً ويصبحن حاملات. المشكلة الأهم هي انهن يتضورن جوعاً وليس كونهن حوامل. فالاجهاض يقتل الجنين، لكنه لا يعالج مشكلة الجوع المزمنة او مشكلة الاعتداء الجنسي عليها.

ويرى هذا الفريق ان الاجهاض هو مجرّد مؤامرة ذكورية ضد النساء وان المرأة التي تدعم وتؤيد الاجهاض تسير في تدعيم هذه المؤمرة، دون علم منها.

– متى تبدأ الحياة

قد يكون الخلاف حول بداية الحياة هو المنطلق الأساسي لاعتبار الاجهاض مجرد جريمة قتل يشرعها القانون. فمتى تبدأ الحياة، وهل يعتبر الجنين كائناً حياً منذ اللحظات الاولى لتلقيح البويضة؟

يرد البعض الاجابة على هذا السؤال الى اعتبار الخلية الاولى خلال االلقاح بين السائل المنوي والبويضة خلية حية تبدأ بالانقسام خلال 24 ساعة وتتفرّق لتشكل اجراءً مختلفة من جسم الانسان.

وعلى العكس، فالخلايا الميتة لا تتفاعل او تنمو او تنسخ الحمض النووي للكائن البشري الموجود في داخلها بفعل القوة التكوينية.

فالجنين هو في الحقيقة انسان وكائن حي وليس اي شيء آخر. فالجمع بين البويضة والسائل المنوي يعتبر بداية الحياة الجديدة لانسان جديد تشمل كل الخصائص البشرية من لون الشعر ولون العينين والبشرة وبصمات الأصابع والعديد من الخصائص الفردية.

وصحيح ان الطفل يأخذ الكثير من خصائص الوالدة لكنه يبقى مختلفاً عنها من الناحية الوراثية . فهو يرث خصائصه المميزة من الوالدين ومن الاجداد والاصول الجينية الكائنة في تكوينه الوراثي.

لذا يعتبر الاجهاض هو عملية قتل وجريمة جنائية بالمفهومين الوراثي والاخلاقي. وعلى الوالدين ان يتحملوا المسؤولية تجاه حياة الجنين.

جماعة «حرية الاختيار» و«الجسد ملك المرأة» ولها الحق بالتحكم به، يتناسون انه يحق للمرأة استخدام وسائل منع الحمل اذا لم ترغب في الانجاب وعليها بالتالي عدم الانخراط في علاقات تؤدي الى الحمل. لكن مع حدوث الحمل، لم يعد جسدها هو ملك لها لوحدها، لأن الجنين ليس مكملاً لهذا الجسد، وان كان ينمو بواسطته. فالأم والطفل ليسا نفس الشيء من الناحية البيولوجية. ويجب الا يكون الاجهاض بوابة هروب خالية من العواقب.

ونادراً ما يكون الاجهاض، من الناحية التقنية، الوسيلة الناجعة لانقاذ حياة الأم. ويتجاهل الناس وفي طليعتهم «المشرعون» المعاناة والألم الذي يمكن ان نتصوره، عندما يتم تقطيع اواصل الطفل وسحبه قطعاً مبتورة الى الخارج.

فالاجهاض هو باختصار الوسيلة المباشرة للقضاء على الجنس البشري، مع توفير الغطاء التشريعي.

– ثقافة القتل

لا يمكن فهم تشريع الاجهاض في العالم وفي استراليا بنوع خاص، دون الأخذ بعين الاعتبار قضايا وتشريعات اخرى.

فاستراليا شرّعت زواج المثليين منذ ما يزيد على عام تقريباً. ومع تقديرنا لحرية ممارسة الجنس لدى البعض بالطرق التي يرغبون بها، غير ان العلاقات المثلية تبقى غير طبيعية وعاجزة عن الانجاب. اذ يستحيل على رجل وآخر ان يؤسسا عائلة، كما تعجز امرأتان من الانجاب دون تدخّل رجل في علاقتهما.

فإذا صدقنا ان 2،3 ٪ من سكان استراليا هم منخرطون في علاقات مثلية، فان هؤلاء هم عاجزون عن الانجاب وتأسيس عائلات. وهذا هو الاجهاض الاول والعامل المباشر للحد من النمو السكاني، ومن استخدام الطاقة الجنسية في غير موضعها.

العام الماضي، شرعت ولاية فيكتوريا قانون «القتل الرحيم». ولا شك ان ولايات اخرى ستسير على خطاها.

نسأل متى كان القتل رحيماً؟ وما هي الضمانات الا تتحول قوانين «القتل الرحيم» الى تشريع لقتل المجموعات التي اصبحت عائقاً على المجتمع المنتج والتي تحولت بسبب الاعاقة او المرض او اي سبب آخر، عالة على المجتمع على الطبقة العاملة والمنتجة؟. ولا مانع من التخلص منها؟!

ألم تفعل النازية ذلك خلال الحرب العالمية الثانية؟ اننا اليوم نمنح قتل الأقليات المستضعفة صبغة قانونياً قد تتحول يوماً الى عرفاً اجتماعياً لخلق «هولوكوست جديد» يبيح القتل ويحول الانسان الى مجرد مادة منتجة ومستهلكة، ولا مانع من ازاحتها من الوجود، عندما تصبح عاجزة عن الانتاج.

اما الظاهرة الأخيرة فهي في الاجهاض. اي قتل الفئة المستضعفة التي لا قوة او حيلة لديها لرفض هذه المجازر (65 مليون عملية قتل في العالم، سنوياً). اننا نعيش ثقافة دموية، قاتلة، لا قيمة للحياة البشرية فيها.

وحده الشرير هو من يدعو للقتل. ووحده الشيطان هو من يؤيد ويناصر القتل، ان كان من باب زواج المثليين او الاجهاض او القتل الرحيم.

فهل اصبح نواب الأمة يعملون في مملكة الشر ولصالح قوى شيطانية؟ اترك الجواب للقارئ.

pierre@eltelegraph.com