غادة حلاوي

عندما تكون العتمة والنسيان من نصيب من نشروا الضوء وصنعوا الذاكرة الجميلة، وعندما تسكن المرارة والألم حاضر من زرع البسمة والفرح، فهذا منتهى الإساءة وقلة الوفاء لمن تعجز الدولة ومؤسساتها عن حفظ حقوقه وهو من قدّم وأعطى وبذل في زمن العطاء والإزدهار ليغدو عبرة لمن يعتبر في الظل البارد، وطي النسيان. الممثل عبد الله حمصي الذي «أسعد» الناس، أتعسه هذا الزمن الرديء، خطف البسمة منه ورماه في غصة القهر.
من لم يردّد أو يسمع يومياً تلك العبارة الشهيرة «صبحك بونجور ستنا بيروت»، وكم «دويك في المدينة» يحيط بنا، ومن لم يألف شخصية أسعد التي استوطنت قلوب أجيال تعاقبت، فراكم ادواراً وحكايات تحوّلت الى أمثال شعبية وعبارات محببة متوارثة. يختزن أرشيف «أسعد» ما يزيد على 1700 مسلسل و60 عملاً مسرحياً و15 عملاً سينمائيّاً، وآلاف الحلقات الاذاعية ورغم ذلك فهو يعيش مهمّشاً، لا دولة تسأل عنه وتقف على احتياجاته ولا أدوار تعرض عليه «اسأليهم لماذا، ربما لأننا تقدمنا في السن». من هم، يجيب «اللي ما بيعرفوا قيمتنا».
متنقلاً بين منزله الذي يكتنز في كل زاوية من زواياه عراقة الفيحاء، ومقر «فرقة الفنون الشعبية» و»ميني ماركت أسعد» يمضي الممثل اللبناني عبد الله حمصي المعروف بـ»أسعد» أوقاته. لا عمل يزاوله ولا أدوار تعرض عليه ربما لكبر سنه او لتبدل اللاعبين والأدوار بفعل تغير الزمن. زارع الضحكة في قلوب الكثيرين يختزن في قلبه حزناً كبيراً وعتباً على دولة لا تسأل عن كبارها «قيمة الفنان في لبنان لم تعد محفوظة ابداً ابداً والدولة لا تلتفت لحالنا».
ما في دولة
لا ينشد «أسعد» من دولته تكريماً سبقها اليه حب الناس. غير ان حب الناس وحده، وان كان ثروة يحسد عليها لا يؤمن له الحد الأدنى من الرعاية الصحية وضمان الشيخوخة، ليطمئن الى عمر لم يعد فيه أكثر مما مضى «عندي من محبة الناس ما يكفي» يقول عبد الله حمصي، لكنه يشكو «كيف ان قيمة الفنان غير محفوظة في لبنان حالياً من قبل المسؤولين» لأسباب يجهلها «اسأليهم فالجواب عندهم وليس عندي».
«أسعد» في فرقة «أبو سليم الطبل» و»دويك» في مسلسل «دويك يا دويك»، والحارس صالح في فيلم «بنت الحارس» للأخوين رحباني، الذي ولد في العام 1937 في حي الزاهرية في مدينة طرابلس والتزم قضايا الناس البسطاء وعكسها من خلال ادواره المنوعة، لم يجد من يلتزم قضيته وأمثاله ممن نذروا أعمارهم في سبيل العطاء، لكن ما العمل وفي بلدنا «مسؤولين مقصّرين بكل شي». يرفض «ابو رشيد» والأب لولدين الحديث عن الدولة لأن «ما في دولة» مكتفياً بالإتكال «على الله وعلى أولادي» لسد احتياجاته الحياتية.
وفي غمرة الحديث عن الدولة والسياسة يحضر الحديث عن الانتخابات في موسمها، «كيفك انت والسياسيين» نسأله فيكون جوابه: «الله يسعدهم ويبعدهم» وهل ستنتخب ؟ الجواب على السؤال هنا تسبقه اليه قبضة يده التي يرميها من أعلى الى أسفل في تعبير عن الإستياء ويقول بلهجته الطرابلسية المحببة «ما بنتخب وبنزل ورقة بيضاء لأن لا وجود لشخص يقوم بالذي يفترض ان يقوم به على المستوى الوطني والمعيشي»، يرفض الغوص في السياسة فلا يسمع اخباراً ولا يشاهد التلفزيون الا في ما ندر ومن بين الروايات التي ما زالت حاضرة في ذهنه تلك التي تعود الى يوم طلب من زوجته تحضير بدلته لانه ينوي زيارة شخصية سياسية مرموقة في الدولة، سألته من هي وما الذي تعمله؟ أجابها «رئيس حكومة» فأجابته «الشغل مش عيب معليه».
وبعيداً عن هموم الحياة والسياسة فلا سيرة تفتح شهيته كالحديث عن المسرح والناس،»علاقتي بالمسرح من سنين طويلة، عشرين او ثلاثين او ما يزيد على اربعين…لا أعرف…لم اعد اذكر». تتكرر العبارة الاخيرة مرات عدة خلال اللقاء، فنان الشعب الذي عاش بين بيئته ومحبيه خانته ذاكرته وتآمرت عليه حتى بات لا يذكر شيئا عن ماضيه، بداياته وحكايته مع رفاق دربه في فرقة ابو سليم الطبل، كل ما يذكره ان ابا سليم يتصل به بين وقت وآخر فيتبادلا التحية ومن دون ذكر»ضيعان، ماني واعي» يقولها كمن بات يألف النسيان لكثرة الخوف من الواقع.
تغير الزمن وتبدل كما تبدل اللاعبون على مسرح الحياة وفي الواقع، فبات عبد الله حمصي مع ابناء جيله من الممثلين مهمشين في مهنتهم «لا ادوار تعرض علينا ولا عمل لنا ولا أعرف لماذا يبتعدون عنا» وقد يكون السبب في ذلك اختلاف الزمن «مسلسلات هذه الايام تختلف عن تلك التي قدمناها في السابق، كنا نقدم اعمالاً فيها أخلاق والتزام بينما صارت أعمال اليوم بلا أخلاق، والمسرح تجارة، فنان هذه الأيام لا قيمة له».
لم تكرم الدولة عبد الله حمصي، وله في ذمّتها دين قديم لا يزيد على بضعة ملايين رفضت وزارة المال التوقيع لصرفه «لا تتحدثي عن الدولة لأنها غير موجودة» ورغم ذلك يقول «مش زعلان، الناس كرمتني، يكفيني انهم يرددون عبارات قلتها في أحد ادواري مثل خود ايدك يا أسعد… وغيرها».
عند هذه الجملة تحديداً يعود «أسعد» الى ماضيه، فتغدغده تلك العبارة وتستنهض ذاكرته المتعبة بفعل الزمن، فتستعيد نشاطها عندما تنفصل عن واقعها لتتقمص الشخصية من جديد، «اسعد كان رجلاً مثابراً على المسرح وفي اعماله التلفزيونية، مثل كل الادوار على المسرح وفي التلفزيون…رزق الله». يتحدث عن شخصيته في شبابه يوم كان»أسعد» فيقول «شاب بحجم الدنيا، تقلبت كثيراً في حياتي». وله في العبارة الاخيرة حكايات كثيرة محاها الزمن ومن بينها علاقته مع النساء والحب والمغامرات، كلها محطات لم يعد يذكر منها الا حبه لزوجته الحالية شقيقة الممثل صلاح تيزاني «ابو سليم». نسأله هل وافق «ابو سليم» على زواجكما فيجيب ضاحكاً «أيش خصّو!،حبينا بعض وتزوجنا». الأماكن في ذاكرته يختصرها بطرابلس معشوقته الاولى والاخيرة، «اعرف الشوارع وطيبة الناس والمسرح والفرقة التي لا تزال على قيد الحياة العملية»، ومن بيروت لا يتذكر الا شارع الحمراء «لانها حمراء» ومبنى تلفزيون لبنان حيث كانت بدايته الاولى في العام 1966 من دون أن يكون ملمّاً بتفاصيل حاله وأحواله المتردية. نجاح «المسافر» كان فاتحة خير عليه، فتشكلت فرقة أبو سليم الطبل المؤلفة من 27 عنصراً، وتضمه الى أبو سليم، فهمان وغيرهم من الشخصيات التي لا تزال مطبوعة في الذاكرة.
الالتزام
«أبو رشيد» فنان الشعب الذي نقل معاناته بكل صدق وطيبة نسأله كأستاذ في التمثيل تدريبنا على مقطع تمثيلي او ليكشف لنا خطوتنا الاولى على درب الشهرة فيقول «لا يمكن ان أعلّم فناناً كيف يمثل، الموهبة بالفطرة اولاً وبالالتزام ثم المثابرة» متابعاً القول ان عمله كفنان لم يكن بقصد الافادة مادياً بقدر ما كان الهدف إضحاك الناس والتعبير عن همومهم.
بعيداً عن السياسة والسياسيين يمضي ايامه. لكن الأمر لا يغني عن لقاء يجمعه صدفة بأحدهم، فما الذي يحصل حينها يقول «هو يضحك وانا أضحك بالمقابل وكل منا يضحك لسبب مختلف عن الآخر بالتأكيد».
الممثل والفنان الملتزم يترحّم على نوعية الفن الذي قدمه وجيله من الفنانين «رزق الله على الفن الذي كنا نقدمه» يعتبر ان فنه أخلاق والتزام وأن الفنان الأصيل لا يتحدث بالمال ولا يعتب على اي احد في هذه الدنيا. من خبرته ومسار عمله الطويل تحقق من أن الفن لا يحقق ثروة للملتزم به كرسالة بدليل اوضاعه والكثير غيره من الزملاء ممن يتّكلون على اولادهم في سد احتياجاتهم الحياتية. لكن أسعد كما غيره يلاحظ أن فناني هذه الايام يعيشون حياة ترف وبذخ لم يختبرها في عمره ليس لندرة أعماله ولا لغياب موهبته وإبداعه بل لسبب أهم وأقوى وهو انه فنان ملتزم، شرطه في عمله هو الرقي والمحتوى والهدف قبل اي اعتبار آخر، وشهادته في المهنة جعلته يخرج باستنتاج مفاده «أن من يغتني من الفنانين فبسبب مزاولة أشغال من خارج الفن».
عبد الله حمصي الذي ابتدع شخصية اسعد «المسرحي» يستعين على همّه بالتدخين لعله اذا نفخ همومه تنجلي، وحوله يصول ويجول عنتر، صديقه الهر وأنيسه المشاغب. بعباراته المقتضبة اختصر عبد الله حمصي معاناة جيل من الفنانين ممن أغفلت الدولة تكريمهم بتأمين حياة كريمة تليق بمسيرة عطائهم الطويلة ولم يتم تكريمهم بورقة ضمان لشيخوختهم، او بتأمين طبابة واستشفاء، من دون ان نتحدث عن راتب تقاعدي يسعفه في شيخوخته.
في طرابلس التي يعادل العيش فيها حياته يمضي عبد الله حمصي مشوار حياته وفي قلبه حسرة «ان البلد الذي أحببته لم يبادلني العطاء» نسأله ماذا بعد فيكون جوابه «ناطر الفرج» على ان الفرج الذي يعنيه هو»ان يأخذ الله وديعته» يقول ويسحب سحبة طويلة من سيجارته ويقبض على دخانها في قلبه وينظر نظرة الى الأعلى ويلوذ بالصمت…الذاكرة وان خانته لكن ذاكرة الوطن تبادل اهل الوفاء وفاءهم بينما العاصمة لن تموت طالما فيها نبض يحاكيها «صبحك بالخير ستنا بيروت».