تابعنا على

Share on facebook
شارك على
Share on twitter
شارك على
Share on linkedin
شارك على

وطن معطل وشعب في غيبوبة

Pierre-Semaan12-239x300

بقلم بيار سمعان

يغادر هذا الاسبوع السفير البريطاني في لبنان توم فلتشر بعد ان انتهت مهمته الديبلوماسية التي استمرت 4 سنوات .
فلتشر يعتبر من السفراء القلائل الذين تركوا بصمات انسانية واجتماعية وسياسية في لبنان اذ انه تمكن خلال السنوات الاربع اقامة علاقات ثقة واحترام متبادلين مع كل الاطراف في لبنان.
ويبدون ان فلتشر بعد 4 سنوات تلبنن في تعلقه وحبه لهذا البلد الذي يعتبره كثيرون انه معادلة «خطأ» بينما يرى فيه كثر اكثر من بلد.. لأنه رسالة انسانية روحية تعددية.
فلتشر عبر عن تعلقه بلبنان باسلوب ديبلوماسي وتمنى لو كان بمقدوره التجديد لمهمته كما يفعل النواب في لبنان. واعرب عن اسفه وخيبة امله لأنه يغادر لبنان والشغور الرئاسي لا يزال قائماً والبلد في ازمة سياسية حادة والشعب يعانى من ازمة معيشيه وحياتية وانقطاع كهرباء متواصلة ومعضلة نفايات متراكمة.
فلبنان يعاني من غياب الرؤية الموحدة بين مختلف الاطراف وغياب التناغم السياسي بين التيارات والاحزاب وغياب المال وكثرة الديون والتنافر الحاد داخل المجتمع السياسي، رغم القدرات الهائلة التي يتمتع بها اللبنانيون والطاقات البشرية والاقتصادية واهمية النفط والغاز الذي، ان احسن استخراجه واستثماره سينعكس خيراً على البلاد.
لكن بانتظار ذلك اصبحت الازمات المعيشية هي خبز الشعب اللبناني اليومي، بدءاً من نقص المازوت في فصل الشتاء، مروراً بتحول البلد الى مكب للنفايات في الصيف، وصولاً الى ازمة الكهرباء شبه الدائمة وازمة المياه في بلد الينابيع والانهر والثلوج في كل المواسم.
منذ سنوات يشهد لبنان مسبحة من الازمات التي تعطل الحياة اليومية للمواطنين، وتعطل عمل المؤسسات  الحكومية وتطور الحركة الانمائية العامة التي تتخطى المبادرات الشخصية، واللبنانيون سباقون بها.
ومنذ سنوات جرى تعطيل الحياة الديمقراطية في بلد يفاخر انه الوحيد في الشرق الاوسط الذي يمارسها في العمل السياسي «التوافقي». لكن اصبح محسوماً ان تعطيل البلد هو ايضاً عملية توافقية بين نواب الامة. يختلفون ظاهرياً على كل الامور ويتفقون على التجديد للبرلمان، وهو مصدر كل النعم التي يتمتعون بها على حساب الشعب.
اوقعوا البلد في مجموعة من عمليات التعطيل الخطيرة حتى اصبح الفراغ قمة انجازاتهم.
رئاسة الجمهورية اصبحت شيئاً من الماضي، اذ مضى ما يزيد على عام كامل دون ان يتمكن ابطال التمديد والتجديد من عقد اجتماع لاختيار رئيس للبلاد ربما لأنهم باعوا  اصواتهم للخارج، وشملت سلسلة التعطيلات كل المؤسسات والوزارات والمرافئ، واصبح كل وزير يخطط ويقرر على هواه.
والظاهرة الطريفة في لبنان هو لجوء اهل الحكم الى انتقاد الدولة والحكومة وهم اسيادها. واصبح الناس يدركون انهم يختلفون على الحصص والغنائم ويتفاهون على سرقة اموال الدولة، ثم يتراشقون الاتهامات والشعب المغفل يصدق ويصفق.
فالسبات العميق هو سيد الموقف . الشعب نائم نوم اهل الكهف ربما لأن هذا الشعب نفسه يعاني من ازمة كبرى بعد ان دخل مرحلة «الكوما الاجتماعية».
فقد اعتاد على الفساد ويعتبره شطاره» واعتاد على الشواذ وينظر اليه جزءاً من الحياة اليومية.
واعتاد على انقطاع الكهرباء ورؤية الظلمة،  وفقدان الماء، وحوّل هذه الحالة الى باب رزق وحجة للاثراء. وفي اسوأ الحالات عاد الىاضاءة الشموع، الى ثقافة المازوت، اذا توفر، والى الحطب على حساب الطبيعة والبيئة.
واعتاد على الاطعمة الفاسدة بعد ان ولدت لديه الادوية الفاسدة مناعة لا تمتلكها سائر الشعوب. حتى ان رائحة القمامة اصبحت مألوفة لديه، وقد تصبح محببة يوماً من الايام.
كما اعتاد اللبنانيون على الفساد من قمة الهرم حتى آخر بائع كشة في الاسواق التجارية والازقة التي لا تصلها كهرباء او نور شمس. واصبح اللبنانيون يقبلون به طالما الكل يمارسونه ويتفنون في ابتكاراته. سياسيو البلد تاجروا بالشعب اللبناني خلال الحرب، وتاجروا ويتاجرون به ايام السلم. وهم يجيدون المتاجرة في معظم الحالات والازمات الداخلية والخارجية حتى الفراغ الرئاسي اصبح مصدر خير للبعض، وتعطيل البلاد وافراغها من مؤسساتها يدر على البعض الاموال الطائلة.
تاجروا ويتاجرون ايام وجود الجيش السوري، وهم يتاجرون بوجود الملايين من اللاجئين السوريين.
لم يبق شيء في لبنان الا تحول وسيلة للبيع والخوات.. حتى خطف المواطنين والاطفال تحول الى مصدر انتاج ومكسب عيش.. والشعب في غيبوبة مطلقة.
فلماذا لا يثور الشعب اللبناني للمطالبة بابسط حقوقه والى متى سيظل الخمول مسيطراً على المجتمع المحروم من ابسط المكتسبات المدنية ومقومات العيش الكريم؟
لقد تخدّر الشعب اللبناني بعد ان حقن مراراً وتكراراً بحقن التزلم والكراهية والخوف، واعتاد  ال الشواذ والفراغ والفساد واصبح مقتنعاً ان زعماءه السياسيين هم اشباه آلهة، بعد ان حولوا الفساد من علة محدودة يمكن معالجتها الى وباء لا يمكن تطويقه ومكافحته، وحلت قيم الفساد مكان قيم الاخلاق والقانون والمصلحة الوطنية والخير العام.
في لبنان، عمم الفساد من السلطة السياسية الى الادارة والى المجتمع،  قلة يتحركون ضد هذا الواقع. قلة تمكنوا من التخلص من التبعية السياسية والمذهبية وتغلبوا على مشاعر الخوف واللامبالاة. فمتى يستفيق الشعب اللبناني من هذه «الكوما» ويطرح ايديولوجيات جديدة تعيد لبنان الى الوطن وتعيد الوطن الى الشعب؟؟
كل ما اخشاه ان ينفجر الوطن ويدمر الهيكل على رؤوس الجميع.

شارك على

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn