تابعنا على

Share on facebook
شارك على
Share on twitter
شارك على
Share on linkedin
شارك على

مترجمة .. أو صندوق أسود

فاطمة مارديني – نيوكاستل

< أن تكوني مترجمة أو(مترجم ) ناجحة لا تعتمدين فقط  على مهاراتك اللغوية وعلى قوة حضورك وعلى حرفيتك في ترجمة الحوار بالكامل وأن تكوني حيادية وأن تحتفظي  بالمعلومات بسرية مطلقة، فيجب أن تتمتعي بمزايا شخصية  أخرى، يجهلها الآخرون، وتتطلب الكثير من القدرات  الانسانية، كقوة  الاحتمال واخفاء المشاعر والعواطف في جلسات الترجمة والتدرب على التخلص منها بعد الانتهاء من العمل .
لا يهم اذا كانت الجلسة خاصة باجتماع يقوم فيه طبيب بإبلاغ مريضته وعائلتها ان سرطان الرحم   قد انتشر في جسمها، وأن أسابيعها معدودة ، فأنتِ هنا لست امرأة يمكن أن تتعرض لسرطان الرحم ،  أنت مترجمة عليك نقل البلاغ بحرفية ودون اظهار مشاعر شفقة أو تعاطف مع  المريضة التي تنظر اليك وكلها أمل بأن تقولي لها «أنا آسفة لقد أخطأت  في الترجمة»، تتمنين أنك لست المترجمة التي تنقل «حكم الاعدام» هذا، ولكن للأسف هذه هي مهنتك ويجب أن تعتادي عليها، ستعودين الى بيتك وأنت قلقة على صحتك ، لأنه قد يحصل  أن تكوني مريضة هذا الطبيب يوماً ولن يحتاجي لمترجم ليخبركِ تاريخ موتك .
لا يهمّ اذا كانت  الجلسة تختص بموضوع العنف العائلي ،  بين محامٍ وامرأة ترفع دعوى ضد زوجها الذي يضربها ويعنف  اطفالهما ويهددها يوميا بالقتل ، فأنت مترجمة ولست زوجة ، عليك نقل الكلام دون زيادة أو نقصان ، مشاعرك لا تهم المتحاورين، ستتعاملين معها لاحقا . قد تقودين سيارتك وتتجاوزين حدود السرعة  في طريق العودة الى البيت, وتتعرضين لمحضر مخالفة وغرامة بمئات الدولارات هي اقل الخسائر، ولكن عودي الى البيت ولا تنظري الى زوجك نظرات شك وريبة .
لا يهمّ اذا كانت الجلسة  بين مجموعة من الاطباء  ووالدي طفل في الثامنة من عمره، تعرض لحادث اختناق بحبل، ويريد الاطباء اخبار العائلة بأنه ميت دماغيا ويريدون موافقتها لإيقاف جهاز التنفس حيث لا أمل في شفائه. هنا تتمنين أن تنشق الارض وتبتلعك قبل أن تنطقي بهذا الكلام. تختنق الكلمات في حلقك وتحتبس  الدمعات في عينيك، ولكن أخيرا تتمكنين من قول الكلام  الذي لا تتمنين سماعه أبداً كأم لطفل  في عمر الضحية، وتحاولين ألاّ تنظري الى وجهي الابوَين المصدومين. و تنتهي الجلسة اخيرا، لتهربي بعدها الى الخارج وتطلقي العنان لدموعك المحبوسة، وتعودي الى أطفالك في المساء تغمريهم وتشبعيهم تقبلاً, وتنامي مع هواجس ومخاوف تقضّ مضجعك، وكوابيس مرعبة تبعد النوم عن عينيك.
لا يهم اذا كان الجلسة بين لاجئة من جحيم الحرب في سورية وبين أخصائي نفساني، تروي له معاناتها الجسدية والنفسية بسبب الحرب الاهلية هناك، تجلسين كالآلة وتستمعين لروايات من الرعب والمآسي، أمرأة تتكلم عن موت والديها وخطف اشقائها وهرب الباقي من أفراد عائلتها الى مخيمات  اللجوء في دول الجوار، تتحدث عن كوابيسها وخوفها، وأنت هنا مترجمة، ولست انسانة عانت ويلات الحرب الاهلية في لبنان وخسرت العديد من افراد عائلتها واصدقائها، ولا تزال تحتفظ  بذكريات مؤلمة لم تستطع سنوات الغربة أن تمحوها.

شارك على

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn