تابعنا على

Share on facebook
شارك على
Share on twitter
شارك على
Share on linkedin
شارك على

كتاب «في عينيك يتمشى الليل»

بقلم سركيس كرم

«في عينيك يتمشى الليل» وكيف لليل يلفه القلق وتحيطه الشكوك وتلبسه الأحزان أن يتمشى ويسترسل في عرض أسراره وغرامياته وعشقه من دون أن تأسره عتمة الزمن الذي غالباً ما تصطدم أحلامه بأصنام الغرور والتعجرف.. وكيف لأفكار ثائرة متعطشة الى التحليق في فضاء الحب أن تجابه الألسن الجافة المحتاجة الى الكثير من رحيق الرؤية وحيوية الحياة…وكيف لشاعر عاشق أن يخترق بأفكاره أسوار أولئك الذين لا يرفضون الحب والفكر والفرح فقط، وإنما يحكمون عليهم بالإعدام على مقصلة الأنانية الخالية حتى من فتات روحانية المحبة والفكر والتواضع..
في خضم هذا الصراع المرير الدائر بين الحب والحقد.. يتمكن الشاعر أسعد المكاري من خطف مخيلتنا في ديوانه الجديد « في عينيك يتمشى الليل» كاشفاً أسرار ليله الذي وجد ضالته في عينيها.. فليس هنالك من وسيلة للدخول الى فسحات الليل وأحضانه الدافئة إلا من خلال عينيها.. ونور عينيها.. وهو يدرك تماما أن ما من سراج يضيء العتمة على أنواعها سوى عينيها.. هي المرأة..عشقه النابض.. حبه الأزلي.. حريته المتجددة.. قيثارته..حوريته.. حياته.. وطنه… ويبقى التعبير عن الحب والهيام يرنو الى أقلام مثل قلمه إنبعثت من رحم لغة جميلة ورؤية واضحة وجرأة منضبطة.. اللغة التي تنقل بأناقتها وبسلاستها الفكرة لتدغدع بها المشاعر.. الرؤية النابعة من صلب الموهبة.. والجرأة التي لا تتخطى حدود القيم المتجذرة في عقلية الشاعر…
قرأت «في عينيك» وتساءلت في قرارة نفسي: هل أجرؤ أن أتمشى في «عينيها» كما فعل الشاعر بحثاُ عن مغامرة لا تنتهي؟  .. حاولت تجاوز الخجل الساكن في باطن جرأتي..  وإذا بي أسمع عند أول منعطف أسعد يلحّن: «تتعريّن أمامي! فكيف أضع ستارة على القمر..» .. ترددت في متابعة المشوار.. وها بمناجاة ثانية تدفعني الى معاودة السير من جديد وفيها يرسم أسعد «سأشتهيك كما أشتهي نفسي! لتكوني على صورة قصيدتي ومثال جرأتي.. وبريق عينيّ…»… وما أروع تقاسم الذات بين حبيبين يجمعهما قلب واحد في جسدين..
وكلما أنتقلت من قصيدة الى أخرى برفقة الليل تعززت قناعتي بأن الشاعر ما زال يراهن على مخيلة القاريء .. فلا أجد وقاحة او إثارة غريزية أو أباحية رخيصة في الوصف حتى عندما يعترف أنها «عارية إلا من طوق الياسمين»… لأن الشاعر هنا يصر على إلباس المرأة ما يكفي من الحرير..من العطر..من الياسمين.. من النبيذ.. من الغزل .. من الحبر.. فهي لا تقف قطعاً على رصيف الشهوات البخسة، بل على قمة الإجلال ..
هو يكتب عن العشق والغرام، غير ان أسعد يفك أسر تلك الملذات التعبيرية وينقلها من محدودية الجسد الى رحابة الإنسجام الروحي الذي لا تكتمل حميمية الحب من دونه.. من هنا تاتي إماطة اللثام عن ممارسات العشق الموصوف في اسلوب راق حالم يؤدي الى إغناء النظرة الى المرأة والإرتقاء بها الى ما تجسدّه من نعومة وحنان ومفاتن..
«ها هي أحلامك تنام على كتفي لأفسّرها.. وأشتفهّا نبيذاً أشقر.. أجرح عطرها وأكتب خاطرتي…أحلامك تنام لأستيقظ في الدهشة» .. وهنا أيضاً وأيضاً يسرح أسعد متأرجحاً في ثنايا غرامها وهي تتنشي من عطر أفكاره بلا هوادة.. وإذا بنا نتابع الحلم.. فيما المرأة تتألق .. وتلمع عيناها بهاءً.. فهي المنتصرة …المتفوقة.. الساحرة… المهيمنة على كل ما يحرك العواطف والمشاعر.. وسلاحها لا تنطلق شرارته إلا من عينيها… من نظرات تتمكن غالباً من القلوب وترسم مصيرها وتتقاذف نبضتاها كيفما شاءت… فرحاً او شوقاً.. نشوة او ألماً…  فطريق العشق ليست مزدانة بالورود فقط.. حتى عشيقة أسعد في مشوار الليل شقية قادرة على إلحاق الأذية، لذلك يعاتبها «عشيقتي الشقية… كيف تخدشين صوتي؟ وأنفاسي أنغام شجيّة..».. ولا يتوانى في مساءلتها « من الذي أرشدك الى حزني؟ وهمس فيك غربة الإنتظار..من الذي أدخلك حلمي؟ وعلمك العزف على ريش الطيور..أخاف يطول إنكساري وتقرأ عيناك لججي..فتنكسر بلّورة القمر.. ونجوع في ليل طويل!!»
«في عينيك يتمشى الليل» فيجد الضوء لعتمته ويجمع في جعبته ما يتوافر من الأحاسيس والنبيذ والعطر والحلم والحب والغيرة والدمعة والصلاة والأرق واليقظة والسعادة والحزن والنشوة والشغف والجرأة والغرام اللامتناهي.. ويقدمهم هدية في عيد العشاق المحتفى به او المغضوب عليه في كل يوم من أيام العمر.. وهكذا يتمشى الليل ليكتشف المرأة في عالم أسعد حيث العشيقة هي الدنيا .. هي الزوجة.. هي الشريكة.. هي الأم.. هي الأخت.. هي القريبة.. هي العشيقة.. هي صاحبة القرار في الحب والحرب.. وهكذا يترسخ في ذهن السهر عشق أسعد وتوهج أفكاره … وذاكرته المشبعّة بالوفاء… «أختزن في ذاكرتي عينيك المتسّعتين للأفق..وصوتك المرنّم في أحاسيسي..أختزن لهاثك لأبقى..».. وكم هو رائع أن نختتم مشوار الليل ونسمو بكلمة للعلامة الأب الدكتور يوسف يمين وفيها يعلق على صدر أسعد وسام الكلمة «أسعد شاعر مليىء ببراعم الأصالة.. شعره مزيج من تراب أهدن وسمائها..».
بين أيدينا اليوم إبداع آخر من إبداعات أسعد المكاري فهنيئاً لنا وله.. والى المزيد من اللوحات المشرقة التي تتمحور حول الحب ..حول المرأة أيقونة الحب والعطاء والجمال..

شارك على

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn