تابعنا على

Share on facebook
شارك على
Share on twitter
شارك على
Share on linkedin
شارك على

كان كاتباً بأسلوب وناشراً بطابع خاص وعيّاراً جريئاً وساخراً الريّس رياض نجيب عشيق بيروت وصديق «البطل يوسف الخال»…

من الصعب ان تلقاه إلا باشّاً ضاحكاً، ولو لمعت في عينيه دمعة ضاع مصدرها بين الحزن والابتسام. هو رياض نجيب الريس 1937-2020 الصحافي والناشر، السوري الأصل، اللبناني الهوى والاقامة، العربي الهمّ، والخليجي الاهتمامات، الذي مات أول من أمس. انه جزء اساسي من ذاكرة بيروت الثقافية، صحافةً وتأليفاً ونشراً واحلاماً ومشاريع وصداقات.

وُلد في دمشق 1937 وتلقى دوروسه في مدرسة برمانا ومنها الى بريطانيا لمتابعة دراسته الجامعية. عمل في جريدة «الحياة» بأشراف كامل مروة، وذهب الى فيتنام مراسلاً صحافياً 1966، واكمل المهمة ومسؤوليات التحرير في ملفات «النهار» عبر مراسلات صحافية خارجية في الشاطئ المتصالح واليمن وتشيكوسلوفاكيا وغيرها. سافر بعد حرب السنتين في لبنان 1975-1977 إلى لندن وأصدر جريدة «المنار»، ربما كانت أول جريدة عربية تصدر في لندن. كما كتب لمجلة «المستقبل» في باريس. ثم أسس شركة «رياض الريس» للكتب والنشر في لندن 1986 ومعها أسس مكتبة «الكشكول». أصدر مجلة «الناقد» 1989 في لندن واستقطبت أقلام كبار الشعراء والأدباء في لبنان والعالم العربي واستمرت حتى 1995 وتوقفت في بيروت. في بداية التسعينات انتقلت الدار إلى بيروت لوصل ما انقطع. أو كما كتب: «عدتُ بحنيني عاشقاً لامرأة تركتها لربع قرن، ظاناً أن الزمن لن يغيرها، برغم الصدمة حاولت أن أغفر لها. ثم اكتشفت أن التغير أكبر من لهفتي وحنيني».

أصدر مجلة «النقاد» في بيروت، لكنها لم تترك أثر «الناقد». كل زيارة لرياض في مكتبه تحظى بصيدٍ ثمين من الكتب لتقرأها أو تكتب عنها أو تستمتع برونقها، وبزادٍ من الطُرف والخبريات الأصيلة والمركبة.

ترك رياض الريس أكثر من ثلاثين مؤلفاً، أولها شعر، «موت الآخرين» (1962) بتأثير من علاقته مع مجلة «شعر»، وشعرائها، مع أنه كان يردد: «أنني كنتُ في الصف الثاني وصديقاً للبطل الذي هو يوسف الخال». وكتب في النقد «الفترة الحرجة» (1965 ? 1992)» و»صراع الواحات والنفط (1973)» و»البحث عن توفيق صايغ» شعر (1975) وكانت صداقته لتوفيق صايغ مثالاً في الوفاء. ثم أصدر «المسار الصعب» (1986)، «الخليج العربي ورياح التغيير» (1986 ? 1990)، «جواسيس العرب» (1991 ? 2002)، «شخصيات قريبة من التاريخ» (1987)، «المسيحيون والعروبة» (1988 ? 1991)، «قبل أن تبهت الألوان» (1991)، «رياح السموم» (1994-1995)، «أكتب إليكم بغضب» (1996)، «ثلاثة شعراء وصحفي»، «رسائل جبرا والخال وصايغ إلى رياض الريس»، وفيها عبق الصداقة مع الشعراء الكبار. «رياح الشمال» (1997)، «صحافي ومدينتان» (1997)، «رياح الجنوب» (1998)، «حديث صحافي مع الإمام عليّ» (2000)، «المفكرة الأندلسية» (2000)، «رياح الشرق» (2000)، «مصاحف وسيوف» (2000)، «قضايا خاسرة» (2000)، «الجانية والضحية» (2000)، «لبنان تاريخ مسكوت عنه» (2001)، و»متغيرات لمستقبل عربي» (2004)، وكان آخر ما كتبه «صحافي المسافات الطويلة» (2017)، وهو مقابلات مع سعاد جروس بدأها بهذه العبارة: «ها أنت تقف وحيداً أمام صندوق حياتك». وتذكر شغفه بالكتب منذ أهدى اليه والده ثلاثة كتب، «نضال» و»نهج البلاغة» و»كليلة ودمنة». وذكر في الكتاب حادثة «أن مؤلفاً جاءه حاملاً كتاباً بعنوان «لمحات من المزبلة العربية» عارضاً نشره، قبلت الكتاب وغيرت عنوانه ثم ندمت لأن ذلك العنوان كان مناسباً للظروف العربية القاسية».

كان رياض الريس يعيش على أحلام تتحقق أو لا. من آخر أحلامه أن يصدر جريدة في سوريا ولبنان. مارس مهنة النشر بشغف الصحافي وحدّة الناقد ورؤية المثقف وهيئة رجل الأعمال وصفقاته.

بحث عن العناوين المثيرة، والكتب المثيرة لغضب البنى التقليدية في العالم العربي. وكان يحب أن يُطلق شعارات مثل: «لا تتركوا الكتاب وحيداً» و»كيف تقول لا في زمن نعم» وغيرها. كان يردد قول الإمام علي: «ما أكثر العبر وأقل الاعتبار». أو «أنظر على من تملي وإلى من تكتب». لبثت خيبته عميقة من الزمن العربي، كان يعتبر أن أهم ثلاثة أيام في التاريخ العربي هي: وعد بلفور 1917، وغزو العراق للكويت 1990، وسقوط بغداد 2003. أما احتلال إسرائيل لبيروت 1982 فبداية الزمن العربي الرديء. وطالما أن ليس هناك قرار عربي مستقل سياسي واقتصادي، فلا تردد في عودة الاستعمار. كما أن أول مؤسس للذل العربي هو أبو عبد الله الصغير في الأندلس.

كان رياض الريس كاتباً بأسلوب، وناشراً بطابع خاص، وعيّاراً جريئاً حذقاً وساخراً. ومع اعترافه بنجاحه الجزئي بالنشر، فإنه كان يستعيد هويته الثقافية بالكتابة والتأليف.

حاول إرساء تقاليد مختلفة للنشر، لكنها لبثت تتأثر غالباً بمزاجه وعلاقاته وتقلّباته المالية. وكان للصداقة ركن ظليل في قلبه، من مثل صداقاته مع زكريا تامر، ومحمود درويش، وجبرا، وصايغ، ويوسف الخال وباسم المعلم وغيرهم. صداقته المديدة مع فرنسوا عقل، التي جعلت غسان تويني يقول: «ما الذي يجمع الشامي بالمغربي».

حمل رياض الريس في قلبه حباً لبيروت وزمانها الجميل، ولم يرَ له مكاناً خارجها. أحب الحياة حباً جماً واقتنى اللوحات والكتب النادرة وشوق المواعيد وكرم الروح. أنهكه المرض في أيامه الأخيرة وأوقعه في كآبة العبث واللاجدوى. خفتت حماسته لشغفٍ كان يُسلّي أيامه، ينظر فلا يرى.

غاب رياض الريس ممتلئاً بذاكرة مضيئة وجميلة عن بيروت، ذاكرة الناس وأحلامها التي هي أقوى من ظلمات الأيام.

 

شارك على

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn