تابعنا على

Share on facebook
شارك على
Share on twitter
شارك على
Share on linkedin
شارك على

ضحك مع وليس على

By Hani Elturk OAM

بقلم هاني الترك

عرجت في أحد الأيام على محل يمتلكه شخص عربي يقع بجوار مصنع عماله من المتخلفين ذهنياً.. والمصنع مقام خصيصاً لتشغيل مثل هؤلاء المساكين لرفع معنوياتهم وإشعارهم بأنهم أشخاص منتجون مفيدون للمجتمع.. وهم جزء منهم.

دخل أحد هؤلاء المساكين المحل وطلب سيجارة.. وقبل ان يستطيع أحدنا تلبية طلبه البسيط.. بدأ صاحب المحل إطلاق نكات الإستهزاء والسخرية عليه من أجل إضحاكنا وتسليتنا.

إنزعجت أنا وغضبت من صاحب المحل وأعطيت الرجل المسكين سيجارة.. وسألته ان يذهب في سبيله.. وقلت لصاحب المحل موبخاً:

يا رجل إحمد الله انه قد خلق طبيعياً بدون عاهة.. وثق ان كل شخص في هذه الدنيا له عيوب ونقائص وهذه حكمة القادر.. ففي بلادنا الأم لا يهتم المجتمع بمثل هذه المخلوقات ولا يرعاها.. بل وإذا كان شخص غير طبيعي بدرجة معينة.. فإن الناس يلاحقونه ويسخرون منه ويتناولونه بالتعليقات اللاذعة ويطاردونه بالسخرية حتى يدفعوه الى الجنون الكامل.. إن لله حكمة في مخلوقاته.. فمهما كان الشخص ساذجاً.. فلابد ان يتمتع بموهبة ما.. ويبرع بطريقة ما.. وعلى المجتمع إيجاد السبل المناسبة للإستفادة من أي شخص مهما كانت مواهبه متواضعة.

وإستمريت في (محاضرتي) لصاحبنا هذا.. وقلت له إسمع هذه الحكاية المستمدة من مجتمعنا العربي:

كانت هناك إمرأة متخلفة عقلياً ساذجة..

يحاول البعض أن يستفزها ويتعمد إغاظتها من أجل السخرية.. وكانوا يسمونها القرعاء.. وقد ضاقت السيدة ذرعاً بأحد جيرانها الذي كان يلاحقها دائماً بكلمات الهزء والسخرية.. حتى بلغ الغيظ الى حد الإنفجار.. فهجمت عليه وضربته على رأسه بمطرقة حديدية..

سالت دماؤه وكاد الضرب ان يودي بحياته.. إقتيدت المرأة الى السجن.. ووقفت في المحكمة يوم محاكمتها تواجه القاضي الذي سألها:

–  لماذا حاولتي قتل جارك أيتها السيدة؟

قالت له:

–  صلي على النبي يا سيدي القاضي.

قال لها القاضي محتداً غاضباً:

– قولي الحقيقة بدون لف أو دوران.

فقالت المرأة للقاضي:

– أرجوك ان تصلي على نبيّنا الكريم يا حضرة القاضي.

قال القاضي:

–  ألف صلاة وسلام عليه. خلصينا قولي فهذه محكمة وأمامها مسؤوليات.

هنا ضحكت السيدة وقالت بهدوء:

–  أرأيت يا سيدي القاضي كيف انك تضايقت وغضبت من تصرفي.. ولو كان معك مطرقة حديدية وكنت ضربتني بها مع أنني طلبت منك فقد ان تصبر وتصلي على النبي.

رد القاضي:

–  ماذا تقصدين؟

فقالت المرأة:

–   كان الرجل يلاحقني بالهزء والسخرية ويقول كل يوم ولعدة مرات «صباح الخير يا قرعاء.. السلام عليك يا قرعة.. أين كنتي يا قرعة».. ولو كنت مكاني ماذا فعلت يا سيدي القاضي؟

قال القاضي:

–   لكنت كسرت رأسه بتلك المطرقة.

أصدر القاضي بحق السيدة حكماً مخففاً لأن المجني عليه كان قد إستفزها بكثرة سخريته منها وعن سابق تصميم وإصرار.

قلت لصاحب المحل: في استراليا تعتبر السخرية من مسكين متخلف عقلياً أو جسدياً جريمة يعاقب عليها القانون.. وفي نظر الاستراليين انه لظلم فادح في استغلال بساطة أي شخص ليكون موضع التندر والفكاهة والسخرية في حديثه.. بل وإذا حدث هذا فإن الشخص المتضرر يستطيع ان يقاضي الشخص الذي أوقع به الضرر إذا ثبت قانونياً.. لأن كرامة الشخص محفوظة وحقوقه مصانة.

لست أدري لماذا في جلساتنا العربية يحدث هذا وكأن هذا جزء من ثقافتنا.. حينما نجد المزاح يشق طريقه من اجل التسلية والضحك والترفيه..

فنرى دائماً ان البعض يتخذ من شخص ما حاضراً كان أم غائباً.. وسيلة للسخرية والإستهزاء لإثارة الضحك عليه.. ويتجاهل هؤلاء الناس مشاعر الشخص وكرامته.. وهذه العادة السيئة جداً تحط من قيمة الانسان وتحطم كبرياءه.. فلماذا يجب ان تضحك المجموعة وتفرح على حساب إيذاء شعور شخص آخر وجرح كرامته.. بل حتى في أفلامنا العربية تجدها تدور أحياناً حول دور (العبيط) الذي يكون في موضع التعليق الساخر والنكات الهذلية الجارحة من أجل الضحك والتسلية.

إن للضحك أهمية بالغة من أجل الترفيه عن النفس.. ولضمان صحة الفرد وخصوصاً لإزاحة الهموم المتراكمة على الصدر.. والضحك النظيف هو التعليق الساخر الذكي الناقض الهادف مثل مشاهدة مسرحية هذلية.. أو فيلم فكاهي أو الاستماع الى برنامج إذاعي مسلي.. أو قراءة كتاب مثير.. لأن السخرية اللاذعة هي رأس الحكمة وأصل الفلسفة القديمة.

ويقول الأطباء ان الضحك لمدة نصف ساعة في الأسبوع من حيث تأثيره على سلامة القلب والدورة الدموية.. يعادل السير على الأقدام لمدة ساعة كل يوم طوال الأسبوع.. وقد أدركت المؤسسات الصحية الاسترالية أهمية الضحك لصحة الانسان.. لذلك بدأت في إجراء مواضيع دراسية لتعليم الناس على الضحك.. ومن أجل إطلاق النفس على سجيتها وتسريب شحنات التوتر والضغط.

وإيماناً مني بفلسفة الضحك أمارسها شخصياً مع أصدقائي المقربين وتجدني أذهب أحياناً مع أصدقاء أرتاح إليهم في سهرة ترفيهية عن النفس.. نترك أنفسنا على سجيتها وننطلق في عفوية بدون قيود.. ونتكلم الكلام المعقول وغير المعقول في وقت محدد بالضحك والضحك فقط.. ونرى الدنيا من جانبها المشرق ونداوي الحزن بالإبتسام.. حتى نتغلب بفرح على المتاعب والصعوبات.. نجد وقتها ان الدنيا ترقص من حولنا وتلفنا سعادة ليس لها مثيل.. فنتصرف كالأطفال السذج البسطاء.. لأن البسطاء بهذا المعنى يبقون وحدهم فلاسفة العالم.

شارك على

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn