تابعنا على

Share on facebook
شارك على
Share on twitter
شارك على
Share on linkedin
شارك على

جميل راتب.. آخر فرسان الزمن الجميل

وئام يوسف

يعيش جميل راتب، آخر فرسان الزمن الجميل، حالة من الرضا والراحة، في خريف عمره. نتيجة طبيعية لفنان أغدق العطاء فاستحق الحب والتكريم. يعود أحياناً إلى أرشيفه برفقة مدير أعماله هاني التهامي ليشاهد بعض أعماله الفرنسية منها أو المصرية، فتغمره السعادة والفخر، خصوصاً عندما يشاهد شخوصاً جسدها بِحِرفة وهي بعيدة عنه كل البعد.
يمضي أمتع أوقاته بصحبة أصدقاء العمر محمد صبحي، ومحسنة توفيق، وكرم نجار، كما يتواصل مع الفنانين الشباب كخالد النبوي ومنه شلبي وسلوى محمد علي. وللقراءة حصة وافرة من يومياته، إلى جانب مشاهدة الأخبار باللغة الفرنسية صباحاً، ومسلسل أميركي ظهراً.
«فرنسا البُطين الأيمن للقلب، ومصر بطينه الأيسر»، يقول مشيراً إلى عقود من الضنك والإنجاز أمضاها في فرنسا، ليعود بعدها إلى مصر، من دون أن ينسى حياته الباريسية التي يعرج عليها حتى اللحظة. «أسافر إلى باريس وأحب الحياة هناك: الفن، الثقافة، المسارح والحضارة، والفرنسيون شعب عريق ومتحضر، لكنني لا أشعر هناك بما أحس في مصر حيث البساطة والطيبة والصدق».
لا يزال ابن التاسعة والثمانين عاما يتلقى عروضا فنيةً، لكنه وكما اعتاد دائماً، لا يرضى إلا بالمختلف والفريد. هكذا، انتهى أخيراً من تصوير مشاهده في مسلسل بعنوان «حبيب الله» عن السيرة النبوية، يشاركه في بطولته الفنان عزت أبو عوف.
عاش جميل راتب طفولة مترفة في كنف عائلة مصرية أرستقراطية، عرفت بنشاطها السياسي ونضالها ضد الإنكليز. فوالده وأعمامه شاركوا في ثورة 1919، بينما كانت هدى شعراوي (1879 ـ 1947)، عمة والدته، زعيمة النهضة النسائية المصرية. لكن راتب كان يعيش في عالم مختلف يضفي عليه بعض الخجل والانطواء. كانت اللحظة الفارقة آنذاك حين شارك في تمثيل عرض مسرحي مدرسي، الأمر الذي غمره بالسعادة وأشعره بوجوده، فسار على ذلك الطريق رغم معارضة العائلة له.
في العام 1945، وبينما كان طالباً في كلية الحقوق، اعترض أهله على مزاولته التمثيل، ليوافقوا بعد حين على سفره إلى فرنسا بهدف متابعة دراسة الحقوق والتمثيل أيضاً. لكن راتب ومنذ وصوله إلى باريس في العام 1946، تفرّغ للتمثيل بعيداً عن الحقوق، ما أثار غضب الأهل الذين قطعوا عنه المصروف، ليعيش بعدها فترة من الضيق، زاول خلالها أعمالاً عدة في سبيل تأمين قوت يومه، كمترجم وكومبارس وشيال في سوق الخضار. ممارسته لهذه الأعمال أدخلته عالما جديدا ومختلفا عما كان يعيشه سابقا، وكان هذا درسا كبيرا في حياته، على الصعيد الاجتماعي والسياسي.
فرنسا.. دروس الحياة والفن
بنى جميل راتب تاريخاً مسرحياً وسينمائياً زاخراً في فرنسا قوامه 75 عملاً، منها 15 فيلماً، اكتسب خلالها الكثير من الخبرة والتجربة الثرية عبر دأبه واحتكاكه بنجوم عالميين كالممثل أنطوني كوين، والممثلة غابي مورليه.
كان المسرح قصده الأول في فرنسا فعاش تجربة مسرحية غنية امتدت من عام 1955 لغاية 1974، التحق خلالها بفرق مسرحية عدة، كان منها «الفرقة الفرنسية للكوميديا» التي كان يرأسها أحد أعضاء «الكوميدي فرانسيز»، وسافر برفقة عروض الفرقة الفرنسية إلى سوريا ولبنان ومصر وتركيا. قدم أعمالا لشكسبير وموليير وجان جيرودو والبير كامو، إلى جانب ممثلين فرنسيين مهمين مثل لوران تيرزييف وسوزان فلون.
أوّل فيلم فرنسي شارك فيه جميل راتب كان «ترابيز» (1965) لكارول ريد، وانضمّ إلى فريق «لورانس العرب» (1962) لدايفيد لين بجانب الراحل عمر الشريف وبيتر أوتول وأنطوني كوين الذي ربطته براتب علاقة وطيدة. رشحه كوين لاحقاً للعمل في فيلم «زيارة السيدة العجوز» كمساعد مخرج، وكان قبلها قد عمل مخرجاً لأفلام لقناة تلفزيونية فرنسية مختصة بأفلام موجهة للمغرب العربي.
من أشهر أعمال راتب في السينما الفرنسيّة «نجم الشمال (1982) حيث أدّى شخصيّة «نمرود» المليونير المصري، إلى جانب سيمون سينوريه. كما شارك في فيلم «ذعر في بانكوك» (1964)، أحد أفلام سلسلة «جيمس بوند فرنسا».
مصر.. بلاد الأصالة والإنجاز
في العام 1974، عاد راتب إلى مصر بزيارة موقتة عرض عليه خلالها الفنان كرم مطاوع المشاركة في مسرحية «تونيه البيانولا»، ليلحقها بالعديد من الأدوار المسرحية والسينمائية على الخشبات والشاشات المصرية.
لم يتصدر اسم جميل راتب أفيشات الأفلام المصرية، لكنه قدم أدواراً حفرت اسمه في ذاكرة المصريين وأكسبته شعبية واسعة، لتميزها وبراعته في أدائها. يعتبرُ أن إنجازه الحقيقي هو الوصول إلى قلوب المصريين، بمختلف الشرائح الاجتماعية، لافتا إلى أن الفنان الحقيقي هو الذي يخدم الفن والثقافة وليس من يخدمه الفن.
من الأعمال التي قدمها راتب في مصر فيلم «الكداب» (1975) إخراج صلاح أبو سيف، و»الكيف» (1985) إخراج علي عبد الخالق، و «طيور الظلام» (1995) إخراج شريف عرفة، ومسلسل «الراية البيضة» إخراج محمد فاضل (1988)، ومسلسل «ضمير أبلة حكمت» (1994) إخراج إنعام محمد علي، مسلسل «أحلام الفتى الطائر» (1978) إخراج محمد فاضل، و «زيزينيا» بجزءيه (1997 و2000) إخراج جمال عبد الحميد.
من أشهر أعمال جميل راتب مسلسل «زغلول يلمظ شقوب» (1990) من إخراج مدحت السباعي، وبطولته مع إسعاد يونس وحسن حسني. جسد فيه راتب دور يلمظ ابن عم بكيزة (إسعاد يونس). شخصية فكاهية مغايرة لما كان يقدمه. كما شارك في سلسلة مسلسل «يوميات ونيس» (1994 ـ 2010). وفي العام 2014، شارك في مسلسل «شمس» إلى جانب الممثلة ليلى علوي إخراج خالد الحجر.
«يوجد فرق بين الفنان الذي يمثل والفنان الذي يعيش الدور. أنا ممن يعيشون الدور، لذلك أختار الأدوار البعيدة عني لأنها تحتاج المزيد من التحضير والدراسة» يقول، مشيرا إلى أن مساحة الدور لم تعنه يوماً، فهو لطالما يحمل العمل قيمة وإضافة بقيادة مخرج جيد.
من المسرحيات التي قدمها «زيارة السيدة العجوز» بمشاركة سناء جميل، إخراج محمد صبحي، و «عائلة ونيس» مع سعاد نصر، إخراج محمد صبحي.
يَعتبر راتب أن الممثل المسرحي لديه من القوة والطاقة ما يجعله أكثر قرباً من الجمهور، لافتاً إلى أن المسرح هو المتعة التي تجعله أكثر حرية وقدرة على الابتكار.

شارك على

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn