تابعنا على

Share on facebook
شارك على
Share on twitter
شارك على
Share on linkedin
شارك على

بيروت، ألفُ مدينة ومدينة

أدونيس

– 1 –
كثيراً، أتذكّر تلك اللحظة العالية التي التقيت فيها بيروت للمرّة الأولى، وكيف أخذتْ ساحةُ البرج تقصّ عليّ تاريخ البحر المتوسِّط، بدءاً منها.
أحياناً أحلم بتلك اللحظة، كأنّني أفكّر. وأحياناً أفكّر فيها كأنّني أحلم. ربما كان الحلم المكانَ الأرحبَ الذي يجمع بين الضّفاف، وبين الآفاق.
الآن، في هذه اللحظة التي تمزّق بيروت، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، أسألكَ
أيّها «المواطِن»، وأنت أيّها «المُجاهِد»، هل تظنّ أنّ هذه الكرةَ التي تدور بيروتُ حولها، هي الشمسُ حقّاً؟
وماذا نفعل، إذاً، بملايين الأقمار التي تزعم أنّها نساءٌ ينتظرْن العشّاقَ الموتى؟
وهل ستنطفىء بينها وبين العالم تلك الكرة الملتهبة؟ كيف؟ ومتى؟
{ {
– «الكرة الملتهبة»؟ ما تكون العلاقة بينها وبين «الخِلاف السياسيّ على مروحة كهربائيّة»؟ أو «لجنة كسر الحصار»؟ أو تلك الصّواريخ التي توصَف بأنّها «من طراز سَهْم الإسلام»؟ أو «تصحُّر الينابيع»؟
– 2 –
القنبلة التي شقّت وجهَ المقهى ألقَت، كما تقول الروايةُ والصّور، نصفَه فوق جسم صاحبه، ونصفَه الآخر فوق جسم امرأةٍ مُدمنةٍ على قهوته المُرّة.
ثمّ، وفقاً للرواية، تَعالَت أصواتٌ:
أخرِجْ يدَكَ من جيبِك،
ضعِ السّكّينَ على الأرض،
كيف قُطِعَت هنا يدُك اليُمنى؟
أأنتَ سارقٌ وماذا تسرق من مقهى؟
ووفقاً للرواية نفسها:
احتلّ الظلامُ في ذلك اليوم الغرفةَ الأخيرةَ التي يسهر فيها الضوء.
ربّما لهذا،
لم تعد الجدرانُ في بيروت، تحبّ أن تنام إلّا خارج أسِرَّتها، انتماءً إلى مجرّاتِ التّيه.
– يجرّ ساقَيه، ويمدّ يديه إلى كلّ عابر، في شارع يتّخذ من غباره حبرَه المُفَضّل: يكتب أسماءَ تجّارهِ، فيما يمحو وجوهَهم.
وكان العيد قد اقتَرَب. والحاجة تزداد إلى دمٍ دافقٍ لكي تسبح فيه السّكاكين، ولكي تُحسِن الرّقص في تقلّب أمواجه.
– كلّا، لا يليق بهذا الذّبح أن يُسَمّى عيداً.
– وهذه المَشانق التي تتدلّى مربوطةً، حيناً بخيوط الشمس وحيناً بجدائل
الوقت، ليست عاليةً كما ينبغي.
وكان فرّانون قد تجمّعوا وأعلنوا قناعتهم بصحّة الحديث:
«خيرُ الخُبْزِ ما عُجِن بماء أحمر».
– 3 –
قلت لكم: أظنّ أنّ تُوَيْجَ وردةٍ في ساحة البرج، يعرف كيف يفتح صدرَه للأفق، أكثرَ من تيجانٍ بشريّةٍ كثيرة.
قلتُ لكم: سيأتي جيلٌ جديدٌ من الخناجر والسّكاكين والقنابل والصّواريخ في أشكالِ ذكورٍ وإناثٍ، تعرف كيف تغرز رؤوسها الحادّة في خاصرة الكون.
تخيّلوا إذاً، كيف تُذبَحُ ثقافةُ طوكيو مثلاً بيدَي «مجاهدٍ» يعشق صناعتَها، خصوصاً سيّاراتها وأجهزتها الإلكترونيّة. خذوا حرّيّتَكم في هذا التخيّل، ولا تنسوا أن تستعيدوا أنواعَ الذّبح «الجهاديّ» الآخر في أستراليا وكندا، ونيويورك، وفي عواصم القارّة المتمدّنة: أوروبا. لكن يحسُنُ بكم جميعاً ألّا تتذكّروا الذّبح أو القتل في أيّ مكان آخر، خصوصاً في بلاد العروبة، أو إسرائيل.
أمّا هو، صديقكم، فسوف يتخيّل غيوم الزّمن في بيروت، ويرى كيف تدافع هذه المدينة عن حقوقها حداداً على جميع الذين يدفعهم الواجب إلى معانقة الموت.
لكن لا تنسوا أنّ من الشّائع في هذه المدينة، بيروت، أن يُقال: السّماءُ زرقاء، وأنّ كلّ شيءٍ فيها يؤكّد بطلان هذا الشائع.
– 4 –
– تسألني؟ قلت لكَ مراراً: لم أعُد أعرف شيئاً.
– «الجنونُ أوّلاً»: هكذا يردّد الشارع. ويضيف: «لكي أعرف كيف
أقرأ الخطوات التي تذهب وتأتي بين يديّ».
خصوصاً أنّ كلّ ما نراه يؤكّد، نظريّاً، أنّ الإنسانَ إنسانٌ. لكن لا شيء ممّا نراه، عمليّاً، يؤكّد هذا التوكيد.
أليس من الحقّ، إذاً، أن يطرح كلّ «مواطن» هذا السّؤال:
بلادٌ لا يستطيع فيها الإنسان أن يدافع عن «نظامها»، ولا يستطيع في الوقت نفسه أن يكون مع «معارضاتها»،
بلادٌ كهذه ما يكون معناها، بالنسبة إليه، على الأقلّ؟
– 5 –
قالَت: يكتب هذا القمر، للمرّة الأولى، قصائدَ حبٍّ لنجمةٍ لا تحبّه. والأصحّ، لم يعد يحبّها.
وكان نهرُ بيروت قد نسي ماءَهُ:
خرج من ضِفتيهِ ودخل في محيط النّسيان.
هل عليّ غداً، أن أحمل عنُقَ بيروت – الأصحّ: أن أُشارك في حَمله، وفي طرحه بين يَدَيْ الموت؟ لكن ماذا تقدر أن تفعل من أجله، أيّها الحبّ؟
وكانت بيروت قد سبقَت أخواتها العربيّات باستنفار الدّماء التي سالَت بين أحضانها. وكان ثوبُ جمالها المَشرِقيّ قد أخذ يتمزّق منذ أن لامَسَتْه يدُ الغَرب.
بيروت، ترقصين مع هذا القمر. سليه، هذه الليلة، أن يدلَّك على الطّريق التي يسلكُها إليكِ. ربّما كانت أقصرَ من تلك التي تسلكينها إليه.
قولي له: ثمّة أجنحةٌ
تعرف كيف تطير إليك وكيف تحمل الحبّ.
لكن، ذكِّريه أنّ الذين يرسلون هذه الأجنحة ليسوا إلّا تماثيل من التّمْر،
وأنّ الذين يحبّونك لا يعرفون أن يفعلوا إلّا شيئاً واحداً:
يقدِّمون الأضاحي لتماثيل لا تقبل الأضاحي.
بيروت، لماذا، إذاً، تُعلَن عليك دائماً حروبٌ تباركها الكواكب؟
– 6 –
قالوا:
فكرُ بيروت جبَلٌ يزدرده دماغٌ مُرهَفٌ وناحلٌ كمثل شعرة معاوية.
قالوا: قلّما تنام كتفا بيروت إلّا في سرير من الطّبول والمزامير.
وقلّما تستيقظان إلا تحت نيرٍ من النّار،
يحرسه اتّحادُ النّجوم.
قالوا: تظنّ بيروت أنّ الرّصاصَ يمكن أن يهذيَ، وأنّ القنابل تحبّ اللعب.
قالوا: تؤمن بيروت كمثل غيرها،
أنّ معظم البشر غيّروا قلوبهم، تلبيةً لفقه الآلة،
ووضعوا مكانها أكياساً خاصّةً من البلاستيك.
هكذا صار الحبُّ شأناً آخر:
إذ كيف يُعقَل أن يهبط نورُ الله في جسمٍ يأكل جسماً آخر؟
– 7 –
جاء الليل. لكن هذه المرّة، جاء النّهارُ معه.
كلّا لن تستطيع أن تقطع بأسنانك، أسنان سمكة القَرْش. ولئن كانت الحربُ خدعةً، كما قال أسلافُنا، فعليك إذاً أن تبتكر خدعةً خاصّة للحرب التي تفكّر فيها.
تعقّل إذاً، أيُّها «المواطِن». ربّما يلزمك أن تُعيد قراءة التّاريخ.
بقبضةٍ صغيرة من الملائكة الجنود تستطيع أن تغزوَ الكون.
لكن، رفقاً ببيروت، أيّتها الملائكة. رفقاً أيضاً بجارتها وصديقتها القدس.
تكاد كلتاهما أن تنفجر شرايينها. أتخَمَتْها الطّقوسُ والتّعاليم.
وأين يوضاس، إذاً؟
أهو في السماء، أم على الأرض؟
زرع اليأسُ عينيه في وَجْهي وها هو يمدّ يده لكي يصافحني.
أهي بدايةٌ لصداقة دائمة؟
للقمر فيك هذه الليلة، عنقُ ثورٍ أحمر.
يكفي أيّها القمر أن تتسلّق ذلك الجبل الذي ليس إلّا غاباتٍ من أحواض النساء.
بيروت، بيروت –
اتركيني تحت سقفك،
ملَلْتُ من المدن كلّها.
لافتة:
جسدُ بيروت جسدي، ينزف دماً
من جراحٍ لا تزال في طريقها إليه.

شارك على

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn