تابعنا على

Share on facebook
شارك على
Share on twitter
شارك على
Share on linkedin
شارك على

المعضلة التركية وكيفية البقاء على قيد الحياة

بقلم بيار سمعان

من ينظر الى موقع تركيا الجغرافي يجد ان اربعة مناطق تجاورها، من اوروبا الى ايران والصين، وهي في ازمة: اوروبا، روسيا، الشرق الاوسط ، وصولاً الى ايران والصين.
كل من هذه المناطق تواجه ازمات مختلفة في اصولها ونوعها وحدّتها. لكن النظرة الشمولية اليها تدفع المراقب الى الاقتناع ان تركيا اليوم هي محاصرة بالمشاكل والازمات. وان هذه النقاط الساخنة تهدّد بزعزعة الاستقرار في اوروبا وآسيا، وربما في العالم بأسره، وان تركيا اليوم تقف قلقة في وجه العاصفة القادمة اليها من مختلف الاتجاهات. ورغم ان هذه النقاط الساخنة تنعكس سلباً على مناطق الاضطراب، غير ان تلاحمها وامتدادها سوف يولّد ازمة عالمية ضخمة.
وعند التدقيق في هذه الازمات الاربع نجد انها مترابطة الى حد بعيد. فأزمة الاتحاد الاوروبي ومستقبله  يتوقف الى حد بعيد على مصير الوضع في اوكرانيا وبعلاقة اوروبا بروسيا. كما ان الازمة في الشرق الاوسط تخلق ارتدادات على الوضع الاوروبي وكيفية ادارة تدفق طالبي اللجوء من بلدان الشرق الاوسط وكيفية التصرف السلس مع الجاليات المسلمة المتواجدة في اوروبا.
والروس ليسوا ايضاً بعيدين عن ازمة الشرق الاوسط وهم مشاركون في النزاع داخل سوريا ويبدو انهم لعبوا دوراً بارزاً في المفاوضات الاميركية الايرانية، كما هم معنيون بالاوضاع في تشيشنيا وداغستان. كما ان الروس والصين قد ساروا خطوات متقدمة في المباحثات بينهما حول التعاون العسكري والاقتصادي.
وما يقال عن روسيا يقال ايضاً مثيله عن الولايات المتحدة وحلفائها الاوروبيين. وفيما حافظت تركيا منذ الحرب العالمية الثانية على حسن العلاقات مع دول الجوار، تجد نفسها اليوم محاصرة بشريط من النار. فهناك قتال في سوريا والعراق، وقتال في شمال اوكرانيا وتأزم على شواطئ البحر الاسود. ومن ناحية الغرب الازمة اليونانية تبدو في مطلعها وقد تنعكس على الاتحاد الاوروبي. ورغم الاستقرار في جزيرة القبرص ، لكن النار لا تزال تحت الرماد.
كما ان تركيا لم تعالج كل مشاكلها مع الحليف القديم اسرائيل. فحيثما ينظر الاتراك يجدون مشاكل واضطرابات. فاوروبا والشرق الاوسط وروسيا وبداية نشوء دولة كردستان هي مصدر قلق لها…
وبعد الاجتياح الاميركي للعراق (2003)  تم قرار الانسحاب وعدم التدخل العسكري مجدداً خلّف فراغاً تجد تركيا نفسها مرغمة على سده. غير ان ردود الفعل التركية التي حاولت الى حدّ ما البقاء علىالحياد، ساهم الى جانب الدور الاميركي بزعزعة الاستقرار في الشرق الاوسط وخلق حالة جديدة في النزاع على السلطة ، خاصة بين كل من ايران والسعودية وتركيا.
 الخطر المجاور
اما الازمة الاخطر والاقرب الىانقره ، فهي دون شك المنطقة التي تمتد من البحر المتوسط الى ايران، ومن تركيا الىاليمن.
المشكلة الرئيسية بالنسبة لتركيا هي ان سوريا والعراق اصبحتا ساحة معاركة يتصارع عليها مجموعة قوات ومذاهب، سنة، شيعة، علويون واكراد.. وتجري هذه المعارك بدعم من قوى اقليمية مثل ايران، السعودية، اسرائيل وتركيا. وهذا نتيجة طبيعية للصراع الخفي بينها.
ولكل قوة من اطراف النزاع مصالح استراتيجية مختلفة. فايران تسعى الى عدم قيام دولة سنية عدائية في العراق كما كانت البلاد ايام حكم صدام حسين، والا يقوم نظام متطرف في سوريا يهدد حليفها بشار الاسد وانصارها في لبنان،  لهذا لجأت ايران الى دعم الجيش العراقي بأغلبيته الشيعية وقيادته الحليفة، كما دعمت حزب الله في لبنان وتزعم نظام بشار الاسد. وترى الولايات المتحدة في هذه الظروف في ايران حليفاً استراتيجياً لها او على الاقل عنصراً ضاغطاً ومواجهاً للتيارات الاصولية ومحاولة استيعابها.  وهذا ما يفسر التسوية الثنائية حول الملف النووي مؤخراً.
 السعودية
غير ان الحليف التقليدي للولايات المتحدة، اي السعودية العربية فهي ترى في ايران العدو الرئيسي للرياض. وتخشى ان تشكل ايران تهديداً لها في حال تمكنت من السيطرة على العراق وسوريا. كما تنظر الى الوضع في اليمن من ضمن الفلسفة السياسية ذاتها. وتلتقي السعودية مع اسرائيل من ناحية اهمية وضرورة استيعاب الجمهورية الاسلامية والقوى المقاتلة في العالم العربي بالنيابة عنها. كما يتفق البلدان على اعتبار ان المفاعل النووية الايرانية تشكل تهديداً مباشراً لهما (السعودية واسرآئيل) لذا لا تتردّد البلدان من التحرك دولياً ضد ايران.
اما بالنسبة لدعم الاطراف المتصارعة على الساحتين السورية والعراقية، فيبقى الموقف السعودي غامضاً ومتقلباً. لذا تعمدالمملكة الى لعب دور تكتيكي انتهازي يتوقف على صورتها في الغرب وموازين القوى في الشرق الاوسط، دون ان تتخلى عن موقفها السياسي الاساسي الحذر والمعارض لتمدّد القوى الشيعية في ساحتي النزاع.
الموقف الاسرئيلي اما الموقف الاسرائيلي فهو شبيه الى حدّ بعيد بالموقف السعودي. فاسرائيل تعارض ايران وسلاحها النووي، انطلاقاً من مبدأ ان صديق اليوم قد يصبح عدو المستقبل. فالافضل ان يبقى هذا الصديق مستضعفاً وغير قادر على تهديدها. ولا ترغب اسرائيل برؤية النظام الهاشمي في الاردن يتزعزع ويفقد السيطرة على الاوضاع في البلد الصديق والمجاور. وتتفق السعودية واسرائيل على ضرورة حماية النظام في الاردن، لاسباب مبدئية وامنية مشتركة. وان انهيار النظام سيفتح الباب على مصراعيه للموجات الاصولية. فالاردن هي بالنسبة لاسرائيل خط دفاع اولي ضد الجماعات الارهابية، كما انها البوابة الخلفية لمحاصرة كل من سوريا واليمن بالنسبة السعودية.
اما بالنسبة لسوريا، فاسرائيل تلعب دور المتفرج المراقب لتطور الاحداث ميدانياً، وهي سعيدة لمايجري على الساحة السورية، لأن الحرب الاهلية تحول في الظروف الحالية دون قيام اي تهديد لها. وتفضل اسرائيل ، رغم عداوتها لبشار الاسد ان يتمكن الرئيس السوري من الانتصار ويمنع بالتالي سيطرة المجموعات المتطرفة من السيطرة على البلد. فبقاء الاسد مهزوماً ومسكوراً وغير مسلح مع سوريا مدمرة هو افضل لاسرائيل من استلام «داعش« الحكم في سوريا. وهنا تتفق اسرائيل وايران على هذا المستوى ويسيران في خط واحد، في حين تتعاون مع السعودية على مواجهة المد العسكري الايراني في منطقة النزاع والحد من نفوذها السياسي.
 الدور التركي
ضمن هذه الاجواء وفي هذا السياق رفض الاتراك تقديم التزام واضح لحلفائهم التقليديين من  العرب او للحلفاء الجدد قيد الصناعة والظهور. وحسب الرؤية التركية، وحدهم الايرانيون ملتزمون بما يجري في المنطقة، ويفضل الاتراك ان يحددوا توقيت وحجم التزامهم بالصراع الدائر في المنطقة.
لكن الواضح والثابت انهم اخصام بشار الاسد ويعارضون نظامه بشدة. ومن البديهي ان يدعموا دولة الاسلام والقوات المعارضة له. وسرت اشاعات كثيرة حول مدّ هذه الدولة بالسلاح والعنصر البشري عن طريق تسهيل عبور  «المقاتلين الاجانب» عبر اراضيها.
لكن تركيا ردت على هذه الاشاعات في الاسابيع الاخيرة بشكل واضح وضيقت الخناق على قوات «داعش».
ويدرك الاتراك ان وجود اية قوات مسلحة وغير نظامية تشكل تهديداً لأمن بلادهم مهما تبدلت انتماءاتها القومية او المذهبية. فتركيا تشعر بالخطر الداخلي نتيجة لوجود حوالي 30 مليون كردي في شمال البلاد و6 ملايين علوي، معظمهم في لواء اسكندرون ، وان اي اضطراب داخلي قد ينعكس على وحدة البلاد. لكن رغم الطلعات الجوية التي نفذها الطيران التركي، لا يزال الغرب ينظر نظرة ريب الى التعاطف التركي مع دولة الاسلام ودعم قواتها على مختلفة الاصعدة، مما جعلهذه القوات (داعش) اكثر عداوة وفتكاً لمن يقف في وجه تمددها.
على صعيد آخر لم يلتزم بعد الحكم التركي (السني) بسياسة السعودية، وهو حتى الآن يرفض التقيد بالتزاماتها وتوجهاتها، وعلى صعيد آخر ومنذ 2003 ساءت العلاقات التركية الاميركية بعد ان رفضت تركيا السماح للطيران الاميركي استخدام الاجواء التركية لشن غارات، على نظام صدام حسين. وتركيا اشترطت على الولايات المحدة مقابل مساعداتها الاقتصادية دخول سوريا شرط التخلص من نظام بشار الاسد بشكل نهائي. لكن يبدو ان الادارة الاميركية لا تأمن ولا تشجع قيام دولة طائفية غير قادرة على التحكّم بها.
المحاذير الاخرى التي تحسب لها تركيا الف حساب تختصر بالقلق حول القدرات العسكرية لقواتها التي لم تشارك بأية معارك حية منذ ما يزيد على 30 سنة. فالجيش التركي الضخم هو قوي من الناحية المبدئية غير انه غير مجرب عسكرياً.
ولم تنس انقره تداعيات التدخل  الاميركي في المنطقة وما سببه من ويلات داخلية وزعزعة للانظمة الحاكمة، لذا لا تريد تركيا ان تنخرط في معارك لا تعرف كيف ومتى تنتهي.
ويواجه الحزب العلماني الحاكم في تركيا، اي حزب العدالة والتنمية معضلة اخرى في حال دخوله الحرب ضد النظام العلوي في سوريا، اذ ان قاعدته العلمانية المنفتحة ستعتبر هذه المشاركة هي حرب مذهبية في دوافعها الخفية. مما قد يتسبّب باضعاف الحزب وابعاده عن الحكم. كما يدرك الاتراك ان تدخل قواتهم بشكل علني ومكشوف في شؤون بلد عربي سيعيد تجييش مشاعر العداء التي ولدها الحكم العثماني في نفوس وتاريخ شعوب المنطقة.
سياسة الحكومة التركية تشابه الى حدّ بعيد سياسة الادارة الاميركية التي حددت اهدافها والتزاماتها العسكرية وحجم تدخلها العسكري وخياراتها السياسية.
الحقيقة الثابتة ان استمرار النزاع  في الشرق الاوسط يتسبّب بالقتل والدمار والتخلف في حين تنعم اسرائيل بالاستقرار.

شارك على

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn