تابعنا على

Share on facebook
شارك على
Share on twitter
شارك على
Share on linkedin
شارك على

العلاّمة، أولريكه، وأنا

رغيد النحّاس

اتصلت السيّدة أولريكه فيشر بي في بداية العام الماضي ودعتني إلى كتابة فصل في كتاب يعدّه أصدقاء الأستاذ الدكتور مانفريد يورغنسن بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسبعين، سيقدّم له مفاجأة في تلك المناسبة التي ستقع في عام 2015.
كانت تلك الدعوة مبعثاً لسروري الكبير نظراً لمعرفتي الشخصيّة بهذا الرجل الطيّب الفذّ، وشرفاً كبيراً لما يتمتع به من مكانة أكاديميّة وأدبيّة في اللغتين الإنكليزيّة والألمانيّة، وهو الأستاذ الجامعيّ والكاتب والمحرّر والناقد والقاصّ والشاعر والمترجم الذي بلغت كتبه ثمانية وستين كتاباً، وأعماله المئات من المقالات والأبحاث والقصائد. أسبغت عليه جامعة كوينزلاند درجة «علاّمة» عام 1991 نظراً لتميّزه العالمي، وهذه واحدة من عدّة جوائز تكريم حصل عليها خلال مسيرته الطويلة.
سبق لي، بعد أن أجريت لقاء معه، نشر مقالة رئيسة عنه، باللغة العربيّة، في العدد العشرين من مجلة كلمات (ديسمبر، 2004) تطرّقت فيها إلى مسيرة حياته الشخصيّة والفكريّة، وقدّمت ترجمات كنماذج لبعض أعماله التي تعكس لنا شيئاً من فلسفته الحياتيّة. تعرّفت، من خلال حديثي معه ومتابعة البحث من أجل إنهاء مقالتي، على الإنسان وراء الأكاديميّ المرموق.
أمّا أصل معرفتي به فتعود إلى لقائي به صدفة حين دعانا مركز كتّاب نيو ساوث ويلز إلى ندوة من ضمن مهرجانه السنويّ. جلسنا جنباً إلى جنب على منبر ضمّ بالإضافة لنا ثلاثة ناشرين آخرين مهتمّين بالكتابة المتعدّدة الثقافات. بعد أنْ قدّم كل واحد منّا مداخلته، وبدأنا نناقش الحضور ونجيب عن أسئلتهم، اتضح التقارب الكبير في وجهات النظر بيني وبين مانفريد. قدّمت له نسخاً من مجلّة كلمات، وبادلني بنسخ من بعض كتبه. وهكذا بدأت تلك العلاقة التي تتوّجت بتكرّم مانفريد القبول بأنْ يكون ضمن الهيئة الاستشاريّة لمجلّة كلمات. قدّم مانفريد للمجلّة كتاباته واستشاراته دون تردّد وبلا مقابل، ولذلك يكون إسهامي في كتابه فرصة لأعبّر عن امتناني العمليّ لما سبق أنْ بادر  به تجاهي.
بدأتُ المقالة الجديدة بطرح السؤال التالي: «ما الذي يجعل شاعراً مثل مانفريد يورغنسن أن يكتب قصيدة بعنوان علم بِحار؟» يقول مانفريد فيها:

لكلّ معرفة بيئتها
مكتشفاتها المحليّة التي تعتمد
مثل شبكة الصيّاد المطروحة
تسحب بوزنها غنائمها.

وسّعْ نشر الغطاء من هذا الموقع الصُدفة
ليكون لك الدليل،
لا تأملْ أنْ يكون المحيط رهن إشارتك
ويحمل لك من الصيد ما تشتهي.

عندما تعود إلى الميناء تفحّص
فيما لو تركت نفسك في المؤخّرة.
أبْحر من جديد، لتجمع
نفوساً أخرى لم تعثر عليها.

ثم تساءلتُ: «ما الذي يجعلني، وأنا المتخصّص في علوم البحار، أنْ أتعامل مع الآداب؟»
ولقد انتهيت إلى القول إنّ الأجوبة عن مثل تلك الأسئلة يمكن استنتاجها من أبيات القصيدة أعلاه، لكنّني قصدت في كلمتي المشاركة مع غيري في التعبير عن فهمي وإعجابي بإنسان أعتبره «تكامليّاً»، وليس همّي هنا البحث في تفسيرات نصوصه أو النقد الأكاديميّ لأعماله، وهذا يُترك حتماً للباحثين في ذلك المجال.
ما أعنيه بـ «تكامليّ» هو أنّه على الرغم من تخصّص الفرد في مجال معيّن، لا بد له من التواصل مع المحيط العامّ حتّى يكون لأعماله معنى وفائدة. ولعل قيام مانفريد بتحرير مجلّة «آوترايدر» لمدّة عشر سنوات، وهي المجلّة التي أتاح فيها للكتّاب من كلّ خلفيّة ثقافيّة المشاركة الفعّالة في المؤسسة الأدبيّة الأستراليّة، هو أبلغ تعبير فعليّ عن التكامل الفكريّ. وسبق أنْ عبّرت عن نظرتي التكامليّة في الحياة أكثر من مرّة في منشورات سابقة، مثلاً كتابي «طلّ وشرر». وبيّنت أنّه لا مانع لديّ أن يقوم شاعر بكتابة طلاسم يتغنّى بها بينه وبين نفسه إلى ما شاء الزمن، لكنْ حين ينتقل العمل إلى الورق ليقرأه الناس، لا بد أن يتوفّر في العمل أدنى شروط السلاسة حتى يتمكّن المتلقّي من تذوّقه. وأنوّه هنا أنّني لا أعني بهذا «الالتزام» مطلقاً، فيجب التفريق بين الأمرين.
على ضوء معرفتي وتقييمي لمانفريد الإنسان والأديب، استعرضت في مقالتي لمحات من سيرته الإنتاجيّة مع أمثلة من أعماله، كلّ ذلك من خلال كونه ذلك المتكامل الحسّاس الذي يواصل حياته الحافلة بالعطاء رغم كثير من العقبات الشخصيّة.
ولد مانفريد في مدينة فلينسبورغ الحدوديّة بين ألمانيا والدنمارك عام 1940، وهناك عاش طفولته. كانت نشأته الأولى في خضمّ ويلات الحروب والاستبداد النازيّ. عانى من المجاعة ومشاكل صحيّة ونفسيّة أخرى، ومن صدمة أخلاقيّة مستديمة، لأنّ جدّه كان نازيّاً مهمّاً في تلك المنطقة. ولعلّ تلك السحابة العالقة في أجواء تفكيره من أهمّ أسباب هجرته إلى أستراليا عام 1960.
لازمه طيلة حياته مرض يؤثّر على جهازه العصبيّ الذاتيّ، ما جعله دائماً تحت تهديد الوقوع وهو في قاعة المحاضرات، ومع ذلك كان رئيساً لقسم الدراسات الألمانيّة زهاء عشر سنوات. عرف عنه أنّه محاضر لامع لا يعتمد على المذكّرات المدوّنة.
اتصلت بي السيدة فيشر بعد شهور من اتصالها الأوّل لتطلب إدخال ترجمات بالعربيّة لأربع من قصائد مانفريد، ضمن الكتاب نفسه الذي تقوم هي بتحريره. أولريكه فيشر هي زوجة مانفريد وشريكته على السرّاء والضرّاء في مسيرته الأستراليّة الحافلة. حين قمت بزيارة مانفريد في مدينة برزبين، والتقيت معه في مقهاه المفضل، أصرّت أولريكه على استقبالي في منزلهما للغداء رغم أنّها كانت مجبّرة الساقين تمشي على العكّازات نتيجة لجراحة أجريت لها. جلست معنا دقائق واعتذرت لتعود إلى الفراش.
واليوم ونحن في أكتوبر 2015، وصلت نسختي من الكتاب.
«ثلاث شموس رأيتها– حياة مجبولة بالأدب» (Three Suns I Saw– A Life in Letters) عنوان كتاب من ستمئة صفحة، من الحجم الكبير، وغلاف مقوّى، صدر عن دار بولارنغ للنشر في ساليزبوري، ولاية كوينزلاند. الكتاب أنيق يضمّ أعمالاً شعرية لمانفريد، كما يضمّ مقالات عن مانفريد ولوحات فنيّة.
بعد المقدّمة، جاء الفصل الأول عن حياة مانفريد، والفصل الثاني عن مختارات من شعره للفترة 1972-1982، والفصل الثالث مقالات نقديّة حول شعر مانفريد، والرابع بعنوان «دراما» يتحدّث عن انخراط مانفريد في التمثيل في فترة من حياته، وحمل الفصل الخامس عنوان «الشعر والمكان» ضمّ مقالات حول علاقة مانفريد بالأماكن التي حلّ فيها ومختارات مناسبة من شعره، وقدّم لنا الفصل السادس مقدّمات مجموعاته الشعريّة، والفصل السابع كلمات من حفلات إطلاق كتبه، والفصل الثامن مقالات نقديّة مختارة، والفصل التاسع مختارات شعريّة للفترة 1983-2000، والفصل العاشر ضمّ أعمالاً نثريّة ومقالات لمانفريد، وخصّص الفصل الحادي عشر عن «آوترايدر» المجلّة الأدبيّة التي ترأّس مانفريد تحريرها للفترة 1984-1994، وضمّ الفصل الثاني عشر مقالات التقدير والثناء بحقّ مانفريد، وعرض الفصل الثالث عشر رسائل التمنيّات بعيد ميلاد سعيد من شخصيّات مرموقة، ويقدّم لنا الفصل الرابع عشر ملاحظات غير مدقّقة كان يدوّنها مانفريد على أيّ ورقة بيضاء أمامه مثل مغلّفات الرسائل، أمّا الترجمات إلى عدد من اللغات فجاءت في الفصل الخامس عشر، وضم الفصل السادس عشر مقتطفات من أعمال قيد الإنجاز، وجمع الفصل السابع عشر بين لوحات فنيّة لبعض الرسّامين وقصائد لمانفريد، وجاءت أعمال مانفريد الشعريّة للفترة 2000-2014 في الفصل الثامن عشر، وكشف لنا الفصل التاسع عشر عن سيرة مانفريد الأكاديميّة والأدبيّة، واختتم الكتاب بالفصل العشرين الذي عرض نبذات عن كلّ الذين ساهموا في هذا الكتاب.
مانفريد يورغنس بالنسبة لي «علاّمة» في الإنسانيّة، وهذا أكثر ما أعتزّ به. وبالإضافة لما ذكرت من ناحية شعوري الشخصيّ بالسعادة والامتنان لهذه الفرصة التي أتاحت لي الاحتفاء بإنسان أجلّ وأحترم، زاد الكتاب من شعوري بالفخر حين اكتشفت لائحة المساهمين التي ضمّت أسماء يعتزّ أيّ فرد أنْ يكون ضمنها. ولعلّ أبرز هذه الأسماء كان غونتر غراس (توفى في نيسان 2015)، أكثر الكتّاب الألمان شهرة، الحائز على جائزة نوبل، وكان على معرفة شخصيّة بمانفريد.
شكراً أولريكه على دعوتك الكريمة لي، وعلى جهودك التي يشهد على روعتها هذا الكتاب القيّم الأنيق، والذي لا شكّ سيلقى استقبالاً حافلاً، وسيتناوله النقّاد والباحثون بما يستحقّ. أمّ أنا فحصرت همّي هنا بمجرّد التنويه به وتقديم معايدتي.
كلّ عام وأنت بخير يا مانفريد، ولو تفضّلت الدنيا علينا بالمزيد من أمثالك لكانت بألف خير.

شارك على

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn