تابعنا على

Share on facebook
شارك على
Share on twitter
شارك على
Share on linkedin
شارك على

أنا والقانون والجالية

بقلم هاني الترك

By Hani Elturk OAM

أحفظ في صدري منذ مدة قصصاً من صنع أبناء الجالية.. يدور محورها حول موضوع واحد: أزمة المهاجر العربي تجاه جهاز القضاء.. تعكس الأسلوب الذي يفكر به العربي تجاه القانون.. رغم تواجده في استراليا.. هذا الموضوع تجنبت الكتابة عنه لأنه كان يمس عملي في المحاكم.. فهو يتعلق بقضية عامة تبرز نموذجاَ رديئاً شائعاً لعقلية الانسان العربي تجاه النظام والقانون.. على أي حال إنني أعتبر مصارحة الآخرين بأخطائهم راحةً للنفس وحلاً لبعض المشاكل.

طلب  الوساطة

جاءني ذات مرة الى مكتبي في إدارة المحاكم المحلية مهاجر عربي لم أقابله من قبل إلا مرة واحدة.. يطلب مني التدخل في قضيته من اجل ترجيح ميزان العدالة لصالحه.. شرح لي مطولاً انه صاحب حق في القضية والطرف الآخر هو المخطئ.. أعرب صراحة عن هواجسه بأن محاميه قد عقد صفقة مع محامي الطرف الآخر ضده قبل الاستماع الى قضيته والحسم بها في المحكمة.

إستطرد في الكلام انه يشك في عدالة القاضي وبصفتي اعمل في المحكمة فقد طلب مني ان أعرّفه بالقاضي وأتوسط له.

صعد الدم الى رأسي وثارت أعصابي في داخلي غضباً ولكنني سيطرت على ثورتي وقلت في هدوء:

«يا صديقي تذكر اننا في استراليا وليس في دول العالم الثالث.. والعدالة تحاول ان تكون عادلة بقدر الامكان.. فلا الوساطة ولا المحسوبيات ولا معرفة القاضي لها أي مفعول في تحويل مجرى التحقيقات. إن عقلية الوساطة في ترجيح ميزان العدل للمصالح الفردية بغير وجه حق تركناها لبلاد أخرى لم تصل بعد الى إستيعاب فكرة الحق والمساواة أمام القانون.. فالمسألة هي قضية مبدأ وحق أولاً.. والقانون فوق كل شيء.. ومبدئي ألا أقحم نفسي فيما هو ليس من إختصاصي.. فإذا دخلت الى القاضي وقلت له بأنك صديقي وطلبت مراعاتك في القضية فسوف يغضب مني لان هذا تصرف خطير.. فإستيقظ ايها الرجل من غفوتك وإذهب الى قاعة المحكمة وثق بالعدالة وإتكل على الله.. وأنت المنتصر إذا كنت صاحب حق كما تقول».

فرد عليا بكل وقاحة:

«أنت مخطئ.. فلا تقرأ عن إنحرافات بعض القضاة والوساطة.. وانا لا اطلب منك سوى تعريفي للقاضي وتقديمي له لمحاباتي في قضيتي ولا أخرق القانون لان الباقي يخصني».

قلت له والغضب يسطع في نفسي:

«يا رجل صحيح ان العدالة المطلقة لا توجد الا في السماء.. ولكن تذكر ان العدالة على الارض تحاول ان تكون عادلة بقدر الامكان.. وإذا كنت تقرأ وتدعي المعرفة وتفهم أمور الدولة فاستوعب مفهوم الحق وسلم نفسك بفهمك للقواعد القانونية التي تتعلق بقضيتك.. حتى تحيط نفسك علماً بملابساتها.. فتقوي حجّتك امام منصة القضاء». إلتقطتُ كتاباً من المكتبة يتعلق بموضوع قضيته وشرحت له ما يجب ان يكون موقفه حتى لا يمنعه الجهل من رؤية نور الحقيقة الذي يبحث عنها في المحكمة.. وحتى لا يراوده الشك بالعدالة.

شكرني وذهب على مضض وشعرت ان قليلاً من الراحة قد تسلل الى نفسه بعدما تسلح ببعض الفهم عن موقفه القانوني.

وبعد إنتهاء جلسات القضية جاءني قائلاً انه خسرها.

قلت له:

«حسناً إذا كنت تعتقد بعدالة قضيتك فالقانون يمنحك حق الإستئناف.. وتذكر ان أقرب مسافة بين نقطتين هو الخط المستقيم.. و لم يشكرني وذهب مكتئباً».

طلب المعلومات من الأرشيف

في حادثة ثانية أثناء عملي في المحكمة العليا إتصل بي مهاجر عربي آخر لم أرَ وجهه قبل ذلك مطلقاً.. متسائلاً متى سيجيء موعد الاستماع الى قضيته الخاصة بتعويضات العمال.. واعرب عن شكه بالمحامي الذي يتولى المرافعة عنه.

وبالطبع اني اعلم ان جهل صاحب القضية بحقوقه يقلل من فرصته للحصول على حقه.. ولهذا نصحته بالتوجه الى مكتب المساعدات القانونية.. أو إستشارة محام آخر حتى يتأكد من صحة نوايا محاميه.. ويكون على علم وبينة من قضيته.. واقترحت عليه الاتصال بمحاميه للاستفسار عن مصير قضيته.. وعندما تمادى الرجل وطلب منى الاطلاع على ملف قضيته. قلت له:

«لا يجوز لي الخروج عن دائرة إختصاصي .. ولا يجوز لي الاطلاع على ملفك في أرشيف المحكمة.. وأنصحك بالحصول على المعلومات الصحيحة المتعلقة بقضيتك من المصدر الصحيح بدلاً من العبث بوقتي.. وإنني ارى ان هذا المصدر هو محاميك».

الرهبة من المحكمة

وفي حادثة ثالثة طُلب مني في المحكمة ان أترجم لأمر عاجل إجراءات قضية لمهاجر عربي لا يتكلم الانكليزية.. فرغم ان مهنتي ليست هي الترجمة.. فأبديت إستعدادي لمساعدة هذا الشخص والمحكمة.. حيث ان هدفي هو الصالح العام أولاً وأخيراً.

وإنني أقر واعترف بان قيامي بالترجمة لذلك الشخص قد أرهقني كثيراً.. فكان القاضي يسأل سؤالاً محدداً وصديقنا يلف ويدور مجيباً على ما لم يسأل عنه القاضي.. مما يبرز جهله الكامل بأبسط قواعد القانون.. كان واضحاً انه كان ضائعاً ومرتبكاً من وجوده في المحكمة.. أشفقت عليه وكان كل همي هو الحصول على الاجابة المحددة ونقلها الى قاضي وهيئة الدفاع.. مثلاً سأله القاضي سؤالاً يتعلق بجوانب القضية ترجمته له الى العربية.. فرد الرجل طالباً الرأفة لأنه والد لتسعة أولاد.. ولم يجب بذلك على ما سأله القاضي.. فكاد صبري الطويل جداً ان ينفذ.. ففي مثل هذا الموقف الانساني الصعب يحاول المرء ان يكون أميناً محايداً بقدر الامكان.

رُفعت الجلسة للاستراحة وقت الغذاء.. وأول شيء فعله ذلك الشخص انه تعقبني خارج المحكمة منفرداً بي طالباً مساعدته.. وان اكون الى جانبه في الترجمة.. وكنت مدركاً خوفه وإرتباكه فقلت له:

«يا صديقي لا تخف ولا تجذع.. إنني أقوم بواجباتني بقدر ما استطيع في الترجمة.. وانا لا أبغي شيئاً.. ولست قاضياً وثق بالعدالة وإتكل على الله».

محاولة رشوة

في حادثة رابعة طلب مني شخص معروف في الجالية وفي منصب عال تربطني به معرفة عامة ان اقوم بإلغاء كل الغرامات المتراكمة عليه في سجل المحكمة..وهي غرامات نظير خرق قواعد قيادة السيارة والتي تبلغ قيمتها ثلاثة آلاف دولار.. وعرض علي مبلغ 500 دولار نظير قيامي بهذه المهمة.. قلت له بغضب:

«يا رجل إنني شخص أمين وصادق حتى نخاع عظمي.. ولو كانت تلك الغرامات علي أنا شخصياً فلن أخون ضميري وعملي من اجل نفسي.. ولكن بحكم معرفتي بك سوف أساعدك بطريقة قانونية.. ولن أدعك تخرق القانون وأصول الامانة أو أعرضك لارتكاب جريمة من هذا النوع».

وبالفعل إصطحبته لرئيس القضاة للمحاكم المحلية.. وطلبت منه مساعدته بالطرق القانونية.. بالطبع لم أذكر لرئيس القضاة على عرض ذلك الشخص المخزي وإلا رفض مساعدته.. وربما إتهمه بجريمة الرشوة والسلوك الفاسد.

على أي حال أحضرت له سكرتيرة الرئيس صورة له من الغرامات التي سوف تُرسل إليه.. وأفهمه ان قانون الغرامات يقضي بما يُسمى بلغة القانون

 Concurrent Sentence.. أي ان يسري الحكم على الشخص بالتداخل ويمضي مدة العقوبة كلها في مركز الشرطة في وقت واحد وليس بفترات متتالية.. وبالفعل قام ذلك الشخص بتنفيذ الحكم وأُلغيت الغرامات التي كانت مستحقة عليه.

إن هذه القصص تدل على أمر هام: هو قصور المهاجر العربي في فهم القانون والواجبات التي تواجهه.. إننا نعيش في بلد يقدس القانون.. ويحفظ حقوق الانسان الأساسية.. حيث يوجد عنصران أساسيان في جوهر الحكم.. وهم الحرية وحفظ القانون.. أي ان حرية المواطن في ممارسته لحياته محفوظة طالما أنها لا تنال من حقوق الآخرين.. وإذا خرق المواطن حقوق الآخرين وإصطدم معهم فإن العنصر الثاني وهو القانون يكون الفاصل.

لست أدري متى سيدرك المهاجر العربي اننا في بلاد لها مؤسساتها في الانظمة القانونية والاجتماعية والسياسية.. ويجب إتباع الطرق القانونية.. والبعد عن الوساطة والمحسوبيات والرشوة والتسلح بفهم نصوص القانون.. لأن مفهوم العدالة ان القانون فوق الجميع.

شارك على

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn