تابعنا على

Share on facebook
شارك على
Share on twitter
شارك على
Share on linkedin
شارك على

آلية التفاعل بين الإقتصاد والسياسة و الإنتقام

بقلم كمال براكس

هناك خبر رهيب, سطع في المدينة بأقل من ساعة , خلاصته ان الدولة العثمانية , التي كانت تحتل البلاد , ترغب في تجنيد شباب المدينة تجنيداً اجبارياً , والذهاب بهم الى قتال الحلفاء في ساحة الحرب المحتدمة المستعرة . وقد شمل هذا القرار كل البلاد السورية واللبنانية .
وأخذت الأفواه والمسامع تتناقل هذا الحدث , الذي روَّع السكان على بكرة ابيهم , حتى دَّب الرعب والذعر في القلوب , وأقبلَ الناس من كل حدب وصوب لاستعلام الحقيقة .وعمَّت الفوضى المدن عقب ذلك الخبر الذي ذاع وطار ثم ما لبثَ ان تحقَّق وتهافتَ الناس يعتقون انفسهم من هذا التجنيد الأجباري بدراهم معدودة . ومن لم يكن لديه المال اللازم , اضطر لبيع بعض فرش منزله وأثاثه , رغبة في الحصول على المقدار الكافي منه لينجو من ملاحقة الدولة العثمانية له .
وكان “عفيف” صاحب القصر الفخم , من الذين يملكون ثروة طائلة , تُمكنه من عتاق فلذة كبده من تلك الجائحة , التي كادت تقضي عليه هولاً وجزعاً . وما سار النبأ حتى اسرعَ الى دار الحكومة , فشَّقَ طريقه بين الجموع المزدحمة , وبلغَ غرفة الموظف الذي يهتم بهذه المهمة . فطرقَ الباب طرقاً خفيفاً , سمعَ على اثره صوتاً يقول , ادخل: فتحَ” عفيف” الباب بيد مرتجفة , وقلبه يخفق خفقاً شديداً , ولكنه ما وقعَ بصرهُ على الموظف الذي كان جالساً خلف مكتبه , بعثرت فوقه اوراقاً كثيرة دون ترتيب ولا تنسيق , حتى جَمَدَ في مكانه لا يتحرَّك , وعلى وجهه صفرة الموت , ثم بدأَ يجول حوله نظرات الخوف الممزوج بالحقد والغيظ , وعاد لا يدري ماذا يقول . ترى ما الذي أصاب “عفيف” حتى كاد يصعق ويقع مغشياً عليه , وما هو سبب هذا الأنقلاب الفجائي. انتصب الموظف ذو الشأن واقفاً عندما شاهدَ ابا “عفيف” يدخلَ عليه غرفته , وانقلبت اساريره , فأنفرجَ فمه عن ابتسامة اللؤم والضغينة , ثم حملقَ في وجه “عفيف” , وخاطبه بلهجة المتهَّكم الساخر . ما الذي جئت تفعله هنا , فتمالك ” عفيف” نفسه , وحَّدَقَ في وجه مُحَّدثه متظاهراً بالدهشة , ثم قال بلطف . جئت لأعتق ولدي فراس وافتديه من التجنيد . فأرسل الموظف ضحكة الهزء والإستهجان , ثم أجاب بصوتِ ملؤه المكر والخداع قائلاً . لقد جئت الى هنا فأهلاً وسهلاً , ولكن سعيك ان اعتق ولدك” فراس” ضرب من العبث . تظاهرَ ” عفيف” الغني بالأستغراب , عند سماعه هذه العبارة التي كان ينتظرها لتخرج من فم الموظف , الذي كان يجهل وجوده في هذا المنصب , وان الخشونة لا تفيد موقفه الحرج , على الرغم من ان دمه كان يغلي في عروقه غيظاً وحنقاً , وتابع الموظف قائلاً , وانه من الغباوة وقصر النظر بقدومل الى هذا المكان تطلب المساعدة والعون . وقفَ “عفيف” وهمَّ بأن ينقض على الموظف ويزهق روحه , ولكنه قظمَ غيظه , وأجابه بقوله : انك مخطئ يا “سليم” اّدِعائي بهذا الأفتراء , مع انكَ تعلم صفاء سريرتي , ولا أحسبكَ تنسى مساعدتي لك , على نيل غاياتك , وامدادي اياك بنصائحي , ومالي اللذين كنت محتاجاً اليهما كثيراً . ولا أظن ان جزاء احساني اليك هو التنكر لي , بمثل هذا الوجه الكالح المكشر . اّلاَ ان هذه الكلمات ما كانت اّلا لتزيد في حنق “سليم” . فصاح قائلاً بعد ان قام عن كرسيه , وأخذَ يسير في الغرفة ذهاباً واياباً .
حارَ “عفيف” فيما ينبغي ان يفعل , لقاء عناد هذا الرجل , وينال التصريح , بأطلاق حرية وحيده الذي قَدِمَ من أجل الحصول عليه , وشَرِعَ يفكر في وسيلة تمكنه من الثأر لنفسه وكرامته , ولم يجد أفضل ولا أجدى من أخذه باللين وحلو الحديث حتى النهاية. العفو .لقد أسأتُ اليك كثيراً في المرة الأخيرة , فاني أتوجه اليك وأطلب عفوك سيدي وان ذنبي لا يغتفر. فضحك “سليم” ضحكة صفراء , ثم أجاب وهو عابس مُقطب الحاجبين .أنك لا تقدر على اقناعي ببراءتك مهما احتَلت وراوغت , انت مجرم , خدّاع , لئيم , لقد قَتلتَني بغير سلام , وجعلتني اذوب كالشمعة المشتعلة , باضرامك في قلبي لوعة النار , لن يطفئها اذلآ الأنتقام منك ومن ولدك “فراس” ذلك السافل المستَذِل , لأنك كنت السبب بزواجه من “نور ” . أجل “نور ” التي أحبها بل أعبدها . “نور” التي عرفتها قبل ان يعرفها هو . وسعيتُ كثيراً لأحظى بها وحدي , ولكنها كانت تنفر مني على الرغم من فقرها وعوزها . انتَ مخطئ يا هذا , انا ما زففتها الى ولدي ” فراس” على كرهِ منها . بل هي قَبِلته حليلاً لها . وعقد القران برضاها لأنها تحبه . أفهمت الآن : لم يكن تأثير العبارة في “سليم” من انها ستخمد ناره , وتطفأ شعلة الأمل المتأججة في قلبه . ثم صاحَ قائلاً .انها تحبه . يالها من ساقطة . حتى تحرَّكَت النخوة في رأس “عفيف” , فهجمَ عليه واشتبكَ معه في عراك , وكانت اللكمات تنزل على رأس “سليم” كأنقاض الصواعق .
وذهبت مساعي الموظف ” سليم” هباء لصَد هجمات ” عفيف” الرجل الثائر عليه او ابعاده عنه ولو قليلاً , عندها طلبَ النجدة , فأخذ يصرخ بملء حنجرته قائلاً . لقد قتلني الشقي . انقذوني .
وتسارع الناس من كل حدبِ وصوب يتدافعون لدخول غرفة الموظف “سليم” كي يستطلعوا الخبر , وكانت الدماء تسيل بغزارة من رأس “سليم” وجسده . ثم اغميَ عليهِ فجأةً . فأخرجوه من الغرفة , ومضوا به الى عيادة الطبيب . وما لبث ان فارق الحياة .
ومن البديهي ان يكون هذا الحادث , وقع سيئ لكافة الموظفين , لأنهم اعتبروا فعلة “عفيف” خرقا للقوانين . واستصغاراً لهيبة الحكومة واستنقاصاً من قدرهم جميعا . لهذا فقد حُكِمَ على “عفيف” بالشنق .
وصَدَرَ الأمر من المرجع العالي بالقبض على “فراس” ورسمه جندياً لأرساله الى ساحة القتال , من دون شفقة ولا رحمة , ومن غير ان يسعى أحد وراء كشف الحقيقة . واستناداً الى هذا الأمر توَّجهت قوة مسلحة من الجنود نحو قصر “عفيف” فطوقوه من جميع اطرافه .فقُبِضَ على “فراس” لأرساله الى ساحة القتال التي ليس له رجعة فيها بل سيغدو الى الموت الأكيد , واستسلم “عفيف ” .ليعدم شنقاً .

شارك على

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn