تابعنا على

Share on facebook
شارك على
Share on twitter
شارك على
Share on linkedin
شارك على

آلية التفاعل بين الإقتصاد والسياسة الموت لا يرحم

بقلم كمال براكس

ليل مدلهم مدجدج , وظلام قاتم مقفهر , وسماء مُلبَّدة بألغيوم , وريح هوجاء عاصفة , وبرق يخطف البصر , ورعد تهتزُّ منه اركان المنازل وجدران البيوت , وأمطار تنهمر مدراراً فتُحَّول الشوارع والأسواق الى انهار فيّاضة , ثم تلك الرهبة المشؤومة , التي أطلَّت بوجهها البائس المكفهِّر , على مدينة زحلة فأدخلت الرعب في قلب كل من يجرأ , ان يتجوَّل في مثل هذا الوقت المتأخر من الليل , خوفاً من النفوس الشريرة , المتعطِشة , لسفك الدماء البريئة , التي تتحرَّك متشدِّدة متجاسرة , لوثوقها بأن الغسق سيخفي اثار الجريمة ويمحو معالمها .

          في مثل هذه الساعة المخيفة الرهيبة , وبينما الناس قاطبة , قد غرقوا في بحر النوم الهادئ , على فراشهم , الناعم , الوتير الدافئ,

  كانت فتاة خائرة القوى , تكاد تجود بروحها , من تأثير قشعريرة برد شديد قارس, سَرَت في جَسَدِها المهزول , الذي لا يستره غير قميص شفّاف , اقرب الى خرقة بالية , منها الى ثوب يصلح اللبس .                                                لكن يد الموت , تعبثُ بها , لتنتزع روحها من صدرها , غير مشفقة على شبابها الغض , ولا رحمة لصباها النضر , وأنَّى للموت ان يشفق او يرحم , وهو القوة الجبارة التي لا تعطف ولا تلين .

      مرَّت ساعات , وبدأت الفتاة تئن انين الأحتضار , وتتفرَّس ملامحها الشاحبة , على نور المصباح الخافت , تعدُّ انفاسها خاشعة الطرف واجمة , مضطربة القلب ملتاعة , يَشِع من عيناها بريق النبل والشرف , ويبدو في نظراتها الحائرة , من قَهر الأيام ومحن الدهر , التي رافقتها في جميع ادوار حياتها المعذبة , فسَّدت عليها سبل السعادة , واحاطت بها من غير ان ترحم او تنثني .وفجأة زفرت الفتاة زفرة طويلة , ثم تَنهَيدة عميقة , خرجت من صدرها الناحل , وأخذت تُرَّدد بصوت كالهمس : امي ؟ جرعة ماء .

وكانت عجوز بقربها وهي امها وسمعتها , وكأنما قد دَبَّ في جسدها عنفوان الشباب متوجهة الى زاوية الغرفة , وتناولت منها كوباً ملأته ماء ثم قَرَّبته من شفتي العليلة التي اكتفت بجرعة منه  , ثم أسندت رأسها الى وسادتها غائبة عن الوجود .                                                                                    وسادَ السكون الرهيب للمرة الثانية , ولم يكن لِيُعَّكر صفوه , غير قصف الرعد وهطول الأمطار , وانتاب الفتاة هذيان شديد , كانت تنطق في اثنائه بكلام غير مفهوم , حتى ظنَّت العجوز امها ان ذلك حشرجة الموت.       

  لكن الفتاة جَمَعت قواها المنحلة , وافكارها المشَّتتة , وكأن الروح قد عاد اليها مُجَّدداً , بعد ان فارق جسدها لحظة ,                                                      وعندما كان سعيد الحاجب مستلقياً على فراشه , شَعَرَ فجأة بقشعريرة تسري في عروقه , فهَّبَ من نومه مذعوراً , لا يدري لها سبباً , وحاول كثيراً ان ينام , فكانت محاولته ضرباً من العبث . فقام الى النافذة , وجلسَ امامها مرسلاً بصره الى المنزل المجاور , ورأى من خلال صير الباب نوراً ضئيلاً ينبعث منه . فأيقنَ ان الفتاة بها شيئ . ولعبت في رأسه الوساوس والأفكار , ثم صار يتأمل هذا الضوء في المنزل المتداعي , وفي ساعة متأخرة كهذه , فأدرك ذلك على الفور , بأن الفتاة في خطر , لاسيما وقد مضى عليها مدة طويلة لم تزر الطبيب , مع انها أنبأته منذ اسبوعين باشتداد المرض عليها واشرافها على الموت , فهَّبَ الى معطفه الصوفي فارتداه , وترك غرفته دون ان يَدع زوجته تشعر بخروجه , متوجهاً الى المنزل الحقير ليستطلع الخبر.                                                                             دوَّى في ارجاء البيت الحقير , طَرَقات قوية على بابه المضعضع الدعائم , ارتعدت منه الفتاة وذعرت , والقت حولها نظرة رعب وجزع , وظَهَرَ في معالم وجهها المخافة والرهبة ثم عاودها الأغماء . واذ برجل تَقَّدم من المصراع , واسرع بالدخول خشية المطر المنهمر . وما توسَّط الغرفة العارية , حتى وَقَعَ بصره على الفتاة , وكانت حالها تثير المهابة والخشوع .فجحظت مقلتاه وشحب لونه .ثم قال بصوت من ابصر شيئاً هاله وأفزعه .

كان الرجل سعيد الحاجب هذا شيخاً وقوراً يدل على مظهره , النبالة وعلو الهمة والمروءة , وكان قريباً الى القلوب , اذ لم يقع نظر مخلوق عليه الاّ احَسَّ بالركون والطمأنينة اليه , وقد مَنَحه الله مالاً كثيراً , فأعطى السائل والمحتاج   وبينما الأمطار تتساقط في الخارج , مُتَجمعة في الطريق الضيق , ومُكونة مستنقعاً , يصعب على المار سبيل اجتيازه , وبينما الرعد يطنطن والبرق يلمع , والظلام المشؤوم يُعَّكر صفاء النفوس الآمنة , كان سعيد الحاجب قد أخلى بيت الفتاة , غير مكترث للباب الذي تركه وراءه مفتوحاً , واجتاز الطريق , حاملاً الفتاة بين ذراعيه , متوجهاً بها الى قصره , الذي يبعد بضع خطوات , ولم تتبعها العجوز التي هي اصلاً امها وبقيت في البيت .                                                     وكانت المياه تُبَلل ثيابه وتخترقها حتى جسده , دون ان يحفل بذلك , لأن همُّه الوحيد هو ان ينجد محمله ويقطع به منطقة الخطر .                                    بعد جهد كبير وصلَ اخيراً الى قصره , فوجد الريح الهوجاء قد أغلقت الباب خلفه .لقد تَرك سعيد الحاجب منزله من غير ان يدع احداً يشعر بخروجه . اذ كان كل من فيه نائماً . لكن تراءى لأبنه فؤاد , رؤيا ازعجته , ومنعت عنه رقاده , فَهَّب قلقاً من فراشه , يتلمس النافذة , وسط الظلام الدامس الذي خَيَّم في غرفته , فجلس امامها يُمتع باصرته بمنظر الطريق المظلم , ولكنه سَمَع فجأة وقع أقدام في ردهة القصر , فادركَ ان مخلوقاً يجتاز الدار , فتحصَّنَ بردائه وخرج على أطراف اصابعه , غير انه دُهشَ لما رأى والده يسعى للخروج خفية , وفكَّر انه لو لم يكن هنالك ما اضطرهُ لذلك لما فَعَلَ ذلك , ودفعه فضوله ليتبعه غير مبال بالأمطار , ثم شاهده يدخل بيت العجوز , وأكتفى بالنظر من قدح الباب ,                                                 وبعد ان خرج سعيد الحاجب بيت العجوز حاملاً الفتاة بين ذراعيه , تاركاً العجوز اي امها تتخبَط خبط عشواء , دخل فؤاد المنزل الحقير , فوجد بابه مفتوحاً , ولقد عجب ما رآه , فوجد العجوز جثة لا حراك فيها    فهم كل شيئ لأول وهلة , فأستولت عليه الخيفة , ولا سيما لما وجد امامه جثة هامدة , وفي غرفة لم يزل شبح الموت حائماً عليها , وهَّمَّ بأن يخرج لا يلوي على شيئ , لكن فَكَّرَ في تلك المرأة المسكينة , بل فكَّر في جثتها , فلم يرى من المروءة ان يدعها في بيت متداعي الأركان , وليس بقربها احد يقوم على حراستها , ففضَّل ان يجيئ بها الى قصره , ما دامت الأبواب مفتوحة للبائسين الأحياء تُخَّفف من ويلاتهم , ومآسي جراحات قلوبهم .                                                                وسار فؤاد نحو باب غرفة الفتاة وانساب الى الداخل , كما تنساب الحية في حجرها , وفي هوادة وسكون اغلقه كما كان , فهَّمَّ ان يقترب من سريرها , ولكن الخوف منعه من ذلك . وبعد تردُدِ طويل , فدنا من السرير , ولما اصبحَ بجانبه , جثا على ركبتيه , ورفع الستار المسدول عليه بيد مُرتجفة , فظهرَ وجه الفتاة الغائبة عن الوجود , ببهائه وتناسب اعضائه .

نظرَ فؤاد الجمال الأروع الخّلاب , قد اخفاه الفقر وسَتَرَه العوز .اجل هوذا الجمال الفاتن  في بيوت الفقراء والمعدمين , الذي حَجَبَه عن العيون رداء الفاقه مع الطهر والعفة , لكنهم حَسَبوا ان الشرف في المال , والرفعة في النسب , وهذا هو ذنب جشعهم واستكلابهم .

تَرَقرقت دمعة في مآقي الشاب من دون ان يعلم لها سبباً , وخفق قلبه , فَهَّمَّ بأن يدنو بنفسه من فم الفتاة , ويطبع على شَفَتيها قبلة حارة , غير انه خشي ان تفيق من غيبوبتها فينفضح امره . فَفَّضل ان يتأمَّل وجهها النضر الذي رُسم الهم على صفحتيه التعس والشقاء فزاده حسناً وبهاء . عندها زَفَرت الفتاة زفرة الموت , لتلاقي ربَّها في جنة الخلد .

شارك على

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn