« قل كلمتك وامشِ »

بقلم/ كامل المر

خروج مجلس الامن عن الطاعة الاميركية
يصيب ترامب بالجنون فيهدد بمعاقبة العالم
وجهله بالتاريخ الاميركي يدفعه للتهور اكثر !

قرر مجلس الامن الدولي بأكثرية 14 صوتا من أصل خمسة عشر أن القدس محتلة ولا يحق للرئاسة الاميركية ان تهبها لاسرائيل ، لتكون عاصمة لها ، , وهي لا تمكها اصلًا لتهديها ، ومن اجل وقف هذا القرار استخدمت واشنطن حق النقض لابطاله . وجوابا على «الفيتو» الاميركي احيل الامر الى الجمعية العمومية للأمم المتحدة للنظر بشانه ، فقررت باكثرية 128 صوتا ضدَّ قرار ترامب ، فطار صوابه ، وهدد الدول التي صوتت ضد قراره بمعاقبتها وبقطع «المساعدات» الاميركية عنها .
وقرار الرئاسة الاميركية وهب القدس لاسرائيل ليس جديدا ً ولم يخترعه ترامب ، بل «شرّعه» الكونغرس الاميركي في العام 1995 حيث سيطرت عليه «المسيحية» الصهيونية ، فاصدر عندئذ قانون سفارة القدس الذي اعلن ببيان السياسة بأنه «ينبغي الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة اسرائيل» ، كما نصّ مشروع القانون على أن «السفارة الاميركية يجب ان تنقل الى القدس خلال خمس سنوات .»
وجاء هذا القرار مخالفاً للمواقف الاميركية الرسمية السابقة ، التي عارضت مثل هذا القرار بعد اختراع انشاء «دولة اسرائيل» . فقد عارضت الولايات المتحدة اعلان اسرائيل القدس عاصمة لها في العام 1949 .
كما عارضت الولايات المتحدة الاميركية ضمّ اسرائيل للقدس الشرقية بعد حرب 1967، مقترحة ان يكون مستقبل القدس موضوع تسوية تفاوضية . وحافظت الادارات الاميركية المتعاقبة على السياسة التي تعتبر ان مستقبل القدس لن يكون موضوع اجراءات احادية الجانب يمكن ان تضّر بالمفاوضات ، مثل نقل السفارة الاميركية من تل ابيب الى القدس ، حتى العام 1995 حيث تمكنت «المسيحية» الصهيونية من الكونغراس الاميركي فاصدرت باسمه «قانون سفارة القدس».
ومنذ ذلك الحين دأب الرؤساء الاميركيون على توقيع تنازل ، لمدة ستة اشهر ، عن تنفيذ القرار ، الى ان جاءنا ترامب في السادس من كانون الاول 2017 باعترافه «المسرحي» رسميا بالقدس عاصمة لاسرائيل وبصورة مسرحية ، وتماماً كما في اعلان جولات المصارعة ، عرض على شاشات التلفذة توقيعه على القرار المخزي ، واصدر اوامره للبدء باجراءات نقل السفارة من تل ابيب الى القدس .
القرار الاميركي بشأن القدس ليس مفاجئاً الا لبعض الحكام العرب اللامّعين ، الذين شاءوا ان يدفنوا رؤوسهم في رمال صحاري «الصداقة»الاميركية العربية ، التي تحولت مع الزمن الاسرائيلي الاميركي الى سراب خادع حاولوا الامساك به ، فاذا بهم ينتهون صرعى الدهشة التي اوقعهم بها ذاك القرار الاميركي المشؤوم المسموم .
وليس قرار الكونغرس الاميركي ، بشأن اعتبار القدس عاصمة لاسرائيل ، ووجوب نقل السفارة الاميركية من تل ابيب اليها ، واوامره بتنفيذ ذاك القرار ، سوى خطوة متقدمة في مسار قديم رُسِمَ للقدس ، وللقضية الفلسطينية برمتها منذ اختراع دولة اسرائيل في العام 1948 وما سبقها من اجراءات كوعد بلفور ، وفتح باب الهجرية الصهيونية الى فلسطين زمن الانتداب الانكليزي عليها ، وسواها من الاجراءات الآيلة في النهاية الى هذه النتيجة . بل ان الاخطر من كل ذلك في مسار تهويد القدس كان خطيئة الكنيسة الكاثوليكية في روما ، زمن البابا بولس السادس ، التي برأت اليهود الاسرائليين ، الذين كانوا وما زالوا يمارسون صلب الشعب الفلسطيني باسره ، برأتهم من دم المسيح ، مع ما رافق ذلك من تبريرات ما نظنها تقنع احداً ، ما فتح الطريق واسعاً امام الرؤوساء الاميركيين وامّعاتهم في العالم العربي والعالم بان يستمروا بصلب الشعب الفلسطيني تحت سمع العالم وبصره ، الامر الذي يدفع الى التساؤل : ما الذي دفع بالبابا بولس السادس لاتخاذ مثل هذا القرار ، وهل ذلك بمبادرة منه ام تحقيقاُ لمسار قديم ، وهل هو متحدر من سلالة من نُصِحُوا بأن يتنصروا زمن انهيار الحكم العربي في الاندلس درءاً لاضطهاد الاسبان أنذاك للعرب المسلمين ولليهود حتى يتخذ مثل هذا القرار ؟!!
ربما كان من المفيد ان تصحح الكنيسة الكاثوليكية موقفها بان تكفّر عن خطيئتها بالتراجع عن ذاك القرار قبل ان يستفحل الامر اكثر ، ذلك ان قرار ترامب حول القدس قد دفع نتن ياهو بأن يعد العدة لاستثمارات سياحية هائلة للاماكن المقدسة ساعة يستتب له الامر ، ان حدث وتمكن من الاطباق على انفاس الفلسطنيين ، واخماد انتفاضتهم المباركة في ظل غياب اي دعم عربي لها حتى الساعة ، فيكون امر الاماكن المقدسة في القدس عندئذ منوط بـ»المسيحية» اليهودية التي تنتظر مجيء المسيح كما المح نتن ياهو مؤخرا في تصريحات له .
لكن حسابات حقول الادارات الاميركية و»المسيحية» اليهودية ممثلة باسرائيل لن تتطابق وحسابات بيادر الشعوب ، طال الزمان ام قصر . فاسرائيل كيان استعماري مزروع في فلسطين ، قلب العالم العربي ، ويحتل كامل ارض فلسطين واراضٍ عربية اخرى . وكل احتلال الى زوال منذ ما قبل المسيح والى اليوم وغدٍ.
بقي ان نذكر ترامب بأن في التاريخ الاميركي لمعات مشرقة من جورج واشنطن الى بنيامين فرنكلين . وعلى ما يبدو فان الرئيس ترامب يجهلها ولم يبصر وميضها ، لا سيما تلك التي اطلقها الرئيس فرنكلين في جلسة مناقشة الدستور الاميركي ، ولعله اذا عاد اليها يدرك هول تهوره ويضع حدا له .
وحتى ذلك الحين نقرؤه السلام .