كوريا واحتمالات الحرب الجديدة

بقلم بيار سمعان

بين 7 و11 شباط فبراير 1945 اجتمع في يالطا في شبه جزيرة القرم الرئيس الاميركي فرانكلين روزفالت ورئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل والزعيم السوفياتي جوزيف ستالين لمناقشة امور تتعلق بتوجيه ضربة قاضية الى المانيا واليابان وطرح تصورات تحول دون اندلاع حرب جديدة، وناقش المؤتمرون تقسيم العالم بين الدول المنتصرة في الحرب.

وكان هذا الاجتماع هو الثاني ضمن مجموعة اجتماعات بين الكبار الثلاثة في غضون سنوات قليلة. وشهدت المؤتمرات مناقشات مطولة. وقد سبقها مؤتمر طهران (1943) واعقبه مؤتمر بوتسدام (تموز 1945) وحضره ستالين ورئيس الوزراء البريطاني المنتخب كليمونت آتلي، بدل تشرشل، والرئيس هاري ترومان بدل روزفالت.

وتقرر خلال هذا المؤتمر التخلص من القوة العسكرية اليابانية، فالقيت قنبلة نووية في 6 آب 1945 على هيروشيما وناكازاكي دفعت اليابان الى الاستسلام.

وتقرر منح دول اوروبا الشرقية الى الاتحاد السوفياتي، كما استولت القوات الروسية على قسم من المانيا.

ومع نهاية الحرب العالمية الثانية انقسم العالم بأسره بين نظامين هما «الرأسمالية والشيوعية» وبدأ تهديد الدول التابعة لكل فريق بالحرب الباردة. وتكريساً لهذا الواقع جرى ملاحقة الليبراليين في الدول الشيوعية والشيوعيين في البلدان الرأسمالية، كما ارعب العالم باحتمال وقوع حرب نووية بين الجبارين، الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الاميركية ودول الحلف الاطلسي. هذه الحالة، الحرب الباردة، ارعبت العالم حتى انهيار الشيوعية.

الزعيم الصيني ماوتسي تونغ تمكّن من تبني الفكر الشيوعي واعاد صياغة بعض الطروحات لتتلاءم مع الواقع الديمغرافي والاقتصادي والاجتماعي في بلاده، وتمكّن من توحيد مختلف المناطق والممالك الصينية ضمن نظام واحد.

< كوريا الشمالية ليست دولة شيوعية

حكمت اليابان كوريا الشمالية منذ 1910 وحتى انهيارها في الحرب الثانية.

يتساءل كثر حول حقيقة النظام في كوريا الشمالية. أهي حقاً دولة شيوعية، حسب ما يفهم النظام الماركسي اللينيني في القرن العشرين، بالواقع تحكم كوريا الشمالية عشيرة عائلية ملكية استبدلت العديد من المبادئ الشيوعية لتتلاءم مع اوضاع ومصالح هذه العائلة الحاكمة التي استفادت من هذا النظام لقمع شعبها والتخلص من الفكر الليبيرالي ومساعي التحرّر في البلاد.  وقامت ممارسات العائلة الحاكمة على عمليات الكبت والاضطهاد والملاحقات العشوائية غير المبررة بالاضافة الى ضلوع هذا النظام في اشعال فتيل الحرب الكورية عندما جرى في 25 حزيران 1950ارسال 75 الف جندي لاجتياح كوريا الجنوبية. هذا التدبير العسكري ادى الى اندلاع حرب بين كوريا الشمالية التي يدعمها الاتحاد السوفياتي والصين وكوريا الجنوبية المدعومة من الولايات المتحدة التي رأت في هذا الاجتياح تهديداً لأمن المنطقة وامتداداً للفكر الشيوعي على حساب نظام ديمقراطي.

وحفاظاً على مصالحها دخلت الولايات المتحدة هذه الحرب مدعومة من حلفائها والأمم المتحدة بعد ان خطف احد كبار الضباط الاميركيين، وبعد ان شارفت قوات كوريا الجنوبية على الانهيار خلال اشهر على انطلاق الحرب، ودخول قوات صينية لدعم كوريا الشمالية.

دامت الحرب حوالي 3 سنوات. وتوقفت الاعمال العسكرية بعد ان جرى التفاهم على اقامة منطقة عازلة بين البلدين ومنزوعة السلاح دون التوقيع على معاهدة سلام بين الطرفين. وهذا يعني ان الكوريتين لا تزالان في حالة الحرب حتى يومنا هذا.

وتجدر الاشارة ان خسارة الاميركيين في تلك الحرب كانت سقوط 33،686 جندياً و2800 عامل غير عسكري، كما خسر الاميركيون في مواجهات عسكرية ضد الصينيين 8516 جندياً. وتكبدت كوريا الجنوبية 373،599 مدنياً و137،899 جندياً. وتقدّر مصادر غربية خسارة كوريا الشمالية بـ 400 الف قتيل وحوالي 500 الف جريح.

< كوريا الشمالية والقدرة الاقتصادية

تبدو كوريا الشمالية اذا نظر اليها من الخارج انها دولة فقيرة معزولة عن العالم وغير قادرة على اطعام شعبها. لكن كوريا الشمالية لديها بالواقع ثروات طبيعية ضخمة، وفيها جبال شاسعة يستخرج منها الفحم الحجري العالي الجودة والذهب والفضة واليورانيوم والحديد الخام ونوع من المعادن النادرة في العالم. وهي تصدر منتوجاتها الطبيعية الى حلفائها مثل الصين والاتحاد السوفياتي قبل انهياره والى بلدان الكتلة الشيوعية. وكانت بالتالي متقدمة جداً نظراً لقطاع التصدير على الرغم من الاجراءات الدولية الاخيرة التي قلصت قسماً من هذا القطاع.

غير ان الصين حافظت على تجارتها مع كوريا الشمالية وهي تستورد معظم ما تنتجه هذه البلاد من مواد اولية، خاصة المعادن النادرة لديها التي تستخدم لصناعة الهواتف الجوالة واجهزة الكومبيوتر وسائر المعدات الالكترونية شاشات التلفزة والسيارات.

وتستفيد كوريا الشمالية من علاقاتها الدولية التجارية لترسل عمالها الى الخارج مثل الصين وروسيا واوروبا الشرقية والشرق الاوسط وافريقيا. ويعمل هؤلاء في قطاع الاعمار والزراعة والخدمات الفندقية والمطاعم.

كما ترحب كوريا الشمالية بالاستثمارات الخارجية ومعظمها من الصين وروسيا وبعد دول الشرق الاوسط مثل مصر. وتزود الصين كوريا الشمالية بالنفط والغاز بأسعار مخفضة بعد ان بلغت العلاقات المتبادلة، السياسية والتجارية والصناعية حالة من التعاون الشديد والتكامل بين البلدين.

ويعتقد الخبراء ان الصين سوف تجد صعوبة بالتخلي عن كوريا الشمالية بسهولة وخسارة كل الامتيازات الحاصلة عليها، دون ان ننسى ان الصين ضحت بحوالي 250 الف جندي للدفاع عنها خلال الحرب الكورية. فقطع العلاقات مع البلد الصديق سوف يحدث خللاً في القطاع الصناعي العام في الصين  ويؤثر بالتالي على الدخل العام لديها بانتظار الحصول على مصادر جديدة في حال ارغمت على قطع علاقاتها مع كوريا الشمالية. لذا يُعتقد ان الصين لن تتنازل عن هذه الامتيازات ولن تسمح بالمقابل بدمار اقتصاد البلد الصديق. كما تخشى الصين في حال قررت التخلي عن النظام ان تحل روسيا مكانها والاستفادة من خيرات البلد المعزول دولياً. وتدرك كوريا هذا الواقع فهي تلعب بالتالي على التناقضات والمزاحمات الصينية الروسية.

وتجهد روسيا لتزويد كوريا بالنفط والغاز والكهرباء والعبور من خلالها الى كوريا الجنوبية وجنوب شرق آسيا، فترد بذلك على مساعي بعض دول الخليج العربي واسرائيل والولايات المحدة لمدّ انابيب الغاز نحو اوروبا مروراً بسوريا لضرب الاقتصاد الروسي الناتج عن تزويد اوروبا بالغاز.

لذا يعتقد خبراء ان روسيا ايضاً لا ترغب بانهيار النظام في كوريا الشمالية. بل تفضل الاستقرار له. وقد تمكنت كوريا حتى الآن من تفادي الانعكاسات السيئة على اقتصادها والحفاظ على وضعها الداخلي في مواجهة الحصار الاقتصادي عن طريق اللجوء الى اطراف اخرى مثل الصين وروسيا ودول اوروبا الشرقية لتزويدها بحاجاتها الاولية. كما تابعت تصدير انتاجها من المواد المعدنية بالطرق ذاتها مستخدمة حتى المصارف الدولية في الخارج. واللافت ان بعض الشركات الاسترالية ليست بعيدة عن هذا التعاون الاقتصادي.

< كوريا الشمالية والقدرة العسكرية

ان حالة الحرب الدائمة التي تعيشها كوريا الشمالية مع جارتها الجنوبية ومشاعر العداء تجاه اليابان والعداء الذي بدأ منها خلال مرحلة الاحتلال (1910 -1945) والوضع الاقتصادي المتنامي لديها دفع الحكم في كوريا الشمالية الى تخصيص ربع الدخل القومي العام للتسلح وبناء جيش مدرّب ومجّهز، واجراء اختبارات نووية وتطوير اسلحتها الصاروخية التي تستطيع اليوم اصابة اي هدف تريد في كوريا الجنوبية واليابان.

ولا يدرك احد القدرات الصاروخية الباليستية لدى كوريا الشمالية بسبب النظام القمعي الحاكم، لكن الثابت ان هذه البلاد اصبحت تشكل خطراً حقيقياً على المنطقة في حال صحت التكهنات حول قدراتها النووية.

واصبح ثابتاً ان كوريا الشمالية تصنع منذ عشرات السنين مختلف انواع الاسلحة الكيمائية واهمها خردل الكبريت والكلور والسارين وغيرها. ويقدّر مخزونها من هذه المواد بين 2500 و5 آلاف طناً. ويمكن اطلاق السموم الكيماوية بواسطة الصواريخ والقذائف المدفعية.

< الجيش

تعتبر قوات الجيش المهيمنة والأكبر عدداً في كوريا الشمالية، لكن يعتقد ان معدات الجيش واسلحته لا تزال قديمة انتجت منذ عشرات السنين حسب رأي المعهد القومي للدراسات الاستراتيجية. ويبلغ عدد قوات الجيش حوالي مليون ومئة الف جندي. وتمتلك هذه القوات 3500 دبابة و21 الف من المدفعية من مختلف الاحجام.

كما تمتلك البحرية 72 غواصة و3 بوارج و400 زورق مراقبة.

اما سلاح الجو فيقدّر عدد الطائرات لديه 963 مقاتلة، معظمها صناعة صينية، الى جانب عدد من الطائرات الروسية 29 و23 و21 Mig. ويعتقد ان سلاح الجو يلزمه المزيد من الصيانة. وتمتلك كوريا 202 مروحية و20 مروحية هجومية، ومئة طائرة نقل الجنود والمعدات و458 طائرات اعتراض جو جو.

وتمتلك قوات الدفاع 2400 قاعدة اطلاق صواريخ. ويسود الغموض حول قدرات كوريا الصاروخية. غير ان الادارة الاميركية تعهدت باسقاط اي صاروخ تطلقه كوريا الشمالية خلال برنامجها الاختباري على الصواريخ الجوية.

< منطقة جنوب شرق آسيا وحالة الحرب

لا يختلف اثنان ان المنطقة التي نعيش فيها تشهد حالة من اجواء التوتر والتخوف من نشوب حرب غير منتظرة. ويعود السبب في ذلك الى مسألتين حيويتين

1 – النزاع حول بحر جنوب الصين التي تدعي الصين انه ملكاً لها وبدأت بتحويل بعض الجزر الى قواعد عسكرية، فارضة بذلك حظراً على الملاحة البحرية والجوية. رغم ان هذه المنقطعة تعتبر حيوية لدول الجوار وللتجارة العالمية كون 65 بالمئة من النقل البحري تمر فيه.

2 – وجاءت القضية الكورية لتزيد المنطقة اضطراباً، خاصة بعد ان بدأت كوريا الشمالية  باجراء اختبارات نووية واجراء تجارب على صواريخ بعيدة المدى.

ولا يتردد الحكم في كوريا الشمالية من التهديد بتدمير العالم وتوجيه صواريخ نووية الى استراليا والولايات المتحدة، حسبما يروّج في وسائل الاعلام، وكما حذرت وزيرة الخارجية الاسترالية جولي بيشوب التي اعربت عن تخوفها ان تطال صواريخ كوريا الاراضي الاسترالية.

وهذا ما دفع نائب الرئيس الاميركي مايك بانس الى القيام بزيارة لدول المنطقة شملت اليابان واستراليا من ضمنها، كما امرت الادارة الاميركية بتوجيه بوارج وحاملة طائرات الى المنطقة بالاضافة الى غواصة نووية قادرة على اطلاق 200 صاروخ تحمل رؤوساً نووية.

فهل نحن على عتبة حرب جديدة في المنطقة؟