لغز الوعي البشري

بقلم هاني الترك OAM

ان موضوع الوعي البشري Consciousness يثير اهتمامي منذ سنوات طويلة.. وقرأت عنه كثيراً سواء في العلوم او فلسفة العلوم او الطب.. وهو اهم واعقد قضية علمية يواجهها الانسان منذ فجر التاريخ وحتى اللحظة فلا يعرف الانسان ما هو الوعي وكيف نعى العالم سواء بالذات ام بالعالم الخارجي.
ومنذ سنوات خلت عقد في سيدني مؤتمر دولي للعلماء من معظم فروع المعرفة البشرية وخصوصاً العلماء المتخصصين كل في مجال تخصصه وجرت الحوارات العلمية والفلسفية ولم يتوصلوا الى اي نتيجة مرجوة في المؤتمر.. اذ اجمعوا ان الوعي لا يزال سراً مغلقاً على العلم.
وصدر هذا الاسبوع كتابان جديدان يتعلقان بالوعي.. الأول يحمل اسم
Anaesthesia: The Gift of Oblivion and Mystery Of Consciousness:
اي «المخدر: هدية الاغماء ولغز الوعي» وهو يتعرض لقضية الوعي التي حيرت الفلاسفة لعدة قرون ما هو الوعي بالضبط؟ والاطباء الذين يمارسون مهنة التخدير ومن ثم قضية فقدان الوعي لا يهتمون بالسؤال كثيراً اذ يركزون على عملية التخدير تمهيداً لاجراء العمليات الجراحية فحسب وتركوها للفلاسفة.. فإن المخدر يفقد الوعي ولكن غير معروف كيف وما الذي يعمله بالضبط.
وقد امضت مؤلفة الكتاب الصحافية كيت كول آدامز اكثر من عقد من الزمن في الدراسة في اعظم هدية علمية ومحيرة في الطب الحديث وهي المخدر.
وهي تقول انه تجري كل يوم مئات الآلاف من عمليات تخدير المخ بمواد كيمائية لاجراء العمليات الجراحية من خلال فقدان الوعي لم يتخيلها الانسان في الماضي ولم يشهدها الا في حالات فقدان الوعي في الحروب والكوارث.
والسؤال المثير هو كيف يؤدي المخدر الى فقدان الوعي وارجاعه ثانية بعد ازالة المخدر يظل السؤال لغز مغلقاً.. فإن المخدر يُغيّب الوعي بقمعه ويقمع الحواس وكأنه رحلة الى الموت والرجوع ثانية.
ولكن ليس دائماً المخدر يؤدي الى فقدان الوعي ولكن في بعض الحالات النادرة ليس للمخدر اي مفعول ولا يعرف به الطبيب الجراح مما يؤدي الى تعذيب المريض وتظل العذابات في ذاكرة المريض مع حدوث شلل للمريض.
ويقول جراح الاعصاب هنري هاريس انه يبلغ عدد الخلايا العصبية في المخ حوالي مئة مليون خلية وكل خلية فيها جزء يسير من الوعي.. ولكن ما هو عدد الخلايا المطلوبة لإيجاد الوعي غير معروف.
والكتاب الثاني
Admissions: A life of Brain Surgery
اي «اعترافات: الحياة في جراحة المخ» يقول فيه المؤلف هنري مارش انه ليس لديه الاجابة على السؤال المحير عن طبيعة وعمل الوعي ويصوره مثل عدد لا يحصى من انبعاث الموسيقى في اللاوعي وعددها غير معروف ولكن متماسك وهي الوعي. وكلما تقدمت المعرفة بالمخ اي بالذات الحقيقية كلما اصبح المخ كالغريب.. ففي المخ عدة ذرات تتنافس ولكنها ترجع الصدى لانتاج شخص متماسك الذي في استطاعته التفكير والعمل.
ويضيف مارش في كتابه تفاصيل العمليات الجراحية للمخ ويخلص الى نتيجة مفادها لو استعملنا كل ادوات الطب الحديث لمعرفتها سيظل المخ يقاوم كل محاولة معرفتنا.
والخلاصة في الكتابين هي صعوبة معرفة الوعي.. بل انني ارى استحالة معرفة ما هو الوعي.. كان اول ما لفت نظري لقضية الوعي حينما كنت اقرأ للعالم والفيلسوف في القرن التاسع عشر رينيه ديكارت.. الذي بدأ بمقولته الاولى: «انا اشك اذن انا افكر.. وانا افكر اذن انا موجود (فكرياً).. وتوصل الى تقسيم الانسان الى جزأين هما العقل (الوعي) والجسد (المخ جزء منه).. وهو اول عالم فيلسوف يتوصل الى فصل العقل عن الجسد.
وقد اثبتت ابحاث العلم المعاصر صحة مقولته التي فحواها ان الوعي منفصل عن المخ.. وان الوعي لا يموت مع فناء الجسد الذي يعود الى التراب.. والوعي بعد الموت يعود الى عالم الروح والالتحاق بالوعي المطلق الله فهو القوة الدافقة في عمل المخ.. بطريقة لا يمكن ادراكها.. الوعي سر مغلق على العلماء وسيظل مغلقاً.. لأن في معرفته اماطة اللثام عن سر الحياة.. والا تمكن الانسان من خلق انسان آخر (الوعي).. وهي مقصورة على الله (الوعي المطلق) وحده .. ومن هنا فنحن ندخل في المنطقة الحرام التي يحتكرها الدين اي الايمان.