اين اصبح العالم في مواجهة الارهاب

بعد مرور 16 سنة على تفجير برجي التجارة في نيويورك و6 سنوات على انطلاق الحرب في سوريا و7 سنوات على ظهور تنظيم «دولة الاسلام» في العراق ثم سوريا وانتشار الاعمال الارهابية في العالم وارتباطها بموجات اللجوء من الشرق الاوسط وشمال افريقيا. لا بد ان يتساءل المرء في خضم تدافع الاحداث «اين اصبح العالم اليوم وما هي التطورات اللافتة داخل المجتمعات وانعكاساتها على السياسة الأممية»؟
يشهد الشرق الاوسط، وهو الساحة الحاضنة للارهاب والمؤامرات تبدلات ناتجة عن المنحى الذي تتخذه المعارك العسكرية ميدانياً. النزاعات التي انطلقت مع ثورة الربيع العربي تتبلور يوماً بعد يوم لتصبح نزاعاً دولياً بين القوى العظمى ومن يسير في فلكها من دول اقليمية ومحلية.
ويمكن اختصار المشهد السياسي والعسكري انه نزاع بين الصهيونية العالمية والعالم الاسلامي وانه نزاع بين الاسلام والغرب ومحاولة المسلمين اعادة اقامة دولة الخلافة بعد ان توقفت مفاعيلها منذ قرون.
ودخلت المنطقة مرحلة جديدة بعد زيارة الرئيس الاميركي الى السعودية، اذ حاول انشاء «ناتو عربي» سني لمواجهة المدّ الايراني الشيعي في المنطقة.
فالازمة المفتعلة مع قطر يمكن اعتبارها نزاعاً بالوكالة مع ايران. اللافت في هذه الازمة هو انقسام الدول الاسلامية فيما بينها بعد ان قررت حكومة اردوغان ارسال 20 الف جندي لدعم قطر كما فعلت باكستان، بالاضافة الى المساعدات الغذائية والطبية من ايران.
وفيما تسلح الولايات المتحدة السعودية ودول اخرى مؤازرة للنهج السعودي، تقوم تركيا وايران وروسيا بدعم الدول المواجهة في الطرف الآخر.
وباعتقادي ان التاريخ يعيد نفسه مرة اخرى، وان اختلفت العناصر والادوار. وكما جرى سابقاً احياء القومية العربية لمواجهة القومية التركية، يجري الآن انعاش القومية العربية السِنة في مواجهة القومية الشيعية الفارسية.
ولا يستبعد ان تُساهم هذه الطروحات في اعادة ترسيم المنطقة، كما ادت الاولى الى اقامة معاهدة سايكس بيكو.

< ولبنان، البلد الغارق في النزاعات المحلية والخلافات الجوهرية على شكل وهوية النظام ومصير الدولة، لبنان الذي يعاني من البطالة وارتفاع عدد اللاجئين، وعدم قدرته على ايجاد مخرج لقانون الانتخابات يعيد الوطن الى اللعبة الديمقراطية بعد سلسلة من التعطيلات والتجديد الذاتي لمجلس النواب وتشريع الفساد والسلاح، يعاني الآن من ضغوطات اضافية تطالبه بالسير مع الدول العربية والانسجام مع توجهاتها، وقطع علاقاته مع ايران. بشكل آخر، يطلب من الحكومة اللبنانية تحديد انتمائها الى الوطن العربي وقطع علاقاته مع ايران. هذه الوضعية الجديدة قد تعيد حالة النزاع الداخلي الى نقطة الصفر، لأن حزب الله قد رسم منذ الثمانينات توجهاته السياسية والتزامه بولاية الفقيه وايران التي توفر المساعدات المالية والعسكرية والدعم السياسي والتوجيه لحزب الله بحجة تحرير الارض والقدس ومواجهة حالة الخضوع للهيمنة الاسرائيلية على المنطقة بعد ان سارت الدول العربية شوطاً متقدماً في عملية التنسيق والتفاهم وتطبيع العلاقات مع اسرائيل.
كذلك تتخوف المراجع اللبنانية من انفجار الاوضاع في منطقة الخليج، ويُرغم آلاف اللبنانيين العاملين هناك على العودة الى لبنان الذي يعاني اصلاً من ازمة اقتصادية متنامية تزيد من مشاعر القلق والاضطرابات الحادة على الصعيد الشعبي وتنعكس في موجة الجرائم التي تطال الناس الابرياء وممتلكاتهم وراحة بالهم، بالاضافة الى حالة التلوث البيئي نتيجة لتراكم الاوساخ ورميها على الشواطئ وفي الأنهر، ما يتسبب بأزمات صحية وتشويه صورة لبنان في العالم وزيادة عزلته وتهشيمه اقتصادياً. فالارهاب والسلاح يعطلان قيام الدولة فيه.

< مصر:

الرئيس السيسي الذي يواجه عدداً من التحديات الداخلية وفي طليعتها الارهاب ومحاولة داعش اقتطاع رقعة ارض تكون منطلقاً لاقامة دولة الخلافة في بلاد النيل، لم يتمكن حتى الآن من توفير الحماية للمواطنين، وخاصة للاقباط في مصر. فهم يتعرضون باستمرار لاعمال ارهابية توفر لها المناهج الاسلامية الاصولية مناخاً عقائدياً يجعل مهمة السيسي اكثر تعقيداً.
لكن الرئيس المصري يأمل مع قيام «حلف الناتو العربي» الاستفادة من قدرات بلاده العسكرية لدعم الوضع الاقتصادي المهترئ من جهة، ولنقل هموم المواطنين الى مكان آخر حيث تتخذ طابعاً قومياً ونزاعاً مذهبياً. وقد يسمح له المناخ الجديد استخدام القوة العسكرية لمعالجة الخلل الداخلي والانقضاض على انصار داعش ومساعي اقامة دولة خلافة لهم.
واولى نتائج الازمة مع قطر هو تصوير الاخوان المسلمين (وهم الهاجس الاول للسيسي انهم تنظيم ارهابي تدعمه قطر لافتعال المشاكل في مصر ودول اخرى واصبح السيسي يمتلك الآن حجة كبرى مدعومة من دول الحلف السني لاحكام سيطرته على الاوضاع في مصر وتنظيم محاربة الاخوان المسلمين «عالمكشوف». فكل ما يلزمه هو موقف واضح من مشايخ وعلماء الازهر. وقد ظهرت مؤشرات اولى من خلال دعم الازهر لمقررات القمة الاميركية العربية.

< اوروبا والانقلاب في المواقف

يكاد لا يمر يوم في الدول الاوروبية دون تسجيل حوادث ارهابية او اعتداءات على الافراد والممتلكات من قبل مجموعات اسلامية متطرفة تؤمن انه يمكن الاستفادة من النظام الديمقراطي التعددي وحرية الرأي والتصرف للانقلاب على الديمقراطية والمطالبة بتطبيق الشرع.
ورغم الموقف المتساهل مع اللاجئين وتعتيم وسائل الاعلام الاوروبية على تجاوزاتهم، بدأت الحكومات الاوروبية تشهد تعديلات في المواقف. وفيما تتساهل انجيلا ميركل وتبشر بنهاية المانيا كما تعرفها، لا يزال البعض متمسك بالطروحات الرافضة لمشاريع اسلمة اوروبا. فهددت بولاندا برفض القرار والتوصيات الصادرة عن المجلس الاوروبي والقاضي بفتح الحدود امام اللاجئين المسلمين. فخرجت مظاهرات احتجاج عارمة للاعلان عن رفض قبول المسلمين، وهذا موقف رسمي وشعبي في آن واحد.
فبولونيا التزمت رسمياً بمخالفة الاتحاد الاوروبي وقبول الاهانة لعدم التخلي عن المسيح. واعلنت رئيسة الوزراء انه في سنة 1944 فرض علينا قبول الشيوعية، وفي سنة 2015 طلب الينا ويجرى اقناعنا لقبول الاسلام الاصولي.. اننا نعلن على الملأ اننا لن نقبل الاسلام ابداً لأننا لا نريد العنف في بلادنا.
اما تشيكيا فقد دعت الحكومة مواطنيها الى حمل السلاح والدفاع عن البلاد في وجه «الغزاة الجدد».
وفي بريطانيا اعلنت تيريزا ماي للمرة الاولى انها ستمزق قوانين التمييز العنصري وتعمل على حماية البلاد والمواطنين. وتكون بذلك تقارب موقف رئيس الوزراء الاسترالي طوني آبوت الذي يطالب بإلغاء مفوضية حقوق الانسان والتمييز العنصري التي يقتصر نشاطها على حماية المتطرفين الاسلاميين، على حد قوله.
ان الاحداث الارهابية المتكررة في لندن تتسبّب بالمزيد من الشرخ الاجتماعي. فبدأت تظهر مجموعات قومية تدعو البريطانيين لحماية بلادهم في وجه «تآمر الاقلية الحاكمة» ومساعي رئيس بلدية لندن صديق خان لاضفاء صفة الشرعية على الاعمال الارهابية التي تضرب لندن واصفاً اياها كمحصلة طبيعية للعيش في مدينة كبرى معاصرة.
غير ان تيريزا ماي اعلنت صراحة ان احداث الاخيرة هي مرتبطة ببعضها البعض بواسطة عقيدة متطرفة تدعو الى الكراهية والفرز الاجتماعي والتمييز الطائفي. واعتبرت ماي ان القيم البريطانية هي ارفع بكثير مما تبشر به هذه المجموعة الاصولية وتعمل على تحقيقه، كما هي افضل بكثير من المثل التي يروج لها بعض الدعاة الاصوليين ونشرهم للكراهية بين الناس.
فالمخاطر التي يواجهها المجتمع الاوروبي والتهديدات اليومية والاساءات المتكررة، كرست واقعاً جديداً على المستوى الشعبي. فبدأ عامة الاوروبيون يتحدثون عن ظاهرة اسلامية ترفض التكيّف داخل المجتمع الاوروبي، لا بل تسعى الى استبداله . ويستند هؤلاء الى تجارب يومية وتسجيلات على اليوتيوب ووسائل التواصل الاجتماعي.
وبدأ سياسيون بالتخلي عن عبارات جرى استخدامها خلال السنوات الاخيرة، مثل منح فرصة للتكيف في بيئة متعددة الثقافات، كما يجري التخلي عن شعارات ما هو «صحيح سياسياً وقد لا يكون صالحاً اجتماعياً او قومياً ووطنياً، ورفض «الاسلاموفوبيا» لأن الواقع هو عكس ذلك…
كما بدأت مؤخراً انجيلا ميركل بوصف المجتمع الالماني انه مسيحي بثقافته وقوانينه.

< الحالة الاسترالية

استراليا التي تتأثر ادبياً وسياسياً بما يجري في اوروبا عامة وبريطانيا بنوع خاص تشهد المزيد من الانقسام السياسي. وظهر على الساحة الاسترالية وبشكل نافر مجموعة من السياسيين الذين يبنون مواقفهم من الارهاب على انه ظاهرة متطرفة لدى المسملين. وقرر هؤلاء قول الحقيقة، مهما كان الثمن. وتضم هذه المجموعة، زعيمة حزب «امة واحدة» بولين هانسون، ورئيس الوزراء السابق طوني آبوت والسيناتور برناردي والسيناتورة جاكي لامبي ومجموعة من السياسيين المتعاطفين معهم.
وكانت الحكومة الاسترالية منذ عهد آبوت قد عدلت بعض القوانين الخاصة بمكافحة الارهاب ومن ضمنها التشديد على حماية الحدود ومنع القوارب. كما منحت صلاحيات اضافية للشرطة والاجهزة المخابراتية للتجسس علىالمواطنين عبر الانترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي والهواتف، وارغمت الشركات الالكترونية على الاحتفاظ بكل المحادثات الالكترونية على انواعها ووضعها بحوزة المخابرات والاجهزة الامنية عند الطلب اليها.
واصبح جلياً ان الحكومة لن تسمح ببقاء مَن يرفضون التكيف مع المجتمع الاسترالي داخل استراليا.
وتخطط حكومة تيرنبل لتقديم مشروع قانون جديد يقضي باقامة المهاجرين واللاجئين مدة 4 سنوات في استراليا قبل التقدم للحصول على الجنسية الاسترالي. كما فرضت الحكومة شروطاً اضافية مشددة تتمحور حول اتقان اللغة الانكليزية واختبار للقيم الاخلاقية واثبات تصميم الطالب بقبوله الاندماج داخل المجتمع. ويقوم وزير الهجرة بيتر داتون باعداد مسودة الشروط والتعاون مع الحكومة لطرح القوانين الجديدة.
وعلى اثر حادثة شارع برايتون الارهابية في ملبورن والتي ادت الى مقتل شخصين وجرح 3 عناصر من الشرطة بدأ رئيس الوزراء تيرنبل وللمرة الاولى باستخدام عبارة «اسلاميين» عند حديثه عن الارهاب. كما عقد اجتماعاً مع رؤساء حكومة الولايات والاقاليم لتوحيد المواقف من ظاهرة الارهاب والتعاون بين الولايات لتوحيد القوانين الخاصة بالارهاب.
وعلى الأثر عمدت حكومة فيكتوريا وللمرة الاولى الى اقامة سواتر اسمنتية في المناطق العامة خوفاً من تكرار حوادث ارهابية بواسطة السيارات او الشاحنات.

< ملاحظات عامة:

الانطباع العام السائد في استراليا والعالم هو العودة مجدداً للحديث عن صراع الأديان. وفيما يروّج المتفائلون لنظرية امكانية التعايش بين الديانات بدأت اصوات اخرى تروج لاستحالة اندماج المسلمين في العالم الغربي اذ انهم يعتقدون انهم «خير امة». في حين هم لا يمتلكون سوى العقيدة الدينية في عالم متطور للغاية. ويطالب هؤلاء بضرورة اصلاح الاسلام من الداخل والتخلي عن مصطلحات التكفير والجهاد واباحة الاعتداءات على غير المسلمين.
وبدأت اصوات مفكرين مسلمين ترفع بشكل لافت للمطالبة بالاصلاح.
ويرى البعض ان سياسة التعددية الثقافية هي الآن في خطر، وقد ترغم حكومات اوروبية الى الغائها والعودة الىاعتماد مصطلحات قومية لمواجهة المدّ الاصولي. وللمرة الاولى يطرح رئيس الوزراء مالكولم تيرنبل تعبيري «المواطنة الاسترالية والقومية الاسترالية…»
وهذا يطرح تساؤلات اخرى حول الحالة الامنية في العالم بعد ان دفع بعض المسلمين العالم الغربي لاعتماد خيارات وسياسات متطرفة.
فمن سيحقق الانتصار الاخير؟
التطرف ام الاعتدال؟ مَن يعش يرَ.