عودة النواب الى البرلمان حرب بين القوميين والأمميين واستراليا ليست محصنة

   بقلم/ بيار سمعان

عاد اول امس السياسيون الاستراليون الى كانبيرا.
قد يميل الانسان للقول: ومن يهتم لهذه العودة«؟ غير ان المخاطر هي اكثر واخطر من اللامبالاة.
نبدأ عامنا السياسي والعالم يواجه تهديدات كثيرة، اهمها: النزاع حول الهوية السياسية التي تقسم المجتمعات، تآكل قوانين حقوق الانسان وغياب عدم المساواة، وصعود موجة الشعبوية التي تهز النظام العالمي.
الناس يخرجون عن المفاهيم السياسية السائدة لدرجة ان مستقبل الأمم اصبح غير مؤكد، على اصعدة كثيرة.
هذه هي اجواء الازمة التي تواجه الديمقراطية في الدول الغربية، واستراليا من ضمنها. واصبحنا لا ندرك ما ستكون عليه موجات الفشل المتكررة ونحن نجهل حجم المخاطر التي قد نواجهها في المستقبل القريب، على حد قول المحلل السياسي، ديفيد رانسيمان.
واصبح واضحاً ان عدم الرضى الشعبي يتصاعد يوماً بعد يوم، خاصة حيال الاحزاب الكبرى.

< رفض الاحزاب الكبرى

خلال الانتخابات الفيدرالية لسنة 2016، صوّت ما يقارب ثلث الناخبين في استراليا ضد حزبي العمال وتحالف الاحرار والحزب الوطني. واظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة ان هذا الوضع لم يتبدل.
لكن يجب عدم اعتبار هذا الواقع انه مؤشر لا مبالاة حيال التطورات السياسية فالمجتمع الاسترالي هو ناشط سياسياً ويصوّت بعقلانية ويحاسب دون هوادة.
ولا شك ان قانون الانتخابات الالزامي هو عامل محبّذ يضمن سهولة التعبير عن مستويات عدم الرضى من سياسة الاحزاب الكبرى. وان الناخب الاسترالي يدرك عن حق اهمية تجيير صوته او معاقبة المسؤولين في الوقت المناسب.
واصبح جلياً وجود تقلّب صريح في ميول الناخبين على المستوى الفيدرالي كما على مستوى الانتخابات في الولايات الاسترالية.
فجرى تأييد المستقلين والاحزاب الصغيرة على حساب الاحزاب الكبرى.

< هل مات عصر الديمقراطية؟

لا تزال الديمقراطية في استراليا قوية. مؤشر الديمقراطية العالمية التابع لمؤسسة الاستخبارات الاقتصادية وضع استراليا ضمن الدول العشر الاولى حيث تحترم الممارسات الديمقراطية منذ عقود.
غير ان العالم السياسي يؤكد في كتابه: «من يحكم العالم» ان الديمقراطية هي في طريقها الى الزوال في البلدان الغربية : ويبرر مقولته هذه ان الاحزاب السياسية اصبحت بعيدة ومنفصلة عن المجتمعات التي تمثلها. فالمشهد السياسي اصبح غير منسجم مع تطلعات الشعوب. واتسعت الهوة بين رجال السياسة والمجتمعات لدرجة ان هذه الاحزاب اصبحت تواجه ازمات حادة ترتبط بالشرعية ومدى الفعالية لديها وثقة المواطنين بها. وتفاقمت الاوضاع، خاصة بعد انتهاء حقبة الحرب الباردة.

< عودة القبضة الحديدية

فماذا حدث منذ زوال الشيوعية كنظام وتفكّك الاتحاد السوفياتي؟
حدثان لافتان: الاول هو الازمة المالية العالمية والثاني: تزايد قوة الصين وتحولها الى دولة عظمى.
على الصعيد الشخصي، ادى الانهيار الاقتصادي الى خسارة الوظائف والممتلكات واقفال المؤسسات الانتاجية. اما علىالمستوى السياسي، فقد ساهمت الأزمة المالية العالمية بزعزعة اسس الدول الديمقراطية في اكثر من بلد، وكشفت ان هذه الأسس هي ضعيفة وهزيلة في الانظمة الغربية، مما انعكس على الثقة بالنفس، وهي من اهم اسس الانتعاش الاقتصادي وازدهار الدول.
وفيما كانت الدول الديمقراطية الغربية تجهد لتخطي تبعات الازمة المالية، كانت الصين تتابع نموها الاقتصادي لدرجة انه اصبح بمقدور النظام الشيوعي الحاكم في الصين الادعاء انه يمتلك نظاماً افضل من الانظمة الديمقراطية الغربية، رغم ادعاء البعض ان ديون الصين تشكل بداية انهيارها.
بعض الدول اتخذ منعطفاً استبدادياً ومال الى دعم الحكم الديني، مما ادى الى اضعاف الديمقراطية لديها، وهذا ما حدث في تركيا اردوغان بعد ان صدع المعارضين واضطهد الاعلاميين وسجن الالاف منهم بحجة الانقلاب الفاشل ضده.
كذلك لم يتردد الزعيم الروسي فلاديمير بوتين من حصر معظم الصلاحيات بيده، فاستبعد اخصامه او طردهم او القى بهم في السجون. اما الرئيس الهنغاري فيكتور اوربان فتحوّل من داعية ومروّج للديمقراطية الى سياسي ديماغوجي.
دراسات سياسية عديدة ومحللون سياسيون يؤكدون تلاشي الديمقراطية تدريجياً وعودة القبضة الحديدية وان الديمقراطية اصبحت مهددة في عقر دارها منذ 25 سنة وانها تواجه تحديات كثيرة، كان آخرها موجة اللاجئين الشرق اوسطيين والافارقة الذين بدأوا بضرب الممارسات الديمقراطية باسم التعددية الثقافية والفروقات الدينية في معظم الدول الاوروبية.
فغياب الحقوق المدنية والتعديات على القوانين تدفعان للاعتقاد ان الديمقراطية في الغرب تواجه تحديات كثيرة.

< ترامب والخروج من الاتحاد الاوروبي

وشهدت السنة الاخيرة حدثان هامان هزا العالم السياسي بأسره: خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي والانتخاب المفاجئ للرئيس الاميركي دونالد ترامب. ويعتقد مراقبون سياسيون ان هذين الحدثين يشكلان تحولاً وانقساماً في القيم السياسية.
وتبين من خلال المناقشات حول خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي وجود اكثر من عيب في مشروع هذا الاتحاد وان اعتماد العولمة وفتح الحدود بين الدول الاوروبية اديا الى اضعاف السيادة الوطنية واضعاف الروح القومية لدى الاوروبيين. فالمشروع الاوروبي الواسع تجاوز الأمة ويكاد يقضي على الأوطان.
دول تفقد السيطرة على حدودها وبالتالي تواجه ازمات اقتصادية جديدة. وردود الفعل والانعكاسات السلبية لا بد انها ستظهر مستقبلاً. فالاوروبيون يعيشون اليوم حالة من الشلل الداخلي. فهم غير قادرين على التعامل مع المستجدات المستحدثة وتدفق امواج اللاجئين، كما انهم بدأوا يشعرون ان الاتحاد الاوروبي يواجه مستقبلاً غامضاً قد يدفعه الى التفتت، هذا ما يرى البعض انه لا بد حاصل ويصعب منع حدوثه.

– استراليون يفقدون ثقتهم بالمؤسسات
ما مدى صلابة الوضع الاسترالي حيال التحديات الخاجية واتساع الهوة بين المجتمع والاحزاب التي تدعي تمثيله؟
لا يختلف اثنان ان التبدلات الجذرية في دول الجوار تؤثر، لا محال، على الأوضاع الداخلية .
فتعاظم قوة الصين اقتصادياً وعسكرياً، وارتفاع حدة النزاع مع كوريا الشمالية وتهديداتها باطلاق صواريخ بالستية. اضف الى ذلك حالة عدم الرضى من سوء آداء الاحزاب الكبرى وفقدان الثقة بمبادئها وقياداتها السياسية تشكّل جميعها تحديات مستقبلية.
لكن بالمقارنة مع دول اخرى، لا تزال استراليا تنعم بالأمان والاستقرار. ويساهم النظام الانتخابي بالحفاظ على الممارسات الديمقراطية رغم تقصير الاحزاب الكبرى وعدم تناغمها مع القاعدة الشعبية.
ووفقاً لصندوق النقد الدولي، تعتبر استراليا ضمن الدول التي تتميّز بالنمو في عدم المساواة في الدخل الفردي. وبدأت الهوّة تتسع داخل الطبقات الاجتماعية وتكاد الطبقة الوسطى تختفي بالكامل.
اما الخطر الأكبر الذي يواجه العالم اليوم هو قرار الولايات المتحدة الاميركية الانسحاب من منظمة الأمم المتحدة، بعد ان انفصلت عن مؤسسة اليونسكو.
يبقى السؤال الأساسي : هل سيؤدي قرار اميركا الى انهاء وتعطيل دور الأمم المتحدة ، ام انه سيجرى الاطاحة بالرئيس ترامب.
فان جرى ابطال دور الأمم المتحدة فما هي المؤسسة البديلة التي ستحل مكانها؟
وهل اقترب العالم من اعلان قيام حكومة عالمية بعد ان بدأ القضاء على الأنظمة الديمقراطية؟ أم اننا نواجه الآن مرحلة فرض نظام عالمي جديد قائم على الالحاد والجنس وانكار وجود الله؟