وجهُ دمشق

كانَتْ مجرد عابرة في الحياة وفي محطة تنتظر وصول القطار، مرَّت أمام رجل تنبعث من معطفه رائحة نفتلين واخزة. استدار الرجل ونظر إليها لبرهة، ثم تجاوزت عيناه كتفها إلى شيءٍ ما وراءها، فلمحت عيناه تبرقان رعباً. وكمن يهرب ليدفع عن نفسه الخطر ارتدَّ خطوة إلى الوراء ناسياً أنه واقف على حافة رصيف. خطوةٌ واحدة جعلته يتعثر ويسقط فوق القضبان والأسلاك المكهربة.
صرخَتْ وعلى إثر صراخها تجمع الناس ونقلوه إلى الرصيف. من بين الزحام ادَّعى رجل أنه طبيب جاء يسعفه. قام بفحصه و أخبرهم بموت الرجل ثم ابتعد. أصابها الغثيان من رؤية ما حدث فهرولت باتجاه المصعد والطبيب يسبقها بخطوتين. ركض الطبيب ليركب المصعد حين فُتِحَ بابه، فسقطت ورقة من جيبه. التقطتها وركضت لتعيدها للطبيب لكن المصعد انغلق. بضعةُ أرقام وكلمتان هذا ما كان مدوناً فوق الورقة. لم تفهم من تلك الرموز شيئاً، لكنها أدركت أنها من جيب الرجل الذي صعقته الكهرباء، وكان دليلها رائحة الورقة التي تعبق بالنفتلين. لم يكن في بالها أنها ستصبح يوماً ما مشهورة أو صحفية أو محققة. قادها القدر والفضول إلى تتبع خيوط جريمة، و إلى تتبع رائحة نفتلين، لتجد نفسها في موعد مدبر للتعارف، فإذا به موعد مع الموت.
كلمة الموت كانت تنقر رأسي كلما تذكَّرت الدخان الأسود و هدير الطائرات،كلما تذكرت الحواجز العسكرية والبندقيات. كانت كلمة الموت تظهر لي على هيئة إشارات استفهام وعلامات تعجب في عيون الناس كلما قلت لأحدهم أني مسافرة إلى دمشق.كانت النظرات تمنحني إحساساً بأن موعدي سيكون مع الموت لا مع مدينة.
تجاهلْتُ رواية «موعد مع الموت» رواية أجاثا كريستي البوليسية، وتجاهلت عنوانها. تجاهلت الذاكرة وإشارات التعجب والاستفهام، وحزمت حقائبي وغادرت. ساعات طويلة من الطيران و الانتظار . وفي ظهيرة اليوم التالي بدأت الطائرة بالهبوط قليلاً قليلاً. أخذَتْ تتابع انحدارها وهبوطها تقودها الجاذبية باتجاه الجمال، باتجاه بيروت.
هتف الركاب أَنْ قد وصلنا وأخذوا يهنئون بعضهم بالسلامة. باتجاه صيدا كان الرجل الذي يجلس بجانبي يريد أن يذهب ليفاجئ أحد أقاربه في حفل زفافه مساء. الآخر الذي كان جالساً أمامنا وقف ينتظر أن تفتح الطائرة أبوابها وهو يضع يده على رأسه و يخبرنا أنه مصاب بالشقيقة. صوت رجلان آخران يتعارفان، فإذا بهما يكتشفان أنهما أقرباء قرابة بعيدة. دقائق ما قبل النزول من الطائرة يتعارف الجميع، ولا تستطيع إلا أن تشاركهم فرحتهم بالوصول وتتشارك معهم و مع كل عربي ومع بيروت بالقرابة. لم تكن بيروت وجهتي الأخيرة لكنها دوماً وجهة جميلة تود لو أن بإمكانك عناقها من السماء.
تفتح الطائرة أبوابها فتغادرها مكملاً طريقك. تحاول تجاهل وطأة الانتظار ريثما يطبع لك الموظف إذن الدخول إلى لبنان، ثم تدحرج حقيبتك وتمضي. عشرات المنتظرين لأقاربهم وأصدقائهم. الوجوه جميعها كانت تبتسم لي وترحب بي وكأنها تعرفني.
اللهفة للقاء وجه تعرفه، للقاء وجه تحبه، للقاء وجه تنتظره مثلما ينتظرك تجعلك تتخيل اسمك مكتوباً فوق كل اللافتات المرفوعة التي تنتظر أصحابها، ولمحت الوجه الذي أحفظه عن ظهر حب وجه أخي الذي يصغرني بعامين ويكبرني بمئة قلب.
داخل السيارة، وفي الطريق إلى دمشق عربشت أغنية من الطفولة إلى رأسي. أغنية لريمي بندلي الطفلة التي يختصر صوتها حكاية طفولتنا « عالضيعة الحلوة لاقوني. اشتقنا لغصون الزيتون ع ترابها الغالي حنيت مشتاقة لكل بيت» أغنية بحثت عنها مطولاً ولم أجدها ضاعت مني الأغنية وضاعت الطفولة، ولم يبق سوى الشوق الذي أحفظه في مقطع الأغنية الأول.
طويلاً كان الطريق إلى دمشق إلى منزل أهلي هناك. درجٌ طويلٌ كان يُوصل إلى بيتنا القديم، وأدراجٌ كثيرة تُوصل إلى منزلنا الجديد الذي يُطِلُّ على دمشق، فهل كان قدري دوماً أن أعتليَ أدراجاً كثيرة كي أصل إلى الأمان!؟
مجرد قصاصة ورقية قادت بطلة رواية أجاثا إلى أماكن لا تخطر على بال وجعلتها تلتقي أناسا غرباء وتركب عباب البحار. فأي ورقة جعلتني على موعد مع دمشق وهي في زحمة وجعها؟ لم يكن ما لدي قصاصة ورق بمقدار ما كانت بطاقة شخصية وبطاقة انتماء تفوح منها رائحة الياسمين لا النفتلين. لكنني لم أكن بجرأة البطلة التي ناضلت حتى ألقت القبض على المجرم وأمسكت بكلتا يديها الحقيقة، وإلا لكان عليَّ أن أقتل الخوف والحرب والألم بكلتا يدي.
واجتزتُ الحدود. كنت أريد أن أملأ عينيَّ بدمشق أن أملأ رئتيَّ برائحتها. كنت مع دمشق كما مع أخي وأبي وأمي وجدتي وخالتي أريد أن أضمها كثيراً كثيراً، لكنني كنت أريد أن أرى وجهها أولاً، أن أراقب ما تغير في غيابي قبل أن أغرق في أحضانها.
كنت مشتاقة إلى دمشق وترابها وإلى كل بيت أعرفه من بيوتها وإلى ريفها وسنابل غوطتها، لكن الشمس الساطعة صفعتني بأشعتها وحجبت عني المزيد من دمشق، وجعلتني أنتظر يوماً تركض فيه الحرب مبتعدة كي تتساقط من جيوبها السعادة والأحلام والشمس الجميلة.
أربعة عشر يوماً في دمشق، أربعة عشر يوماً كانوا كالحلم. سافرت باحثة عن وجه دمشق الجميل الذي نقرأه في القصائد وفي الخواطر. كنت أبحث عن وجهها في قلوب الناس, وفي تكبيرات المساجد، في بركة الله ورحمته، في نكهة الفواكه والحلويات اللذيذة وفي كل رشفة ماء. كنت أبحث عن وجه دمشق الجميل فرأيته أجمل ما يكون في عيون ساكنيها وعشاقها.