هؤلاء هم الذين اسسوا استراليا

بقلم هاني الترك OAM

بينما كان المؤلف روبرت هولدن غارقاً في اجراء البحوث في التاريخ في مكتبة نيو ساوث ويلز سمع صوت رجل كبير السن يستصرخ من آلام حادة في الصدر.. وقد تبين ان نوبة قلبية ألمّت بالرجل بعد ان وجد في الابحاث ان واحداً من اسلافه السجناء قد حكم عليه بالنفي الى استراليا.. والسبب انه امسك به وهو يمارس العملية الجنسية مع حيوان.. وتم ترحيل ذلك السجين الى استراليا في القرن الثامن عشر من بريطانيا.. وبالطبع لم يرحّل الحيوان.
هكذا اصبح هولدن مبهوراً في البحث في تاريخ استراليا الاول وليس وقت استيطانها فحسب.. اي قبل عام 1788 في بريطانيا ايضاً.. فذهب الرجل الباحث الى لندن واخذ يتفحّص المستندات التي يعود تاريخها الى ما قبل استيطان البريطانيين للقارة.. الذين جاؤوا مع قوافل الاسطول الاول.. واصبحوا الآباء الأوائل المؤسسين لاستراليا.
ولفت نظر الرجل قصة الطفل جون هيدسون السجين الصغير الذي حكمت عليه المحكمة في لندن بالنفي الى خارج بريطانيا لارتكابه جنحة السرقة لمنزل.. فقد حصل هولدن على المستندات الاصلية لمحاكمة هيدسون في بريطانيا.. ووجد نفسه يتعاطف مع الاطفال ابطال قصة الاستيطان وما قبلها الى درجة كبيرة.. وكانت وظيفة هيدسون الطفل في ذلك الوقت هي مسح المداخن.. وهي المهنة الشاقة التي كانت شائعة بين الاطفال في بريطانيا في القرن الثامن عشر.. وحينما وقف هيدسون امام القاضي لم يمثله اي محام.. وكان عمره آنذاك تسع سنوات.. وحكم عليه بالنفي الى احدى المستعمرات البريطانية لمدة سبع سنوات.. لأن السجون البريطانية كانت في ذلك الوقت مرتعاً للجرائم ومكتظة بالسجناء.. وكان ذلك عام 1784 .. اي قبل استيطان استراليا بأربع سنوات.
نُقل هيدسون على متن باخرة اتجهت الى اميركا.. ولكن اميركا في ذلك الزمن حصلت على استقلالها من بريطانيا ولم تتمكن السفن البريطانية المحملة بالمساجين البريطانيين من انزالهم في اميركا.. وخاف قبطان السفينة التي على متنها هيدسون من الهلاك فحوّل اتجاهها.. وتمرّد السجناء على طاقم السفينة وهددوا بقطع آذان القبطان.. ولكن تم بعد ذلك القبض عليهم وهيدسون من بينهم.. واعيد ترحيلهم الى استراليا مع الاسطول الاول عام 1788.
وهناك شخص آخر اثار اهتمام هولدن هو الطفل السجين هنري كيبل.. كانت ام هنري واسمها سوزان هولمز سجينة مع ابيه كين.. وفي السجن تعرفا على بعضهما البعض فوقع الحب بينهما وانجبا طفلاً هو هنري.. ورأت ادارة السجن في ذلك الوقت ترحيل هنري وامه سوزان الى استراليا.. بعد ان اصبحت القارة هي التي يُرسل اليها سجناء بريطانيا بدلاً من اميركا.. الا ان الحكم لم يتضمن كيبل.. ولكن سوزان التمست الرحمة من لورد سيدني وزير الداخلية المسؤول ووافق لورد سدني على نفي كيبل مع سوزان هولمز وابنهما هنري وذلك عام 1787.
كان على متن الاسطول 50 طفلاً بريطانياً محكوم على بعضهم بالنفي لارتكابهم جنحاً صغيرة.. وبعضهم كانوا اولاد السجناء المنفيين.. والبعض الآخر كانوا اولاد جنود البحارة الذين قادوا الاسطول.. وفي تاريخ 26/1/1788 وصل الاسطول الاول المؤلف من 11 سفينة الى شواطئ بوتاني باي.. والتقى طاقم الاسطول وقائده كابتن آرتر فيليب مع الابوروجينيين لأول مرة.. وقد ظن الابوروجينيون ان القادمين هم ارواح من العالم الآخر الروحاني لأن بشرتهم كانت بيضاء.. ولم يكونوا يعرفون ان هناك اناساً لون بشرتهم بيضاء.. وذلك لمعتقداتهم الدينية انه في زمن الحلم كانوا الأساس في تأسيس العالم وقدومهم الى هذه الارض.
وكان ماندي اول من تقدم الى الابوروجينيين وخلع بنطلونه حتى يكشف للأبوروجينيين عن لون بشرته.. وتحسسه زعيم الابوروجينيين ووضع يده على رأسه وقبعته ليتأكد من انه من جنس البشر وليس روحاً من العالم الآخر.. وكان عدد الابوروجينيين في ذلك وقت حوالي مليوني نسمة.
والاطفال الذين حملهم الاسطول الاول هم الجيل المسروق منه براءة الاطفال.. او يتامى ضمير الأمة الاسترالية المنسيين الذين على اكتافهم اسس المجتمع الاسترالي مع المستوطنين الاوائل.