ثريا الكلام

وديع شامخ –
رئيس تحرير مجلة “النجوم”

لقد خُلق الرأس للكائنات لغايات سامية ، بشَعر وبدونه ، فالرأس جمجمة الانسان وهي موطن المخ ومصدر الأنوار العليا ، ورأس الجسد وسيده ، فلماذا نفكر في حجابه ؟؟
اسئلة مريرة مضت على احتواء الرأس ماديا ومعنويا .المقاصل طوحت به ، ما معنى ان يكون لنا رأسا اذا كان الجسد كافٍ لاداء المهمة ؟
الرأس مادة الحياة عند الكائنات كلها ، فلا فرق بين انسان وحيوان وطير في البر والبحر والسماء ، كل مخلوق له رأس ، ولكل عضو في الجسد وظيفة واجلها الرأس كرقيب وعليم .
وعندما يكمل الرأس رسالته واعلاناته، سوف نتآخى جميعا للبحث عن غطاء له سواء اكان دينيا ام مدنيا ام عسكرياً، رسميا وشعبياً معا.

السدارة الفيصلية نموذجا ؟؟

لو تابعنا مسيرة احد اهم اغطية الرأس في تاريخ العراق لوجدنا «الفينة» هي الغطاء الرسمي والشائع للشعب العراقي وخصوصا في المدن, ويعتمرها الجميع سواءً كانوا من الافندية او من رجال الدين الذين يلفون حولها قماشاً ابيض او اخضر لتكوين العمامة ( هذا النوع يعرف بالكشيدة ومازالت مستعملة ليومنا هذاعند بعض رجال الدين في عدد من العتبات المقدسة), وكانت الفينة تُعدُّ الزي الرسمي لموظفي الدولة العثمانية في ولايات العراق الثلاث (بغـداد, البصرة والموصل. ويعتمر اهل الريف الكوفية والعقال وكذا اهل البادية .).
والفينة هو الاسم الذي يطلق في العراق على الطربوش الاحمر» ثم كانت السدارة الفيصلية ، تلك التي جاء بها الملك فيصل الأول الذي كان يحلم ببناء دولة عصرية في العراق, وادخال عدد من التقاليد والنظم السياسية والاجتماعية الحديثة للعراق الخارج تواً من ظلمة الحكم العثماني الذي استمر مايقارب الاربعة قرون, ومن جملة هذه التغيرات اراد هذا الملك الطموح ايجاد لباس وطني للراس بدلاً من الفينة ليكون كزي رسمي لموظفي للدولة العراقية ، علما انه جاء من الحجاز مرتدياً الكوفية والعقال ، ولكنه ارد توحيد اغطية الراس العراقية التي تناينت واختلفت تبعا للمناطق الجغرافية شمالا وجنوبا وتقسيماتها المدنية والريفية والقبلية والدينية ، لقد اراد الملك ان يجعل لرأس العراق سيمياء واحدة تماشيا مع مشروعه في وحدة الشعب العراقي ولاءً وهدفاً .
وللسدارة حجوم مختلفة، صغير و متوسط و كبير، كما ان هناك عدة الوان ترتبط بالدرجة الشرفية و الرسمية لمعتمرها، الأسود للافندي و النيلي للبيك و البيجي للباشا، ولكن الاسود هو الشائع شعبيا. وهنك أغطية رأس خاصة لأصحاب المهن مثل -جراوية ? اسطوات البناء والحدادة.
«بعد انقلاب بكر صدقي في 29 تشرين الثاني 1936, ظهرت محاولات لالغاء السدارة من قبل القائمين على الانقلاب, اصدرت حكومة الانقلاب التي تراسها حكمت سليمان, قانوناً يقضي بابدال السدارة (الوطنية), بالقبعة الاوربية لكون الاخيرة من مظاهر التطور والاتصال بالعالم الخارجي, ولكن سرعان ماعادت السدارة الفيصلية ( الوطنية) كزي رسمي وعام الى المجتمع بمقتل الفريق بكر صدقي في الموصل وسقوط حكومة الانقلاب بعد اقل من عام من اول انقلاب عسكري في التاريخ العراقي الحديث»
وهناك عدة اراء تفسر اصل كلمة السدارة، فهي برأي الباحث عزيز الحجية مؤلف السسلة التراثية الشهيرة (بغداديات عزيز الحجية), كلمة سامية تعني لباس الراس عند قدماء الفرس, ووردت عند الفيروز ابادي بـ (السيدارة) ويشير بها الى عصبة الراس, ورددت بنفس المعنى في معجم المنجد للغة للآباء الكاثوليك.

غطاء رأس الجواهري
في مقابلة تلفزيونية مع الجواهري، قال: ان السر في ارتدائه لغطاء الرأس» العرقجينه « ،وهي غطاء راس أذربيجاني ، لأنه كان يعاني من حساسية في رأسه صيفاً وشتاء، وبتوصية من اطباء مختصين في براغ ، اشاروا عليه بارتداء العرقجينة ، وصارت له علامة فارقة وضريبة لابد منها .. ويقول لا تكاد تفارقني حتى في نومي واذا ما تحركت افز من النوم . وهي من أغرب الحكايات التي رافقت الجواهري .

الرأس بين الغطاء والفكر
رغم التطورات التي حصلت على غطاء الرأس العراقي وتحولاتها السيميائية والفكرية ، لكنها لم تصمد امام العقلية الكامنة في رأس العراقي الذي ظل يتوق الى الرأس الحاسر ، وقد اقتصر ارتداء الغطاء على الجيش والقوات المسلحة الأخرى ، واما عموم الشعب فقد طوح بالسدارة وفقا للانظمة الجمهورية المتعاقبة والتي ابطلت مفعول الالزام الرسمي لارتداء السدارة لرجال الدولة المدنية ، كما حافظ العقال على منزلته في ارياف وبوادي العراق كزي رسمي كما احتفط الاكراد بغطاء الرأس المصاحب للزي القومي الكردي .وكذا حافظ الحجاب على رأس المرأة كوظيفة دينية ، مثلما العمامة والكشيدة على رأس رجال الدين المسلمين ،وهناك اغطية خاصة لرجال الدين اليهود والمسيحيين ايضاً.
لكل شعب في العالم ازياء وطنية واغطية للرأس يتميز بها دليلا على تفرده ، ولكن الشعب العراقي تميز بتبدل اغطية الرأس تبعاً لمفهوم وافكار المرحلة السياسية السائدة ، وهذا ربما يتأتي من الصفة الغالبة عن الشخصية العراقية حسب الدكتور علي الوردي ، بانها شخصية انفعالية عاطيفة ، متغيرة الولاءات ، ومصابة بانفصام اجتماعي .. وربما برأيي ان الهزات السياسية والتحولات الاجتماعية التى رافقت العراقي منذ اقدم العصور وحتى الآن والتنوع الجغرافي والثقافي بمفهومه الكبير ، جعل من الشخصية العراقية لا تحتفي بغطاء رأس قادم من مشروع سياسي ، بينما حافظ غطاء الرأس الديني والقبلي على موقعيهما نتيجة لتأصيل تلك القيم وتأثيرها المباشر في حياة العراقيين ..