ماهو قصد الله من الأقليات

القس/ د. أســامة عبد المــسيح

بالرغم من ضعفهم، فهم ينشرون أريج الرب.

نستمع كثيرا  فى الآونة الأخيرة عن هذا اللفظ (الأقليات)،مثلا عن حق الآقليات فى مشاركتهم فى وضع الدستور، و لكن ولكي أصل بحضراتكم مباشرة ًالى هدف و فكرة هذا المقال ، دعونى فى البداية اُذكركم بنظرية القيمة لكارل ماركس و ادم سميث و مُـلخصها: أن قيمة الأشياء الحقيقية فى نُدرتها و مدى الإحتياج إليها وأيضا الجهد والوقت المبذول نهيك عن مهارة الصانع.

وهذا معناه أن قيمتنا هى فى قلتنا و نُدرتنا و(لمن ننتمى)، فالرسول بولس يقول فى رسالته (1كو1: 28)( وَاخْتَارَ اللهُ أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى وَغَيْرَ الْمَوْجُودِ لِيُبْطِلَ الْمَوْجُودَ) فإختار الله المُزدرى و غير الموجود ، و سفر الآمثال يحكى عن الوبار و بالرغم من انه طائفة ضعيفة إلا إنه يضع بيته فى الصخر (ام30: 26) ، وهذا معناه أن الله فى حكمته حباها برغم ضعفها بحكمة و قدرة على نحت بيتها فى الصخر للإحتماء من المخاطر و طغوة الأغلبية .

إذا ً لماذا يسمح الله بفكرة المخاطر و الضغط ؟

دعونا نتعلم من حبة الحنطة ، يقول الكتاب إن لم تمُت حبة الحنطة تبقى وحدها و لا تأتى بثمر (يو12: 24) ، ولكن من الممكن أن القليل و الضعيف يصبح كثيرا ً ووفيرا ً إن سمح لنظرية الإثمار الإلاهية تعمل فيه ، حتى و لو كان الممر الوحيد لتتميم هذا الإثمار هو الموت فلسنا أفضل من سيدنا له المجد الذى مات لأجل كنيسته ، فحق له أن يقف مرفوع الوجه أمام أبيه قائلًاً: «هَا أَنَا وَالأَوْلاَدُ الَّذِينَ أَعْطَانِيهِمِ اللهُ» (عب2: 13) .

دعونا نتعلم من الجرة و القارورة

الجرة : فى (قض7 : 16-22) عندما نقرأ هذه القصة نجد إنه لو لم تنكسر الجرار لما ظهرت المصابيح المضيئة ، ربما أراد الله بهذا الدرس أن يُعلمنا كسر الذات ليظهر نوره فينا .

القارورة : فى(مت 26 :6-13) يذكرنا الكتاب المقدس بالمرأة التى سكبت الطيب كثير الثمن ، وفى (مر14: 3) فكسرت القارورة و التى تحوى ناردين خالص كثير الثمن .

ونستخلص من الكلمتين (سكبت و كسرت) مدى التضحية التى قامت بها هذه المرأة ولو لم تقم بهذا لما فاحت رائحة الطيب ، مع العلم أن مجرد القيام بهذا العمل لا يُرجع لها فضلا ً ، فهو المصدر الحقيقىَّ للطيب الذكى ، ونحن نستمده منه بإقتراننا به (مَا دَامَ الْمَلِكُ فِي مَجْلِسِهِ أَفَاحَ نَارِدِينِي رَائِحَتَهُ) (نش1: 12) ، ومن جميع ما سبق نستخلص الأتى :

أن الله يستخدم كل الظروف و المعطيات الظلمة و الظلم فى عالم الأكثرية ليضيئ نور الأقلية و يفيح منها عطره. و ينتج عنها ثمر كثير فى ملكوته ، فلا تُـضجر الفئة الضعيفة و لكن لابد أن تنظر على مقصد الله من وجودها .

رسالة للأغلبية : لقد عانت كل طوائف مجتمعنا على مدار سنين طويلة من ظلم السلطة من قهر و إقصاء ، فلنتذكر أن من عانى من القهر و الإقصاء لابد و أن يشعر هو بألم الآخر ، و لا ننسى أن السلطة لا تدوم لأحد و أنها تُشبه لُـعبة الكراسى الموسيقية تدور كالأيام ، فالأيام دِوَلْ .

ومن جميع ما سبق نستخلص رسالة للأقلية وهى ،لا ينبغى إطلاقاً أن ننسى مهارة اليدين اللتين أبدعت فى صنعنا ولاينبغى ان ننسى أيضاً الثمن والجهد المبذول لآجلنا فهناك من دفع كل ما يمتلك ليقتنينا (20لأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ. فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيَ لِلَّهِ )(1كو 20:6) ، ولكى نمجده يجب ان ننير فى عالم مظلم وان يفيح منا عطر المسيح ونقدم للأخر إعلان محبة المسيح بدلاً من بناء أسوار نتوارى خلفها (2أَنْتُمْ رِسَالَتُنَا، مَكْتُوبَةً فِي قُلُوبِنَا، مَعْرُوفَةً وَمَقْرُوءَةً مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ. 3ظَاهِرِينَ أَنَّكُمْ رِسَالَةُ الْمَسِيحِ، مَخْدُومَةً مِنَّا، مَكْتُوبَةً لاَ بِحِبْرٍ بَلْ بِرُوحِ اللهِ الْحَيِّ، لاَ فِي أَلْوَاحٍ حَجَرِيَّةٍ بَلْ فِي أَلْوَاحِ قَلْبٍ لَحْمِيَّةٍ. )

(2كو3: 2-3) .

فكفانا إنطوائية فالخوف من الخطر لا يمنع وقوعه ,بل آن الآوان أن نخرج للعالم ولنعلن له بكل تقدير لمن ننتمى وما هى رسالتنا لعالم مضطرب ومنزعج يبحث عن السلام والراحة وإلاهنا مصدرهما وهو الذى ارسلنا للعالم (متى 19:28) وهو الذى طلب لآجلنا أن يحفظنا ( يو17) لست أسأل أن تأخذهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرير (32»لاَ تَخَفْ أَيُّهَا الْقَطِيعُ الصَّغِيرُ لأَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ سُرَّ أَنْ يُعْطِيَكُمُ الْمَلَكُوتَ. )( لو32:12 ) فهل يصح ونحن نمتلك كل هذه الوعود أن نحيا كمن ليس له إله ؟

بالطبع لا إنما كن متشدداً وتشجع جداً (يشوع 9:1)( 9أَمَا أَمَرْتُكَ تَشَدَّدْ وَتَشَجَّعْ! لاَ تَرْهَبْ وَلاَ تَرْتَعِبْ لأَنَّ الرَّبَّ إِلَهَكَ مَعَكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ».