الاخلاق السورية

بقلم سميح موسى
– سيدني

منذ ايام قليلة فقط هدأت وتيرة التعليقات و التحليلات على وسائط التواصل الاجتماعي حول مبارتي فريقي استراليا و سوريا في كرة القدم ضمن التصفيات لاولمبياد موسكو .
بدأت التعليقات قبل مباراتهما على ارض ماليزيا باسبوعين و لم تنته بمباراتهما في سيدني- أستراليا و قد تراوحت هذه التعليقات بين التهديد و الوعيد و السب و الشتم وبين الاحترام و التنافس الشريف و الحوار الحضاري.
انا فخور بسوريا و سأبقى فخورا بها ما حييت و لكن يؤسفني كثيرا ان اقرأ تعليقات كهذه :
_سنسحقكم…سندمركم ايها الاستراليون
و يأتيه الرد :
_مهلا يا صديقي. ..هذه ليست حربا؛ إنها مباراة كرة قدم و حسب
_سيقتلع نسور قاسيون عيون الكنغر الاسترالي .
طبعا لا بد أن نسلم ان كل رأي يعبر عن صاحبه فقط و لا يجوز تعميم رأي واحد أو حتى عدة آراء قليلة متشابهة على الجميع و لكننا نعلم من خلال علم النفس و علم الإجتماع أن هناك رأي عام  أو شعور جماعي يسمى بطريقة التفكير الجمعي عند الاجناس و الأعراق و غيرها من الجماعات ،و يصعب علي الدفاع عن أصحاب التعليقات السابقة و إقناع الآخرين بأن هؤلاء المعلقين إنما يعبرون عن رأيهم الشخصي فقط و أن هذا لا يمت إلى الأخلاق السورية بصلة ، و لكن ما يشفع لي هو وجود تعليقات اخرى منها :
_يشرفنا أن نلعب مع فريق كبير كالفريق الأسترالي على أرض أستراليا العظيمة .
و يأتيه الرد من استرالي :
_مرحبا بكم في استراليا و يؤسفنا ما يحصل في بلدكم سوريا منذ ست سنوات .
و يكتب آخر :
_نحن أمام فريق قوي و خبير ،اتمنى الفوز لبلادي سوريا .
و يرد عليه بهذه العبارة :
_افهم و أقدر شعورك…نتمنى التوفيق للفريقين و الفوز للأفضل.
شتان ما بين الحالتين و متأكد ان الأمثلة الأخيرة تعبر عن الأخلاق السورية الحقيقية ، عن الإرث الحضاري الجميل الذي تراكم لدى شعوب المنطقة و ثقافة احترام الآخر التي عرفتها سوريا منذ اجدادنا الكنعانيين و الفينيقيين و الكلدانيين و الآشوريين و الآرامييين و غيرهم، بينما اعتبر أن الأمثلة الأولى حالة طارئة لا تعبر إلا عن رأي كاتبها فقط.
لقد كتبت الصحف و قالت الأخبار أن أكثر من عشرة آلاف سوري و عربي تابعوا المباراة في الملعب و كان الجمهور مثاليا و نظيفا متحليا بالأخلاق الرياضية.
هذا يجعلني اتفاءل و ازداد ثقة بالأخلاق السورية و بأن السوريين قادرون على بناء ما هدمته الحرب التي تكاد تضع أوزارها الآن ، فالأمم لا تبنى أو تعمر إلا بالاخلاق التي ينضوي تحت جناحها كل شيء .
لا شك أن هذه الحرب العالمية ضد سوريا أصابت الجيش السوري و الاقتصاد و البيئة السورية بأضرار كببرة بل تركت جروحا و ندوبا في قلوب و مشاعر السوريين و لكن افراحنا بنجاحات الفريق السوري و إن لم تكتمل إنما اعادت إلينا الأمل و بتنا نرى الضوء الساطع في نهاية النفق .
إننا نعول على الأخلاق السورية العظيمة في تعزيز المصالحات و التسويات ، في نشر ثقافة التسامح و الغفران ، في القدرة و الشجاعة على الاعتذار من الآخر و مسامحته اذا اعتذر منا على كل الاخطاء التي ارتكبناها معا عن قصد او عن غير قصد،  هذا كفيل باعادة المياه إلى مجاريها و الشروع بإعادة بناء سوريا الجميلة الرائعة.
و اخيرا اتمنى من حكومتنا السورية اعادة بناء جسور التواصل مع جميع دول الجوار ، و طي صفحة السنوات الماضية السيئة الصيت ، و علينا أن نبدأ بشقيقتنا الصغرى لبنان ، أليس جميلا ان نعتذر من جميع اللبنانيين على الاخطاء و التجاوزات التي ارتكبها بعض الأفراد في لبنان و مسامحة من أخطأ بحقنا ، لقد حان الوقت لمناقشة بعض الملفات بشفافية أكثر و تجاوز التحفظات و ركوب موجة العداء للآخر و علينا معا ان نمضي قدما في تحصين بلادنا ضد الاختراقات و تمكين شعوبنا من العيش بأمان و كرامة .