هل يمثل البرلمان حقاً الشعب الاسترالي؟

 بقلم / بيار سمعان

السيناتور العمالي عن نيو ساوث ويلز سام داستياري لم يقدم استقالته من الحزب بعد ان اثيرت الشبهات حول علاقته بالصين ودفاعه عن حقها بالسيطرة على بحر جنوب الصين وتلقيه مساعدات مالية من رجال اعمال على علاقة بالحزب الشيوعي الحاكم.
ورغم مطالبة رئيس الوزراء مالكولم تيرنبل بضرورة استقالته، ودعوة بولين هانسون التي وصفته بالخائن لاستراليا الى ابعاده عن البرلمان، تمسك بيل شورتن ببقاء داستياري في الحزب رغم ارغامه على الاستقالة من المناصب التي كان يحتلها.
وطالبت جولي بيشوب داستياري بالاستقالة من البرلمان بسبب علاقاته المشبوهة بالصين وموقفه من القضايا الخلافية الداعمة للصين، على حساب السياسة الاسترالية المعارضة وتوجهات الحكومة ومعارضته ومواقف الحزب الداعم لمواقف الحكومة .واعتبر وزير الادعاء العام جورج براندس انه يتوجب على داستياري الاجابة على العديد من الاسئلة حول حقيقة علاقته بالصين.
ويبدو للوهلة الاولى ان سام داستياري «فاتح على حسابو» بعلاقاته المشبوهة مع الصين. لكن النظر عن قرب الى وضع الاحزاب السياسية الكبرى في استراليا، يكشف بسهولة حجم التبرعات السياسية لكلا الحزبين وعلى مدى سنوات طوال. وقد يكون داستيارزي كبش محرقة بعد ان دخلت آزيو على خط التحذيرات، اذ ان بعض رجال الاعمال الصينيين يعتبرون من اوائل المتبرعين لكلا الحزبين ، وان بعضهم على علاقة بالحزب الشيوعي.
بين سنة 2013 و2015 انفق رجال اعمال وشركات صينية على حزبي العمال والاحرار ما يقارب 5،5 مليون دولار. ويعتقد خبراء ان التبرعات المالية السياسية هي الوسيلة المثلى التي تعتمدها الصين للحصول على تأثيرات سياسية في استراليا ولتوفير ضمانات وحقوق دون سواهم.
ومن اهم المتبرعين وانغ زي تشون وشوشاك وينغ ومجموعة يوهو وانا وومايجوان وزاكواي كونغ شين يان وديفيد لين شونهانغ وغيرهم.
وحصل حزب العمال على حوالي 3 ملايين و756 الف دولار بينما تلقى حزب الاحرار حوالي مليوني دولار وذهبت بضعة مئات الآلاف للحزب الوطني.
تعود علاقة حزب العمال الى ما قبل حكومة بوب هوك والدموع التي ذرفها ايام انتفاضة الطلاب في ساحة تيان سكوار. وكان العمال منذ ذلك الحين يتلقون التبرعات السياسية من رجال اعمال صينيين يرتبط بعضهم بالحزب الحاكم في الصين.
وحذرت آزيو الاحزاب الاسترالية من عدم تلقي التبرعات المالية من اثنين من كبار الاثرياء ورجال الاعمال الصينيين بسبب ارتباطهم الوثيق بالحكم الشيوعي في الصين. وكانت آزيو قد اطلعت تيرنبل على ارتباط رجلي الاعمال مع الحزب الشيوعي، كما اطلعت طوني آبوت وزعيم المعارضة، وبيل شورتن سابقاً . وعلم ان الثريين هما المستثمران في قطاع البناء هوانغ كزاينفمو ودكتور شوشاك وينغ. ورغم كل التحذيرات والشبهات لم يتخذ الحزبان موقفاً صريحاً حيال التبرعات الصينية .
ولا تعاني استراليا والسياسة الاسترلية فقط من حجم التبرعات التي يقدمها رجال اعمال صينيون لمعظم الاحزاب الاسترالية، مما اثار حفيظة حزب «امة واحدة»، فحذرت بولين هانسون من مخاطر القبول بكل ما تمليه الصين على استراليا ومن موجة الاستثمارات والكم الهائل لبيع الاراضي والمنشآت الصناعية والفنادق والمزارع ومرافق الانتاج الاولية.
وقضية التبرعات السياسية ليست هي المسألة الوحيدة التي تقلق بال البرلمانيين وتطرح اكثر من سؤال حول مصداقية وشرعية مَن يدعون تمثيل الشعب الاسترالي.

< برلمانيون من جنسيات مختلفة:
تنص المادة 44 من الدستور انه لا يحق للبرلمانيين في مجلسي النواب والشيوخ الفيدرالي ان يحملوا جنسية اخرى الى جانب الجنسية الاسترالية.
لكن بدا فجأة بسحر ساحر ان العديد من البرلمانيين ومنهم بعض المخضرمين يحملون جنسيات اخرى، مثل البريطالنية والنيوزلندية والايطالية وغيرها وهم يمثلون استراليا في البرلمان ويدعون تمثيل الشعب الاسترالي بتجرّد.
تسع نواب واعضاء في مجلس الشيوخ ارغموا على الاستقالة من البرلمان، اما طوعاً او بقرار من المحكمة العليا. ولا تزال الشبهات تحوم حول وضعية 28 برلماني، منهم 26 ينتمون الى حزب العمال، و8 الى الاحرار و4 من احزاب اخرى. ويعتقد البعض ان لائحة الاسماء هي اطول بكثير وقد تشمل رئيس الوزراء تيرنبل نفسه.
وحيال هذا الوضع يتساءل المرء هل فعلاً يمثل البرلمانيون في كانبرا تطلعات الشعب الاسترلي ام ان انتماءاتهم وميولهم هي في مكان آخر؟ واذا كان النواب واعضاء مجلس الشيوخ الذين يقرون القوانين والتشريعات باسم الشعب الاسترالي يجهلون مادة اساسية في الدستور (المادة 44). فبأي سلطان يتخذون قرارات تؤثر على مصير البلاد ومستقبل الاجيال فيها؟
وتكون الخطيئة اعظم ان كانوا على علم بهذه المادة وتعمدوا تجاهلها للوصول الى السلطة. وهنا تكمن الطامة الكبرى. فمن يكذب في الامور الصغيرة يزور الحقائق الكبيرة ويتنازل عن قناعاته حماية للموقع الذي وصل اليه دون حق. فمن باع ضميره بامكانه ان يبيع شعوباً واوطاناً ويتخذ قرارات جائرة ومسيئة.
هذه الوضعية الملتبسة تجعل البرلمان الاسترالي برمته موضع شك وعدم ثقة. فلا احد يعلم عدد البرلمانيين الذين يحملون جنسيات مزدوجة. والأسوأ من ذلك ان الاحزاب الكبرى ترفض اجراء تحقيق شامل لرفع الشبهات عنهم واعادة ثقة الشعب بهم. لكن العكس هو حاصل للأسف حتى اليوم. وهذا يدفع للتساؤل حول مصداقية وصوابية القوانين التي يقرها البرلمان بشقيه.

< مثليون
وقد يكون تشريع زواج المثليين اشدها سوءاً، خاصة اذا ادركنا وجود 13 برلمانياً يعترفون صراحة بميولهم الجنسية المثلية وان السيناتور دين سميث الذي تقدم بمشروع قانون لإعادة تحديد الزواج والعائلة هو مثلي ايضاً ولقي دعماً من رئيس الوزراء الذي وفّر له الحماية وحال دون ادراج اية تعديلات هامة على طرحه بمساندة زعيم المعارضة بيل شورتين.
وتجدر الاشارة الى احتمال وجود اعضاء كثر داخل البرلمان من الجنسين يتحفظون على ميولهم الجنسية، ولم يعلنوا عنها صراحة وان اوضاعهم الشخصية تؤثر دون شك على قراراتهم داخل البرلمان.
ويطرح هذا الواقع اسئلة حول اختيار الاحزاب الكبرى لمرشحيهم في المناطق المختلفة. فهل كان اختيار هذا العدد الضخم من المثليين هو مقدمة لاقرار زواج المثليين الذي جرى الاعداد له منذ مطلع الثمانينات، عندما شرعت الحكومات الاسترالية قوانيناً تحدّ من صلاحيات الاهالي وتمنع المزيد من الحريات و توفر الحصانة للأبناء على حساب سلطة الوالدين. منذ ذلك التاريخ بدأ العمل بهدوء على «فرط» العائلة. وجاء تشريع زواج المثليين الضربة الاخيرة للقضاء عليها.
ولا يستبعد ان يقوم البرلمان الحالي الذي لا تعرف حقيقة هوية اعضائه وميولهم ومثلهم الاخلاقية ان يتخذوا قرارات جديدة خطيرة تؤدي الى ضرب التعددية الثقافية والنظام التعليمي ووحدة العائلة وحرية الأديان في هذا البلد.
فمن يمثل البرلمان الاسترالي اليوم ولصالح مَن يعمل نواب الأمة؟ وهل يقوم الشعب بالتصويت لبرلمانيين لا يمثلون بالواقع ارادة الشعب، لأنهم يتلقون الاوامر من سلطات اخرى ويشرعون القوانين ، حسب الرشوات التي تمنح اليهم كتبرعات سياسية، وتحت تأثير ثنائية الجنسية لديهم ، او بفعل ميولهم الجنسية؟
يبدو ان الشعب هو آخر من يعلم…؟؟ الثابت والأكيد هو ان الشعب فقد ثقته بالبرلمان، وان حالة الفوضى السائدة في البلاد لا تعكس فقط هذه الوضعية، بل تنبئ بالمزيد من الازمات الاقتصادية والسياسية والاخلاقية.
في آخر المطاف، الشعب وحده هو من يدفع الثمن.
ان موقف اعضاء البرلمان من قضية سام داستياري والتبرعات السياسية الصينية هو مؤشر آخر على انتشار الفساد وحمايته من قبل الاحزاب الكبرى. انه رأس جبل الجليد للفساد المقنن.
فهل ينقلب الشعب على هذه الاحزاب بعد ان بلغت مشاعر الاشمئزاز وعدم الرضى حداً اقصى لدى المواطنين؟؟.