هل تفجر كردستان حرباً جديدة في الشرق الاوسط؟

بقلم بيار سمعان

90 بالمئة من اكراد العراق صوّتوا في استفتاء عام مع الاستقلال وانشاء دولة كردية في شمال العراق، وقد تمتد لتشمل اراضي سورية وتركية وايرانية. وهذا الاستفتاء هو المحاولة الثامنة لإقامة دولة كردية خلال القرن العشرين.
< اكراد الشرق الاوسط
يقدّر عدد الأكراد في الشرق الاوسط : 35 مليون نسمة يتوزعون في هذه الدول على الشكل التالي: 14،5 مليون نسمة في تركيا، 6 ملايين في ايران و6 ملايين في العراق، مليونين في سوريا واقليات في دول اخرى منها لبنان وروسيا واواسط آسيا.
ويقيم الأكراد في المناطق الجبلية المجاورة لتركيا، العراق، سوريا، ايران، وارمينيا ويؤلفون رابع اكبر مجموعة اثنية عرقية في الشرق الاوسط. ولطالما حلم الأكراد بإقامة دولة خاصة بهم بسبب الاضطهاد والاهمال والحرمان الذي عانوا منه طوال عقود طويلة، مما دفعهم الى التقوقع ضمن مجموعات متجانسة واللجوء الى الجهاد لحماية الذات والدفاع عن وجودهم في اماكن جبلية اعتاشوا فيها وهي تؤمن لهم نوعاً من الحماية الطبيعية.
< تعديل معاهدة لوزان
منذ مطلع القرن العشرين بدأ الاكراد السعي لإنشاء دولة كردية اطلق عليها تسمية كردستان. وامل القادة الأكراد بعد الحرب العالمية الاولى وانهيار الامبراطورية العثمانية ان يقوم الغرب المنتصر بمنحهم وطناً ومؤازرتهم على اقامة دولة كردستان منذ معاهدة Sevres في سنة 1920. لكن آمالهم خابت.
غير انهم جددوا مساعيهم عندما ناقشت معاهدة «لوزان» حدود الدولة التركية الحديثة واملوا ان تمنحهم هذه المعاهدة دولة مستقلة ذات حدود آمنة. لكن مرة اخرى تبخرت امانيهم. وتعرض الأكراد وهم من السنة طوال 80 عاماً الى الاضطهاد من قبل الانظمة في الدول الاربعة التي يقيمون فيها. كلما سعى هؤلاء الى طرح «المسألة الكردية» على المحافل الدولية.
< استفتاء اقليم كردستان
أيد اكثر من 92 بالمئة من الاكراد المشاركين في الاستفتاء العام في اقليم كردستان العراق الانفصال عنه، بحسب النتائج التي اعلنتها اللجنة العليا للاستفتاء في الاقليم. واعلنت اللجنة ان حوالي 72،61 من السكان شاركوا في التصويت، وهي خطوة اثارت الكثير من ردود الفعل السلبية خاصة في البلدان المعنية مباشرة بالقضية الكردية واعني العراق وسوريا وايران وتركيا.
وتعتبر المراجع الكردية ان هذا الاستفتاء يقوّي المشاعر القومية والعلاقات الكردية الكردية، خارج حدود شمال العراق ازاء المساعي الكردية على تحقيق الاستقلال عن الحكومة المركزية في بغداد.
لا بد من السؤال: ما هي المشاكل التي ستواجهها دولة كردستان وما ستكون ردود فعل الدول المجاورة، او ما هي ردود فعل المجتمع الدولي؟
< العراق:
يقول الزعماء الاكراد ان التصويت بنعم في الاستفتاء سيمنحهم تفويضاً مشروعاً للبدء بمفاوضات مع الحكومة العراقية ومع دول الجوار.
غير ان البرلمان العراقي حض رئيس الوزراء حيدر العبادي على مواجهة هذه الحركة الانفصالية. وطالب العبادي بإلغاء نتائج الاستفتاء متعهداً بعدم مناقشته في البرلمان او البحث في نتائجه. ودعا البرلمان الى نشر قوات في محافظة كركوك الغنية بالنفط وفي المناطق الاخرى المتنازع عليها والتي تسيطر عليها قوات البيشمركة الكردية.
وكانت الحكومة العراقية قد طالبت الاقليم تسليمها ادارة المطارات والا ستواجه حظراً جوياً. وهذا ما بدأ تنفيذه بعد ان اعلنت الحكومة وقف جميع الرحلات الدولية من والى مطاري اربيل والسليمانية.
ويرى العراقيون ان قيام دولة كردستان يعني عدة امور مصيرية بالنسبة لبلادهم اهمها:
– فرض واقع تقسيمي مذهبي وعنصري في العراق.
– احتمال فقدان الكركوك وهي من اهم مصادر النفط.
– مواجهة المدّ الشيعي – الايراني
– احتمال قيام دولة كردية اوسع من شمال العراق وتضم اراضي ايرانية وعراقية وسورية وتركية في حال نجح اقليم كردستان في تركيز دعائم الدولة الكردية في تلك البقعة الجغرافية.
لذا تعهد العبادي مهدداً بفرض الحكم العراقي في كل مناطق الاقليم بقوة الدستور.
< ايران
وترى الجمهورية الاسلامية في ايران نفسها معنية مباشرة بهذه التطورات، خاصة ان الموقف الايراني يؤكد على ضرورة الحفاظ على «وحدة» العراق ورفض اي اشكال من اشكال التقسيم. وهذا ما اكده اكثر من مسؤول ايراني وقادة الجمهورية الاسلامية التي تدعم وتدافع عن «عراق موحد». وتدعو وزارة الخارجية الايرانية كافة الاطراف للالتزام بالقانون العراقي ومعالجة الخلافات عبر النقاش الداخلي واطر القانون.
بالواقع يخشى المسؤولون في الجمهورية الاسلامية ان تنتقل عدوى الاستقلال الى 6 ملايين كردي يعيشون على ارضيها، كما تخشى ايران سيطرة الاكراد على قسم من الاراضي الايرانية الممتدة حول الخليج العربي، فتتمكن بذلك الدولة الكردية من عزل ايران جغرافياً ومنع المنافذ البحرية لديها وضرب حلمها بإقامة مملكة فارسية تمتد من ايران الى بيروت. وهذا ما يفسر معارضة حزب الله في العراق ولبنان لمساعي استقلال اقليم كردستان ويتهم اسرائيل بالعمل على دعمه.
< تركيا
وما تخشاه ايران تتخوف منه ايضاً تركيا التي تعتبر لاعباً اساسياً في الملف الكردي في المنطقة خاصة ان ما يزيد على 14 مليون كردي يعيشون على اراضيها في المناطق الجبلية المحاذية لإقليم كردستان.
وتثبت الاحداث التاريخية والممارسات اليومية ان اكراد تركيا يعتبرون من الطبقة الثانية، ولا يخفى على الاكراد العداوة التركية المزمنة تجاههم. مما يجعلهم اشد تعاطفاً مع الأرمن وتعاوناً وقرباً منهم.
وقد اعلن الرئيس التركي اردوغان عن استعداد بلاده للتدخل عسكرياً ان لزم الامر لمنع تأسيس دولة كردية ينضم اليها لاحقاً اكراد تركيا، ويأخذون البلاد المضطربة داخلياً الى مصير مجهول ويعرضون الأمن القومي الى هزّات، ويدفعون أقليات اخرى (العلويون) للمطالبة بالاستقلال عن تركيا والالتحاق بالدولة العلوية الناشئة على الارض السورية والمتاخمة لها.
لذا ترى الحكومة التركية ان التوجه الكردي هو غير صحيح او مقبول ويخالف القوانين العراقية. لهذا سارع الرئيس التركي الى فتح سلسلة من اللقاءات مع الحكم في العراق وسوريا لتدارك تأزيم الاوضاع في المنطقة وجرها الى سلسلة من الصدامات العسكرية لا تعرف نتائجها بسبب الغموض في الموقف الاميركي واعلان اسرائيل تصميمها الدفاع عن الكيان الكردي الناشئ في كردستان.
< الحليف الاميركي
وما يقال عن تركيا ينطبق على الموقف السوري، رغم ان الحكم في سوريا اصبح اليوم لعبة في يد القوى الدولية. خاصة روسيا والولايات المتحدة الاميركية اللتين تتقاسما النفوذ والمواقع في سوريا وتفرضان شروطهما ميدانياً وسياسياً.
لعب الاميركيون الدور الأهم في قيام اقليم كردستان سابقاً. كما تحافظ الادارة الاميركية الحالية على علاقات وثيقة مع حكومتي بغداد وكردستان. غير ان الآجندا والمخططات الاميركية المرسومة لإقامة «شرق اوسط جديد» تدفع الادارة الاميركية الى فرض شروط ميدانية وزمنية على مختلف الاطراف المتنازعة في المنطقة، وهذا ما يفسر الاختلاف في وجهات النظر مع بعضها.
وبخصوص اقامة الدولة الكردية في اقليم كردستان، الحكومة الاميركية تفضل ان يلتزم الاكراد ببرنامج الخطة الاميركية المرسومة للمنطقة. ورغم ان دونالد ترامب عزّز علاقاته مع الأكراد في سوريا والعراق بعد تسلمه الحكم، يوجد آراء كثيرة تدعو الإدارة الاميركية الى عدم التهوّر والانجرار وراء مساعي الاكراد خشية تعكير العلاقات مع الحكومة العراقية. لذا نجد ان هذه الادارة تدعو الى احترام وحدة الاراضي العراقية فيما تتابع على صعيد آخر دعم الاكراد في سوريا.
ويستبعد المراقبون ان يلجأ الاكراد الى اعلان الاستقلال لاقليمهم دون رضى الادارة الاميركية.
وان ازدواجية المواقف هي ضرب من ضروب السياسية التي لا ترغب بإيجاد حلول جذرية لأزمة الشرق الاوسط مما يساعد على استمرار الازمة. والموقف الاميركي من ازمة قطر هو اكبر دليل على ذلك.
< اسرائيل البلد الداعم الوحيد
اسرائيل هي الدولة الوحيدة على المستوى العالمي التي اعربت عن تأييدها الرسمي لإقامة دولة كردية مستقلة. وكان نتنياهو قد اصدر بياناً رسمياً يؤكد فيه دعم قيام دولة كردية مستقلة.
هذا الموقف المؤيد ليس جديداً اذ انه من المعلوم والثابت ان هناك علاقات سرية قديمة تربط بين اسرائيل والأكراد. وتقوم عناصر من قوات الجيش الاسرائيلي بتدريب القوات التركية منذ عقود. وان كانت السعودية قد سمحت بالأمس للمرأة السعودية بقيادة السيارات، فان المرأة الكردية تشارك في التدريب والخدمة العسكرية والقتال على الجبهات جنباً الى جنب مع الرجال. ويشرح مطلعون ان تدريب الاكراد يشبه الى حد بعيد التدريبات التي تخضع لها القوات الاسرائيلية.
وتستسفيد اسرائيل من صراعها مع ايران والتمدّد الجغرافي ونفوذها في المنطقة لدعم تحالفها مع الاكراد. وقد تتطلع اسرائيل الى فتح جبهة كردية مع ايران مقابل الضغوطات التي تواجهها الدولة العبرية في الجانب السوري من هضبة الجولان. ووجود «حزب الله» على اكتافها.
ويمكن لدولة كردستان المستقلة ان تصبح حليفاً قوياً لاسرائيل في عدة مجالات لتصبح بمثابة قاعدة امامية لها في مواجهة ايران، لا سيما من ناحية المعلوماتية والنشاطات الاستخباراتية. ولم تتردد اسرائيل في ارسال طائرات مقاتلة في مبادرة تحمل الكثير من الدلائل والتهديدات للدول التي تهدد بمهاجمة الدولة الكردية وتدميرها من الداخل.
ولاسرائيل مصالح كثيرة اخرى كالاستفادة من النفط القادم من كردستان وتطوير العلاقات الاقتصادية مع الدولة الكردية المستقلة التي تحتاج الى انفاق المليارات لتدعيم البنى التحتية الضرورية لإقامة دولة عصرية.
وان كانت اسرائيل غير قادرة على تسليح اكراد العراق بالقدر الكافي، لكن الدعم السياسي العلني لهم من قبل دولة تتمتع بنفوذ عالمي لا يمكن تجاهله، سيدفع اوروبا والولايات المتحدة الى مراجعة مواقفهما من الدولة الناشئة، خاصة بعد ان تصبح امراً واقعاً سيفرض على العالم القبول به والتعامل معه كما حدث مع اسرائيل سابقاً.
< توسيع رقعة النزاع في المنطقة.
في أسوأ الاحوال يتوقع المراقبون ان يؤدي قيام دولة كردية الى توسيع رقعة النزاع في المنطقة التي ستشهد هذه المرة الدخول في حرب بين دول تخشى خسارة وحدة اراضيها والتلاعب بأمنها القومي، خاصة تركيا وايران بعد ان عانت العراق وسوريا ما فيه الكفاية من النزاعات العسكرية المدمرة.
فهل سيؤدي القضاء على دولة الاسلام الى قيام «دولة كردية» تكون مصدر نزاعات جديدة مدمرة في المنطقة؟