من ميلاد المسيح الى مجيئه الثاني

بقلم  /  بيار سمعان

يحتفل العالم بعد ايام بذكرى ميلاد السيد المسيح في مغارة نائية، «زريبة حيوانات».
رب الكون وخالقه يولد كأفقر الناس في تلك المغارة، بعد ان رفض الناس استقباله في منازلهم وفنادقهم وقلوبهم…
لم يتحنن قلب مواطن واحد في بيت لحم ان يرحب بالعذراء مريم. فما كان من يوسف سوى اللجوء الى تلك المغارة المتسخة التي تحولت مع ولادة الطفل يسوع، الى نقطة تحول في تاريخ البشرية ومحطة انطلاق للبشارة، والمجد والسلام لبني البشر. فجاء ملوك الشرق ليسجدوا لملك الملوك، ويرددوا مع الملائكة:” «مبارك الآتي باسم الرب، لقد رأت اعيننا مجد الله».
لقد جاء يسوع لخاصته لكن خاصته لم يقبلوه.لذا ارسل الملك هيرودوس الجنود ليقتلوا اطفال بيت لحم..
أُنذر يوسف فحمل عائلته، وفرّ هارباً الى مصر.
اما اليصابات، فحملت الطفل يوحنا الذي يزيد يسوع 6 اشهر وخبأته في احدى المغاور، عبر الاردن، فقام ملاك الرب برعايته.
يوحنا سيعلن لاحقاً ان يسوع هو حمل الله الذي يعد الطريق له وانه لا يستحق ان يحل سير حذائه. فقال عنه المسيح، انه اعظم الانبياء واهم مخلوقات العالم، لكن اصغر طفل، بريء وطاهر هو اهم منه في ملكوت السماء.
جاء المسيح ليبدأ عهداً جديداً مع البشرية جمعاء. ويقول للناس: أحبوا بعضكم، باركوا لاعنيكم، اغفروا لأخوتكم سبعين سبع مرات، وليؤكد لهم انه هو الطريق والحق والحياة، وان من رآه رأى الآب.
قال لتلاميذه: افرحوا وابتهلوا لأن انبياء وشيوخ حلموا ان يروا ما انتم تبصرون وان تسمع آذانهم ما انتهم تسمعون، ولم يقدروا.
جال يسرع في قرانا ومدننا وبارك الارض التي سار عليها، شفى مرضانا واخرج الشياطين، وما اكثرها. أقام الموتى ليؤكد انه واهب الحياة. وهب البصر للعميان والطهر للبرص. حمل خطايانا ودعانا اخوة له، وعلمنا ان الله هو أب للجميع، وانه إلالمحبة والمغفرة والرحمة والعدل. وهو الذي يفرح بعودة خاطئ وتوبة ضال عاد الى احضان ابراهيم. لذا يُذبح له «العجل المثمّن» وتفرح به السماء وتبتهل الملائكة.
و عندما سأله رئيس الكهنة قيافا : «أأنت هو» من تنبأ عنه الانبياء وبشرت به الكتب. اجاب يسوع : «انا هو».
قيافا الذي اعمى الشر بصيرته واخفى حب السلطة ادراكه، ردّ قائلاً للحاضرين: «انه يجدف .. لا حاجة لشهود.. انه يستحق الموت».
وهكذا بدأت مسيرة الصلب وقام الاجراء بالصراخ: اصلبوه، اصلبوه، لا نريده ملكاً علينا.
جُلد وأُهين وضرب وسُمر على الصليب بين لصين. وآخر كلمة رددها: يا أبتاه، اغفر لهم لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون».
نعم ظنوا انهم صلبوه وارتاحوا من توبيخه وانتقاداته وتهديد عروشهم وسلطانهم.. انهم يحملون مفاتيح المعرفة ويحجبونها عن الناس، اولئك الذين لا يدخلون ملكوت السماوات ولا يسمحون لآخرين بالدخول. ظنوا انهم قتلوه، لكنه بعد ثلاثة ايام في الينبس حيث حرّر ارواح الآباء والانبياء والاوصياء، قام من الموت واهباً الحياة لمن يعمل ويعيش حسب المحبة التي علمنا اياها.
ونتذكر انه اوصانا ان نُطعم الجائعين، ونكسو العريانيين ونزور المرضى والمساجين ونعطف على من قست عليهم الحياة واذلتهم. لأن مَن يحب اخاه (الانسان) الذي يراه، يحب قطعاً الله الذي لا يراه.
فالمسيح عاش كل ما علمنا اياه، ولم يقدر احد ان يبكته بخطيئة واحدة.
وعند صعوده الى السماء ردّد علي مسامعنا: «احبوا بعضكم البعض . كما انا احببتكم . ولا تخافوا، انا معكم الى مدى الدهر، وسأعود لأدين الاحياء والأموات.» فمنذ ولادته في تلك المغارة حتى صلبه وصعوده الى السماء، تعيش البشرية جمعاء على امل الوعد ان المسيح سيعود مرة اخرى، لكنه لن يأتي حقيراً كما حدث، بل سيأتي بمجد عظيم.
فكيف تنتظر مختلف الديانات عودة المسيح؟
– المسيح لم يأت بعد..!!
منذ ان مزّق قيافا ثيابه وصرخ «آنه يجدف»، اعلن صراحة انه ومن يمثل لا يعترفون بالمسيح الذي تنبأ عنه انبياء العهد القديم، ورفضوا العهد الجديد متمسكين بعهود يفسرونها على مزاجهم وهم لا يزالون ينتظرون مجيء المسيح (المشيا) الذي سيحقق كل آمال وطموح وسيطرة «الشعب المختار». (ـ؟)
فالالتزام بالشريعة الموسوية وبوعود الله السابقة فرضت عدة شروط، اهمها: السعي للحفاظ على وحدة وسلامة العرق، الالتزام بالكتب «المقدسة» والتلمود، الحفاظ على وعود الله لابراهيم وبأهمية «ارض الميعاد»، وبتوحيد الجهود والطاقات والعمل لتحقيق مجيء المسيح – المشيا. وهذا يفرض رفض «المسيح» الذي اعلن امام قيافا انه «هو» المسيح الذي تنبأ عنه انبياؤكم. وبالتالي يتوجب تدمير صورته وتشويه تعاليمه في اذهان اتباعه.
هذه الفرضية اوجبت الالتزام بالأصول القديمة من جهة ومحاولة تفتيت التعاليم الجديدة، رغم ان السيد المسيح كان قد حذر «ان العالم يزول وكلامي لا يزول».
لذا اقنع اتباع قيافا خلال قرون العديد من المجموعات المسيحية (؟) ان شروط مجيء المسيح تفرض عودة الشعب المختار الى ارض الميعاد، على ان تكون اسرائيل بلداً مستقلاً وامة ذات ثلاثة ابعاد. كما يجب اعادة بناء هيكل سليمان الذي تنبأ السيد المسيح بخرابه، واعادة بناء قدس الأقداس (الهيكل الثالث) الذي يكرّس لتقديم الذبائح الى الله مباشرة من القدس.
كل هذه الامور يجب ان تتحقق اولاً حسب اعتقادهم قبل ان يعود «المسيح – المشيا» بالجسد، وبعد ان تقام دولة اسرائيل وتتكامل فيها كل الشروط.
لكن يؤمن كثيرون، وحسب رؤيا يوحنا، ان مَن سيأتي ليس المسيح القادم كالبرق وعلى مرأى من كل الشعوب، بل هو المسيح الدجال.
اليوم اصبحت اسرآئيل دولة مضى على وجودها حوالي 68 سنة. بالامس اعترف الرئيس الاميركي ان القدس هي عاصمة اسرآئيل. وفي القريب سوف يحاول الحكم في الدولة العبرية التخلص من جامع الأقصى لبناء «الهيكل الثالث» مما يعني ان مجيء «المسيح الدجال» اصبح قريباً. لكن دانيال النبي يحذر شعبه ان مَن سيأتي سيبطل الذبيحة والتقدمة ويعبث خراباً في بيت المقدس، لتكميل المعصية وتتميم الخطايا ولكفّارة الأثم. (دانيال 9-22).

< اهل الكتاب:

ورغم اختلاف الديانات السماوية الثلاث (اهل الكتاب) في العديد من الأمور، الا ان انتظار المسيح عقيدة تجمع بينهم. شرحنا وجه النظر اليهودية التي تنكر مجيئه الاول حسب ايمان المسيحيين وتنتظر مجيء «المشيا» الذي سيحكم العالم.
ويتطلع المسيحيون لعودة المسيح ليوم الدينونة، فيما يرى المسلمون انه سيأتي ليساعد حاكم آخر الزمان المهدي المنتظر، في حكم العالم .

< يوم الدينونة عند المسيحيين

اما العودة الثانية للمسيح، او مجيء يسرع المسيح الثاني، ينتظرها المسيحيون باعتبارها حدثاً هاماً يفاجأ به العالم. فمجيئة الاول كان لخلاص البشر بموته على الصليب. اما قدومه الثاني سيكون للدينونة.
وجاء في الكتاب المقدس «لأنكم تعلمون يقيناً ان يوم الرب سيأتي كما يأتي اللص في الليل».
واعطى الكتاب المقدس علامات لمجيء «يسوع الثاني» حيث ستزداد الحروب والمجاعات والزلازل ويزداد الفساد وتغيب العدالة، ويزداد اضطهاد «المختارين». ويأتي انبياء كذبة يكرزون باسم المسيح يجذبون الناس اليهم ويبشرون بالانجيل في كل انحاء العالم
ثم يحدث اضطهاد عظيم للمؤمنين ويعيش العالم في كآبة وتعاسة وخوف.

< عودة المسيح والمهدي عند المسلمين

اما عودة المسيح عند المسلمين فتأتي في إطار التحكم الأكبر للمسلمين في الارض. وظهور المسيح مرتبط لديهم بظهور المهدي المنتظر، الحاكم العادل المسلم، والقضاء على المسيح الدجال، رمز الظلم والشر والفساد في الارض. وهناك عدة احاديث نبوية تشير الى عودة عيسى ودوره في آخر الازمنة.
ويروى صحيح مسلم عن فترة المسيح الدجال انه بينما هو كذلك، اذ بعث الله المسيح بن مريم فينزل عند المغارة البيضاء شرق دمشق، واضعاً كفيه على اجنحة ملاكين، اذا طأطأ رأسه قطر، واذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجب ريح نفسه الا مات… ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة. فبينما هو كذلك، اذا اوحى الله الى عيسى اني قد اخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم.. ويبعث الله بأجوج وماجوج وهم من كل حدب ينسلون.
وفي صحيح ابي داود جاء عن كثرة الخيرات في عهده ( عيسى) «اني اولى الناس بعيسى ابن مريم، لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وانه نازل فاعرفوه، رجل مربوع. الىالحمرة والبياض، كأن رأسه يقطر، وان لم يصبه بلل، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضعه الجزية ويدعو الناس الى الاسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلها الا الاسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، ثم تقع الأمانة على الارض… فيمكث اربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون. ويتابع صحيح مسلم ان الله يبعث في تلك اللحظة «ريحاً طيبة» فتأخذهم تحت آباطهم، فتفيض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى أشر الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة.
ومهما تعددت الروايات والمعتقدات، يبقى ثابتاً لدى الجميع ان ظهورالسيد المسيح الاول، كان لخلاص العالم. ظهر في الجسد واخفى مجده لاتمام عمل الفداء. جاء متواضعاً، مطيعاً للآب السماوي.
اما مجيئه الثاني فهو للدينونة في نهاية العالم.لذا سيأتي المسيح في مجد ابيه مع ملائكته القديسين ويدين الجميع ويحاسب الاشرار على شرورهم.
في المجيء الاول احتمل العار لأجلنا، وفي مجيئه الثاني سوف يطالبنا بثمرة محبته، والا فسنحمل نحن عار انفسنا.
ميلاد مجيد للجميع على امل ورجاء القيامة في المجيء الثاني.