من المسؤول عن الازمة الحالية بين السعودية ولبنان؟

بقلم  /  بيار سمعان

منذ ان قرأ رئيس الوزراء «المغيب» سعد الحريري البيان المتلفز لاستقالته من السعودية، لا تنفك التحاليل والتفسيرات تصدر من مختلف الاطراف. كل يعبر عن وجهة نظره حسب قناعاته والتزاماته المسبقة.
فرئيس تيار الكرامة الوزير السابق فيصل كرامي اتهم رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع انه بصدد اغتيال الرئيس سعد الحريري معنوياً لسعيه ان يكون الوريث السياسي له. ويذكر هذا الاتهام غير المنطقي بالاتهامات التي كانت توجه لقيادات 14 آذار كلما سقط شهيد لهم بواسطة التفجير او الاغتيال. فاصبح كل «شهداء الاستقلال» هم ضحايا قيادات سياسية من نفس الفريق.
ومهما تكن مبررات فيصل كرامي، فانها تعكس وضعاً ملبداً يسود البلاد وتبسيطاً لواقع سياسي معقد يسود المنطقة بأسرها، وتجنباً لطرح الأمور على غير ما هي عليه.
كما يتعمد كرامي اللعب على الوتر الطائفي ولو من باب الغمز، وهذا ما ينبذه كل اللبنانيين، خاصة في هذه الظروف العصيبة!! لكن يبقى سؤال المليون الاساس هو: من المسؤول عن الازمة الحالية التي تبدو للوهلة الاولى انها نزاع لبناني سعودي وما هي انعكاسات وخلفيات ما يحدث في المنطقة بأسرها؟؟
< مملكة سعودية جديدة وخطوة نحو المجهول
يشاع في وسائل الاعلام ان ولي العهد محمد بن سلمان قد يصبح ملكاً خلال ايام. وبذلك تكون المملكة العربية السعودية قد دخلت عهداً جديداً يختلف عن العهود السابقة بالشكل والمضمون والاهداف البعيدة.
فتعيين محمد بن سلمان ولياً للعهد تخطى بحد ذاته الاعراف السائدة في العائلة المالكة، بعد ان تخطى اسماءً كانت في موقع الاولوية للوصول الى الحكم.
ويبدو ان ولي العهد الشاب جاء بغطاء اميركي واضح، خاصة بعد الزيارات المكوكية التي قام بها صهر الرئيس الاميركي ترامب الى السعودية واسرائيل.
ولضمان وصوله الى المنصب القيادي الاول واستمرارية الحكم، عمد محمد بن سلمان الى اسناد الحقائب الهامة في المملكة وخارجها الى اخوته واقاربه والى شخصيات يثق بها، ثم عمد، تحت مسمى«مكافحة الفساد» الى اعتقال عدد كبير من الامراء والوزراء والشخصيات المؤثرة ووضع حظراً على اموالهم الطائلة، واشيع ان هذه الشخصيات كانت غير راضية عن الاجراءات الاخيرة وتعد لانقلاب ضد ولي العهد.
المتشائمون ينظرون الى هذه الاجراءات على انها عمل تقليدي تعتمده الانظمة العربية التي غالباً ما تصل الى الحكم عن طريق الانقلابات العسكرية. واول عمل تقوم به هو تصفية الزعامات المناهضة لها… هذا ما فعله صدام حسين وحافظ الاسد وبورقيبة ومعمر القذافي ومعظم القيادات الانقلابية.. وان ما يجري في السعودية هو انقلاب على تقاليد العائلة المالكة، خاصة ان ولي العهد هو، بنظر كثيرين، لا يزال شاباً متهوّساً ويفتقر للخبرة السياسية وللحكمة في ادارة شؤون المملكة في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها المنطقة بأسرها.
ويبدو ان ولي العهد يسعى للاستئثار بالسلطة وحصرها بيده والى احتكار جميع الجوانب السياسية والاقتصادية والامنية في المملكة، دونما باقي مكونات الاسرة الحاكمة.
ويرى مراقبون ان الاجراءات الجذرية التي يجريها ولي العهد ما كان تجرأ عليها لولا الدعم الكامل من الادارة الاميركية.
لقد بدأ اليوم في السعودية عهد «السلمانيون» الجدد، وفي واجهته وقيادته اخوة محمد بن سلمان: خالد وتركي وفيصل وعبد العزيز بن سلمان. ويؤازر العهد الجديد مجموعة من التكنوقراطيين الشباب من ذوي الكفاءات العالية ومنهم سعود القحطاني وخالد الصلح واللواء الركن احمد عسيري وعبد العزيز العونيي وياسر الرميان واحمد العقيل الخطيب وتركي الدخيل، وغيرهم. مع التعديلات الجديدة والاعتقالات لم يعد هناك آل فهد او سدايرة. الآن يوجد قوة واحدة اسمها محمد بن سلمان.
ويتخوف مراقبون ان تكون هذه الاجراءات الجذرية مقدمة لاحداث خطيرة. ألم يفعل ذلك جوزيف ستالين عند استلامه الحكم الشيوعي؟ او ادولف هتلر عندما اعد الماكينة الصالحة لشن حرب على اوروبا؟ فما هي القضايا التي يمكن ان تكون على آجندا محمد بن سلمان والمجموعة الحاكمة معه؟
< السعودية وايران:
لم يعد خفياً على احد ان السعودية ودول الخليج العربي هي مستاءة ومتخوفة من تمدّد ايران في العالم العربي من ايران حتى لبنان . كما ان السعودية مستاءة ايضاً من حزب الله ورئاسة الجمهورية في لبنان التي تنظر الى المقاومة اللبنانية على انها تنظيم عسكري داعم للجيش اللبناني والسلطة السياسية، وان الرئيس عون منح غطاءً سياسياً لمنظمة عسكرية تصفها السعودية «بحزب الشيطان» في دلالة على الكراهية لحزب الله ومحاولة نزع الصفة الالهية عنه.
وقد تضمنت رسالة الاستقالة التي اعدها السعوديون للحريري 3 نقاط جوهرية: محاربة ايران، ضرب حزب الله ومضايقة العهد ومعاقبته. فهل يعد محمد بن سلمان العدة لشن حرب جديدة على خصميه ايران وحزب الله ام انه يستغل قضايا خارجية لتدعيم موقعه داخلياً؟
معظم التوقعات تشير الى وقوع احداث سوداوية. فلبنانياً قد تكون السعودية متجهة لاتخاذ عقوبات محتملة على مثال النموذج القطري، من حصار اقتصادي الى ترحيل اللبنانيين من دول الخليج، دون اسقاط احتمال الخيار العسكري.
ولا يستبعد البعض ان خروج ولي العهد على التقاليد والاعراف التي تحدد العلاقات بين العائلة المالكة والتسرّع في اتخاذ تدابير قاسية بحق شخصيات ورموز سعودية والمغامرة في اقحام السعودية في نزاعات اقليمية قد تستخدم لاحقاً لضرب السعودية من الداخل والعمل على تفتيتها. فتخسر قسماً من اراضيها لصالح الشيعة العرب..؟!
< الصراع اللبناني السعودي
يلوم كثيرون رئيس الجمهورية العماد ميشال عون لعدم التزامه بالدستور والحفاظ على وحدة واستقلال البلاد ومرجعية القرار للدولة وحدها ويرى هؤلاء ان العماد عون الذي لا يزال يلتزم باتفاقية التفاهم (اتفاقية مار مخايل) مع حزب الله، ويتصرف وكأنه رئيس حزب وليس رئيساً للبلاد.
ويأخذ العديد من اللبنانيين على حزب الله الذي اكد رئيسه السيد حسن نصر الله، اكثر من مرة انه جندي في ولاية الفقيه وانه يتلقى المال والسلاح والتدريب والاوامر من ايران، وانه عمل في اكثر من ظرف على املاء شروطه على الحكومة وعطل البلاد اكثر من مرة بغية فرض شروطه واملاءاته. وآخر حلقة تعطيل عندما عانى لبنان طوال سنتين ونصف من الفراغ في رئاسة الجمهورية لفرض العماد ميشال عون رئيساً للبلاد.
ويشهد للرئيس سعد الحريري والدكتور سمير جعجع تقديم تضحيات كبيرة حفاظاً على رئاسة الجمهورية وحماية للسلم الاهلي، فقبل الاثنان برئاسة العماد عون بعد ان طرحا ما امكن من الشروط والتمنيات العمليه، وفي طليعتها معالجة سلاح حزب الله واستعادة سيادة البلاد وعدم جرّ لبنان الى حروب عبثية وتحاشي انتقال شعلة الحرب السورية الى اراضيه.
لكن للأسف الشديد، منح رئيس الجمهورية غطاءً سياسياً لحزب الله المنخرط في الحرب السورية وفي حروب اخرى داخل المنطقة. وعندما سئل الرئيس عون عن مصير حزب الله وعن موقفه منه، اجاب انه (اي حزب الله) قوة اقليمية.
ومع هذا الرأي الصريح عرّض الرئيس عون الوضع اللبناني للمزيد من التدخلات الخارجية لمعالجة قضية سلاح حزب الله، وبدا ذلك في تعليقات الرئيس الاميركي ترامب وموقف الادارة الاميركية والتدابير الاقتصادية المتخذة بحقه وحق من يدعمه، ويقصد هنا رئيس الجمهورية وتياره ومن يمثلهم سياسياً.
السعودية، وهي لاعب اقليمي هام استاءت من موقف رئيس الجمهورية. كما عبرت دول اوروبية عن عدم رضاها لما يجري على الساحة اللبنانية. فحزب الله، القوة الاقليمية، سوف يدخل البلاد في نزاعات اقليمية خطيرة، بالاضافة الى التوترات الدائمة مع اسرائيل. ولبنان، البلد العربي، يعتقد كثر انه غيّر مساره وانتماءه القومي بعد ان ساهم العهد بتطبيع وتمهيد مساعي حزب الله لتغيير الهوية اللبنانية وضم لبنان الى الهلال الايراني، ولا يخجل حزب الله من الاعلان بشتى الوسائل المباشرة والرمزية، انه هو الحاكم في لبنان، ضارباً بعرض الحائط المواقف والميول والانتماءات الاخرى وحرية التنوّع داخل المجتمع اللبناني.
ويتباكى اللبنانيون على رئيس الوزراء سعد الحريري ويحاول جماعة 8 آذار تحويل لب المشكلة انها بالدرجة الاولى مشكلة تحرير الرئيس المحتجز وليست مشكلة سلاح حزب الله ودوره في تهديد بلدان شرق اوسطية والمشاركة بالقتال في اكثر من مكان وليست قضية احتجاز حرية سعد الحريري سوى فاتورة يدفعها الحريري بسبب تفادي النزاعات الداخلية.
ربما اختار رئيس الوزراء ان ينفي نفسه وان يبقى في السعودية حفاظاً على حياته وسلامة عائلته، وهو يدرك من لقاءاته وتحليلاته ان البلاد والمنطقة باسرها مقبلة على سلسلة من الحروب العنيفة، ويجد نفسه غير قادر على مواجهة هذه التطورات بسبب غياب الدولة وانقسام الرؤيا ضمن الحكم في لبنان، وهو غير قادر حتى على حماية نفسه، ففضل البقاء في وطنه الثاني، السعودية.
فالمشكلة ليست في «تغيب» رئيس الحكومة بل بتغييب القرار اللبناني برمته وتشريع هيمنة حزب الله على لبنان.
للأسف الشديد، لست ادري كيف سيواجه الرئيس عون هذه الوضعية المتأزمة؟ ربما كما واجه في السابق ودفع لبنان وشعب لبنان العظيم الاثمان الباهظة. او ربما يريد ارتكاب نفس الخطأ الذي ارتكبه بعض «السنّة» خلال الحرب اللبنانية، عندما اعتقدوا انه بمقدورهم استخدام سلاح المقاومة الفلسطينية لتغيير المعادلة السياسية وتحقيق مكاسب جديدة لذا كانت الحرب اللبنانية؟؟
اليوم بيدو ان الرئيس عون يكرّر نفس الخطأ باعتماده على سلاح حزب الله، آملاً ان يصبح امبراطوراً على مثال نابليون بونابارت، فانتهى به المطاف الى النفي بعد ان دمّر فرنسا وقتل شبابها. فمن يراهن على مَن ومنَ يستفيد من الآخر؟
بالطبع اللبنانيون كلهم متضررون من هذه المواقف غير الدستورية التي تتعارض مع حجة وجود الرئاسة وحجة وجود لبنان التعددي فان كنا عاجزون عن معالجة سلاح حزب الله، فلندع القوى الاقليمية تعالج مشاكلنا، بعد ان رمينا شواذاتنا وشوائبنا عليهم، ونتهمهم الآن بالتدخل في شؤوننا الداخلية.
< العرب والفرس
قضية رئيس الوزراء سعد الحريري تعتبر ثانوية في ظل حرب النفوذ التي تدور به السعودية ودول الخليج من جهة وايران وحزب الله من جهة اخرى. ويدرك الحريري جيداً انه شخصية ثانوية في الحرب المريرة التي تدور في جميع انحاء الشرق الاوسط بين القوتين الاقليميتين اي السعودية وايران . ولا بد ان الايام المقبلة سوف تظهر الحقيقة وابعاد الصراع السني الشيعي المتمثل في هاتين الكتلتين.
والسعودية ليست الوحيدة التي تبدي قلقها من تمدّد ايران في منطقة الشرق الاوسط على حساب الدول العربية. فاسرائيل تخشى ايضاً من تعاظم قدراتها العسكرية، كما تتخوف من احتمال امداد حزب الله المرابض على حدودها باسلحة متطورة تشكل تهديداً مباشراً للدولة العبرية. وتشارك الولايات المتحدة مخاوف اسرائيل والسعودية وهي التي سمحت لايران مع مجموعة من الدول الاوروبية لتطوير قدراتها النووية غير العسكرية. وقد تراجع الرئيس الاميركي عن هذا الغطاء المعنوي وطالب، كاسرائيل بضرورة وضع حدّ للنفوذ الايراني في الشرق الاوسط.
وان كانت اسرائيل تقف موقف المتفرّج على النزاع المتنامي بين خصومها، فانها دون شك ستنجر الى الحرب في حال وقوعها، ليس دفاعاً عن السعودية، بل حفاظاً على وجودها ومصالحها، ولترسيخ نفوذها في الشرق الاوسط والتخلص من تهديدات حزب الله وايران بعد ان مال العرب الى تطبيع علاقاتهم معها.
ويجب الا نتناسى ان الغرب الذي يتخوف من تعاظم القوة الاسلامية في العالم، لا يمانع بالتالي من تأزيم العلاقات المذهبية وتحويل البترو دولار في ازمات لا تثمر الا القتل والدمار.
ان ولادة شرق اوسط جديد ستكون ولادة عسيرة وباهظة الثمن. وعوض ان يتباكى اهل الحكم في لبنان على فقدانهم الرئيس سعد الحريري الموجود في السعودية، وهي بلده الثاني عليهم معالجة اسباب المشكلة واخراج لبنان من مأزق الانجرار الى الحروب التي تلوح في الأفق.
فمن نلوم فعلاً لوصول الاوضاع الى ما هي عليه الآن؟ انلوم سعد الحريري المستقيل والمهدد بالقتل والمنفى، ام نلوم رئيس الجمهورية الذي يحتضن الآن سعد الحريري المستبعد ويغطي حزب الله المهيمن على البلد؟

اصغر طفل في لبنان يعي خطورة المرحلة وبامكانه توقع عواقبها. فلماذا يتجاهل اهل الحكم في لبنان خطورة ما يجري ويسمحوا باقحام لبنان في حروب الآخرين؟
حمى الله لبنان من زعامات فاشلة في ادارة اجمل بلد في العالم، لبنان الرسالة التي تسلب منه يوماً بعد يوم.
لانقاذ البلاد على جميع اللبنانيين تكرار فعل ايمان جديد بلبنان ووضعه في طليعة اولوياتهم، لأن لا احد هو اكبر واهم من هذا الوطن الصغير.