ملفات خطيرة تواجه لبنان

( الحلقة الاولى )

بقلم بيار سمعان

معظم اللبنانيين يطالبون بقيام الدولة وبفرض سلطتها بالعدل والمساواة على جميع الاراضي اللبنانية. وجميع الاحزاب والقيادات يرددون باستمرار بضرورة دعم القيادة المركزية للسلطة في لبنان.
لكن بالرغم من الانجازات التي حققها الجيش اللبناني من ناحية تحرير الاراضي اللبنانية التي سيطرت عليها «داعش» و«النصرة» ورغم المساعي الحثيثة للامساك بالأمن والحؤول دون تهديد السلم الاهلي على يد مجموعات متطرفة داخية، لا يزال لبنان يواجه العديد من الملفات والمخاطر التي تعيق قيام الدولة «القادرة والعادلة» وتهدد سلامة المواطنين. مخاطر بعضها داخلي والبعض الآخر خارجي بامتياز.
فما هي المخاطر الداخلية التي تشكل تحديات يومية في وجه «الدولة» وتقلق حياة المواطنين؟

< غياب الوحدة الوطنية.
من النتائج السلبية التي انتجتها الحرب اللبنانية وفرضتها الوصاية السورية هو قيام «إمارات» اقطاعية مذهبية تذكر بمرحلة الحكم العثماني. لذا يلاحظ اليوم وجود محميات طائفية سياسية يسيطر عليها «زعماء محليون» يتحكمون بالمجموعات السكانية المتواجدة في مناطقهم، من ناحية القرارات السياسية والتوجهات الكبرى وفرض الأمن الذاتي، واللعب على المشاعر العصبية القبلية والمذهبية، وتحصيل المنافع المتنوعة للمناصرين باسم المحاصصة.
التحدي الأكبر الذي يواجه قيام الدولة هو نقل الواقع من مفهوم «الإمارات» الى سيادة واولوية «الدولة» والولاء لها.
ويتجلى غياب الوحدة الوطنية ليس فقط بسبب الانقسامات الطائفية والمذهبية، بل ايضاً في هيمنة مناخ سياسي وثقافي ومؤسساتي متمايز يكرّس التباعد فيما بين المجموعات البشرية التي اتخذت طابعاً مذهبياً تؤسس تربة حاضنة لمشاريع التطرف، وفرزاً سكانياً قد يطالب بالفيدرالية او الادارة الذاتية في ظل غياب العدالة الانمائية والمضايقات ومشاعر القلق على المصير…
ومع وجود السلاح بيد مجموعات متناحرة تصبح احتمالات الصدام الداخلي خطراً حقيقياً على وحدة البلاد، خاصة بعد ان فشل المسؤولون ورجالات السياسة في معالجة الاسباب التي ادت الى نشوب الحرب اللبنانية التي خلفت مئات آلاف الضحايا وهجرت اكثر من مليوني لبناني وشلت مساعي بناء دولة حديثة ديمقراطية وعادلة وانتجت طبقة جديدة من اثرياء الحرب والزعامات السياسية.

– السلاح وانتشاره بيد الشعب
ليس خافياً على احد انتشار السلاح بيد اللبنانيين وغير اللبنانيين. ولا يمضي اسبوع الا ويسجّل فيه وقوع ضحايا بين المدنيين، اما عن طريق الخطأ او لفض خلافات شخصية او نتيجة لإطلاق الرصاص العشوائي بمناسبة او غير مناسبة.
لكن الأخطر هو انتشار السلاح في يد الاحزاب والمنظمات ومجموعات دينية. وقد يكون سلاح حزب الله الأخطر على قيام الدولة بعد ان تحوّل الحزب الى جيش نظامي يمتلك «ألوية ورتباً عسكرية واسلحة متنوعة بالاضافة الى منظومة صواريخ يقدّر عددها بالآلاف. وهذا دفع سائر اللبنانيين، من مذاهب وطوائف اخرى الى اقتناء السلاح، ولو لم يعلن عنه، تحسباً لأي طارئ، لا سمح الله.
فالمجتمع اللبناني التعددي والطائفي بامتياز لا يمكن ان يستتب الأمن والاستقرار فيه، كما لا يمكن منح الثقة الكاملة للطبقة الحاكمة، طالما يوجد على ارض الوطن سلاح غير منضبط ولا يأتمر بأوامر الدولة.
فالشعور بالفوقية من ناحية، يدفع الآخرين الى التسلّح من اجل حماية الذات. والوطن التعددي لا يمكن ان تستقيم فيه الأمور طالما تستقوي فئة واحدة على سائر المواطنين بقدرتها العسكرية.
ولا نستثنى السلاح الفلسطيني ومدى الاخطار التي يشكلها على الوضع الداخلي، خاصة بعد انتشار الافكار الاصولية لدى مجموعات فلسطينية داخل المخيمات، يصعب الوصول اليها وضبطها من قبل السلطات اللبنانية.
فانتشار السلاح يعطل عمل الدولة ومؤسساتها ويجعلها غير قادرة على الامساك بزمام الأمور والبت في الأمور المصيرية، ان كان من ناحية قرار السلم اوالحرب، او من ناحية افتعال المشاكل وتفجير الاوضاع الداخلية، وهي بالأساس دقيقة وحساس للغاية.

– التجارات غير المشروعة
ومع انتشار السلاح، ظهرت تجارات وممارسات غير مشروعة، مثل تجارة المخدرات، ( زراعة وتصنيعاً وتوزيعاً. وعمليات السرقة والتعديات والخطف من اجل الخوة. ويمكن ذكر مئات الامثلة التي وقعت خلال السنوات الماضية.
هذا الواقع يزيد من مستوى المخاطر التي يواجهها اللبنانيون، خاصة فئات الشباب المحبط بسبب سوء الممارسات لدى السياسيين. وقد لاحظت مؤسسات مكافحة المخدرات في لبنان ارتفاعاً في عدد المدمنين وتفشي المخدرات داخل المدارس والجامعات وقد القت القوات الأمنية القبض على 1162 تاجر مخدرات وموزع او مدمن في سنة 2012، وارتفع هذا العدد الى 2162 حالة في سنة 2016. هذا بالاضافة الى كون لبنان هو بلد عبور هام لتجار المخدرات بمختلف الاتجاها، شرقاً وغرباً.

– ارتفاع نسبة البطالة:
تقدّر نسبة العاطلين عن العمل حوالي 32 بالمئة من عدد اللبنانيين في عمر الانتاج. وهذه نسبة مرتفعة في بلد يعتمد بشكل عام على الزراعة والسياحة والخدمات والصناعة المحدودة وعلى حركة الترانزيت ومساهمة المغتربين.
وفيما يعتقد البعض ان نسبة العاطلين لا تتجاوز 9 بالمئة بسبب عامل هجرة الشباب اللبناني الى الخارج طلباً للعمل، خاصة الى دول الخليج العربي، يرد المحللون ارتفاع البطالة الى عدم استقرار الاوضاع في البلاد وغياب فرص العمل في مختلف المناطق اللبنانية وحصرها في قطاعي الزراعة والخدمات.
كما يربط المراقبون تفشي البطالة بدخول حوالي مليون ونصف لاجئ سوري، حملوا معهم مهارات وخبرة وثقافة ومهن حرة وعدداً كبيراً من اليد العاملة التي لا تفاوض في مستوى الأجور بل تقبل ما يُعرض عليها. ويؤكد هؤلاء ان نسبة البطالة بعد دخول اللاجئين السوريين اصبحت تقدّر بين 24 و32 بالمئة. ويعتقد ان اللاجئين السوريين يعملون في قطاعي الزراعة والخدمات (50 بالمئة) وقطاع البناء (12 بالمئة) ولجأ آخرون الى المهن الحرة.
كما يعتقد ان عدد فرص العمل في السوق اللبنانية لا يزيد على 3400 وظيفة سنوياً. ويوجد بالمقابل 23 الف باحث عن عمل في السوق اللبنانية.
هذا الواقع غالباً ما يؤدي الى الهجرة او قبول وظيفة لا تتلاءم مع كفاءات المواطن اللبناني واختصاصه، او اللجوء الى اعمال غير مشروعة لتحصيل لقمة العيش.

– الهجرة اللبنانية
غياب فرص العمل وعدم الاستقرار والحاجة هي من المسببات الاساسية للهجرة، وتقسم الى 3 انواع:
1 – الهجرة الداخلية
2 – الهجرة المؤقتة
3 – الهجرة الدائمة

1 – فالهجرة الداخلية تتلخص بانتقال اليد العاملة اللبنانية من القرى والمناطق الريفية بحثاً عن عمل في المدن. هذا التدبير لديه انعكاسات عديدة على القرى التي تفقد مع الوقت فئات الشباب وتتسبّب بإهمال الاستثمارات الزراعية واحتمال «تبوّر» الاراضي وانتقال القرى من حالة الانتاج الى وضعية الاستهلاك، حتي للمواد الأولية التي كانت تنتجها في السابق.
2 – الهجرة المؤقتة للعمل وتشمل فئة الشباب المتخصص واليد العاملة في عدد من المجالات. وتقتصر هذه الهجرة على دول الخليج العربي حيث يستحيل على المهاجر الحصول على جنسية البلاد. بل تقتصر اقامته على العمل الذي يقوم به والعقود التي يبرمها مع الشركات وارباب العمل.
ويحتل معظم هؤلاء مواقع ادارية او تخصصية هامة وتقدّر الاموال التي يرسلونها الى لبنان بحوالي 5 مليار دولار سنوياً.
ويعمل اللبنانيون في قطاعات البناء والتجارة والمصارف والاعلام وادارة اعمال والاتصالات الالكترونية وقطاع الخدمات العامة . كما يقدّر ان 51،8 بالمئة منهم من اصحاب الاختصاصات الجامعية و35 بالمئة يحتلون مناصب ادارية ويتقاضون اجوراً مرتفعة. كما يقدر عدد اللبنانيين العاملين في دول الخليج العربي بحوالي 135 الف.
هذه الوضعية تفرض على الدولة اللبنانية كما ترغم مختلف المكونات الاساسية على اعتماد سياسة النأي بالنفس» حيال الخلافات والاحداث العربية، خوفاً من التسبّب بطرد اللبنانيين العاملين في تلك المنطقة.
3 – الهجرة الدائمة
للبنان حكاية، لا بل ملحمة طويلة مع الهجرة بحكم موقعه الجغرافي والازمات العديدة التي مرّ بها عبر العصور وقد تكون «المملكة اللبنانية» اليوم هي الوحيدة التي لا تغيب عنها الشمس بفعل تواجد اللبنانيين في مختلف بلدان العالم وحضورهم المميّز والنجاحات التي حققوها أينما اقاموا.
لكنني اتحدث الآن عن الهجرة الدائمة الحالية الى بلدان تمنح المهاجرين حق الاقامة والجنسية وحق المواطنة الدائمة.
بعد حرب 2006 بين اسرائيل وحزب الله، اجري استطلاع لعيّنة من الشباب اللبناني تتراوح اعمارهم بين 21 و45 سنة. واكد 60 بالمئة منهم انهم يرغبون بالهجرة الى بلد جديد يوفر لهم سبل العيش الكريم والاستقرار لعائلاتهم. وربط 60 بالمئة من هؤلاء قرارهم بأجواء الحرب وعدم الاستقرار وغياب فرص العمل فهي تدفعهم لاتخاذ هذا القرار.
وفي سنة 2005 بلغ عدد المهاجرين الى الخارج 621،903 اي ما يوازي 17،4 من سكان لبنان. ويتجه اغلبية المهاجرين الى دول اوروبا، كندا، الولايات المتحدة، استراليا واميركا اللاتينية.
وفيما يرحل اللبنانيون عن وطنهم، يجري استبدالهم بأمواج اللاجئين والعمال الأجانب اذ كشف آخر تقرير صادر عن الأمن الداخلي ان عدد الأجانب في لبنان اليوم يوازي نصف سكانه.
وسوف اخصص حلقة خاصة لمعالجة هذا الموضوع نظراً لأهميته البالغة وانعكاساته على مختلف المستويات الاجتماعية والاقتصادية والديمغرافية والسياسية وعلى مستقبل البلاد بشكل عام.
ومن الأمور الاخرى التي تهدّد قيام الدولة في لبنان اذكر بشكل عرضي:
البنى التحتية التي لا تتلاءم مع النمو السكاني وحركة الاعمار، وتشمل هذه الطرقات والكهرباء والتمديدات الصحية، والاستشفاء، غياب العدالة الانمائية بين المناطق، وانتشار ظاهرة الفساد وتفشيها لدى المسؤولين وفي مؤسسات الدولة، وغياب الضمانات الاجتماعية وانتشار الفقر وزيادة الفجوات بين الطبقات الاجتماعية.
كما يهدّد لبنان عدم ضبط الحدود ومعرفة الداخلين والخارجين دون رقيب او حسيب. اضف الى ذلك الخلايا الارهابية النائمة وما تشكله من تهديدات للاستقرار الداخلي.

خاتمة:
لبنان الميثاق والعيش التكاملي، لبنان الدولة والقانون والسيادة، لبنان الأمن والازدهار لن تقوم له حيلة ان لم يصمّم جميع اللبنانيين، بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم العقائدية والسياسة على ابرام ميثاق جديدة فيما بينهم يضع «لبنان اولاً» في سلّم اولوياتهم، ويلتزم بموجبه جميع اللبنانيين على وضع المصلحة الوطنية فوق كل الاعتبارات.
فعلى اللبنانيين ان يقرروا ، اما الحفاظ على لبنان، وهو «رسالة الانسانية» الى العالم او الحفاظ على الوضع السائد من اجل حماية طبقة من الحكام الفاسدين.

( يتبع : المخاطر الخارجية التي تهدّد لبنان)