ماذا بعد استقالة الحريري ؟؟

فاجأت استقالة الرئيس سعد الحريري العديد من الانصار والاخصام في نفس الوقت. فانبرى الموالون للدفاع عن هذه الخطوة المفاجئة فيما انهالت الانتقادات من الخصوم الذين شككوا في نوايا الحريري وتوقيت الاستقالة والمكان الذي صدرت منه. وذهب البعض ابعد من ذلك فادعوا ان الرئيس سعد الحريري ارغم على الاستقالة وهو قيد الاحتجاز في السعودية وانه معتقل يجرى التحقيق معه حسب ادعاء الوزير السابق وئام وهاب.
وكان البعض ينتظر ان يتعرض الحريري لضغوطات تمارسها السعودية عليه لكنهم لم يتوقعوا استقالة الرئيس سعد الحريري. وصدم الرئيس بري بها وتفاجأ اركان الدولة والمسؤولين، اذ ان احداً لم يكن يتوقع مثل هذه المفاجأة.
فما هي اسباب استقالة الحريري
يعتبر مؤيدو سعد الحريري ان التنازلات التي قدمها رئيس الوزراء المستقيل من اجل حماية الوحدة الوطنية والسلم الاهلي هي كثيرة، مما ادى الى امتعاض الشارع السني وخسارة تيار المستقبل شعبيته التقليدية. فالحريري عاكس توجهات الشارع السني وأيّد العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية لأن الفراغ، حسب رأي الحريري، يسيء الى الاستقرار ويضر بالاقتصاد ويفتح المجال امام الاعمال العبثية المتطرفة.
وفي اكثر من مناسبة اعلن سعد الحريري عن امتعاضه من هيمنة حزب الله وايران على القرار السياسي. ورافق ذلك احتضان الرئيس ميشال عون للمقاومة ومنحها صك براءة واعتبارها مكملة وداعمة للجيش اللبناني.
لكن ما حدث خلال معارك جرود رأس بعلبك واسراع حزب الله للتفاوض مع مقاتلي داعش واطلاق سراحهم شكل صدمة للمجتمع اللبناني، واثبت مرة اخرى ان القرار الاخير في الأمور المصيرية يعود لحزب الله وليس للدولة اللبنانية.
وبدا في اكثر من مناسبة ان الحكومة غير قادرة على تطبيق سياسة النأي بالنفس وتحولت الى «شاهد زور» في اكثر من مناسبة. فمشاركة حزب الله في القتال داخل سوريا جعل لبنان طرفاً فاعلاً في ازمة الشرق الاوسط والحروب الدائرة في اكثر من بلد، اضف الى ذلك صفقة ترحيل مقاتلي داعش ومحاولة تطبيع العلاقات مع نظام بشار الاسد ومنحه غطاءً سياسياً ودعماً معنوياً، رغم كل الاعتبارات السابقة والممارسات المسيئة التي اعتمدها الجيش والحكم السوري في لبنان ايام الهيمنة على البلاد..
فالحريري لم يغيّر خطه السياسي والتزامه بقاعدته الشعبية ومبادئ ثورة الارز وشعار لبنان اولاً، لكنه منح فرصة اضافية للعهد الجديد ان يقلع ولحزب الله ان يعود الى احضان الوطن ويتخلى عن ولاية الفقيه.
لذا بدت استقالة الحريري وكأنها بمثابة اسقاط للتسوية السياسية التي اوصلت عون الى رئاسة الجمهورية ورفع الدعم السني عنه بعد ان فضل الالتزام بتفاهمات سابقة عقدها عندما كان رئيساً للتيار، ولم يتخل عنها بعد ان اصبح رئيساً للجمهورية واباً للجميع دون تمييز.
كما اريد لهذه الاستقالة ان ترفع الغطاء عن «حزب الله» بعد ان تحوّل الى قوة عسكرية اقليمية فاعلة تحركها ايران التي تسعى الى اكمال «الهلال الشيعي» وضم الحلقة الاخيرة وهي لبنان، بعد ان امسكت ايران الورقة العربية. حتى ان الرئيس روحاني اعلن بكل ارتياح انه لا يمكن في الوقت الحاضر اتخاذ اي اجراء حاسم في العراق وسوريا ولبنان وشمال افريقيا ومنطقة الخليج من دون ايران.
وفي آخر محطة له في لبنان اعلن مستشار المرشد الايراني للشؤون الدولية علي اكبر ولايتي بعد لقائه الحريري ان الانتصار اللبناني السوري العراقي ضد الارهابيين يشكل انتصاراً لمحور المقاومة. ولايتي ضم لبنان الى المحور الايراني دون استشارة اللبنانيين، وعكس بالتالي نوايا حزب الله لتكريس ضم لبنان الى هذا المحور.
ويجب الا نتناسى انه في 12 شباط 2011 اقدم وزراء امل وحزب الله والتيار الوطني الحر على الاستقالة من حكومة الرئيس سعد الحريري بسبب الخلافات حول المحكمة الدولية التي تنظر في عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري و22 آخرين. وشكلت هذه الاستقالة صدمة لسعد الحريري كما شكلت استقالته اليوم صدمة يحاول الجميع تخطيها بسلام. واعتبر البعض ان سعد يرد الكيل لمن طعنوه اكثر من مرة..!!
قد تكون هذه بعض العناوين العريضة التي اريد لها ان تستخدم كخلفية سياسية للاستقالة لكن من يقرأ بتمعّن مضمون نص الاستقالة واطلاقها من السعودية عبر وسيلة اعلامية سعودية، ومَن يسعى لتخيل الحالة النفسية للرئيس سعد الحريري وهو يعلن استقالته، يشكّك في صحة هذه الاستقالة ويقتنع انها تأتِ نتيجة لضغوط سعودية.
فحالة التوتر لدى سعد الحريري، والنبر ة العالية والفجة ضد حزب الله وايران ليست من ادبيات سعد الحريري «المعتدل» الذي يرغب بالتعاون مع كافة الاطراف انقاذاً للوطن وللحفاظ على امنه».
فالبيان الذي قرأه الحريري كتب له وطلب اليه قراءته. ويبدو للوهلة الاولى ان كل ظروف ومعطيات الاستقالة ليست مقنعة لا في الشكل ولا المضمون او المكان والوسيلة. فلماذا لم يعلن الحريري استقالته من لبنان وعملاً بالاصول الدستورية؟
ويرى البعض ان الحريري الذي يتجه في سياسته الى خفض الاحتقان والتوتر الداخلي، لم يكن لديه اسباب تدفعه الى الاستقالة. فالمقصود سعودياً هو اعادة الحريري كمواطن سعودي يحمل الجنسية السعودية بالولادة وملاحقته قانونياً لاسباب داخلية. فالاستقالة تنزع عنه الحصانة السياسية. الحديث عن اغتياله هو مجرّد تبرير امني لابقائه في السعودية. ويربط البعض هذه القضية بالملاحقات القانونية والاعتقالات لشخصيات هامة، منها الأمير بن طلال و 11 آخرين، بحجة الفساد وتبييض الاموال والاحتيال على القانون.
ووصف السيد حسن نصرالله استقالة الحريري انها قرار سعودي أَملي على الحريري وانه قرار مجنون. ورفض رئيس الجمهورية قبول الاستقالة قبل عودة الحريري الى لبنان. كما اعتبر وئام وهاب ان الحريري هو محتجز في السعودية بعد ان اعلن ان السعودية غير قادرة على «اجباره على شيء». واعتبر ان ولي العهد محمد بن سلمان لم يكن قادراً على تنفيذ هذا الانقلاب دون شعار سياسي كبير، لذلك اختار «ايران وحزب الله» عنواناً لهذه المؤامرة.
< اعتقال الحريري
وانتشرت روايات كثيرة حول «القبض على سعد الحريري» المواطن السعودي. وعلم ان بهية الحريري عمة رئيس الوزراء اتصلت بولي العهد محمد بن سلمان تطلب الرأفة بسعد واطلاق سراحه ليعود الى لبنان. فرفض بن سلمان التحدث اليها. وقال لها السكرتير ان سعد مواطن سعودي متهم بالفساد وان المحكمة وحدها هي من تقرر اطلاق سراحه او حبسه…
وكان سعد الحريري قد ايقن ان استدعاءه الى السعودية في زيارة عمل لمعالجة مشكلة شركته، اوجيه سعودي المالية. لكنه تفاجأ عند وصوله الى قصر بن سلمان ان الحراس قاموا بتفتيشه بدقة واخذوا ساعته وهاتفه وحتى حزام بنطلونه قبل ان يسمح له بالدخول الى مكتب محمد بن سلمان الذي استقبله بالشتيمة. وامره بالدخول الى غرفة مجاورة وتسجيل كلمة متلفزة مكتوبة سلفاً وانه لن يسمح له بالعودة الى لبنان.
وفوجئ الحريري بمضمون الرسالة، وهي استقالته، لكنه قرأها على مضض. وبعد خروجه من الغرفة اعلمه سكرتير بن سلمان بأنه قيد الاقامة الجبرية ولا يحق له مغادرة قصره لأنه متهم بالفساد المالي من خلال شركة سعودي اوجيه.
وصدر بعد ذلك امر بإلقاء القبض على عدد من الامراء والوزراء بتهم الفساد المالي ونقلوا الى الطابق السفلي من مكتب ولي العهد محمد بن سلمان حتى يكونوا بحراسة القوات الموالية له.
ويرى البعض ان التوقيفات التي تأخذ مداها في السعودية هي سيف ذو حدين: الاول القضاء على الفساد والمفسدين والثاني هو كتوجيه رسالة ان الخروج على طاعة العهد ووليه محمد بن سلمان سوف يتسبّب بالملاحقة. ويتساءل البعض لماذا يمهّد ولي العهد بهذا المقدار من التشدّد وما هي الخطوات اللاحقة والخطيرة التي قد تلجأ اليها السعودية لمواجهة اخصامها في الداخل والخارج وعلى رأسهم ايران وحزب الله؟؟
< استقالة الحريري هل هي جدية ام تصفية حسابات؟
رغم كل ما يحدث داخل السعودية من توقيف امراء ورجال اعمال وسياسيين بتهم الفساد، وقد يكون الحريري احدهم، لكن العديد من المراقبين يصرون ان استقالة الحريري هي جدية، وان رئيس الوزراء اللبناني يقيم مع عائلته في منزله الخاص. وان ما اشيع حول استقالته المفروضة هو مجرد اشاعات لتبرير وجوده في السعودية، لأن الحريري اجرى عدة اتصالات مع رئيس مجلس النواب نبيه بري ومع رئيس الجمهورية وآخرين.
ولا تستبعد مصادر تيار المستقبل عودة سعد الحريري الى لبنان خلال 48 ساعة لكنني استبعد ذلك. ويذهب المحللون الى التساؤل حول تعليقات وزارة الخارجية الايرانية التي وصفت اعلان رئيس الحكومة اللبنانية استقالته انه سيناريو صهيوني سعودي اميركي لتأجيج التوتر في لبنان والشرق الاوسط كله. واتهم بهرام قاسمي الحريري انه يلعب في ارض الذين يضعون خططاً ضد المنطقة ، وان الرابح في هذا الميدان هو اسرائيل وليست الدول العربية والاسلامية، مذكراً ان اسرائيل تعتاش على التوتر بين هذه الدول العربية.
لكن السيد بهرام قاسمي يتناسى ان ايران تلعب دوراً هاماً في هذا التوتر، خاصة بعد ان امتدت قواتها ونفوذها من ايران الى لبنان واصبحت الحكومة اللبنانبة حكومة تصريف اعمال للارادة الايرانية.
لكن مهما يقال عن استقالة سعد الحريري المفاجئة، فانها دون شك تنذر بدخول المنطقة في حلقة جديدة من التوتر المباشر مع ايران وحلفائها. ونذكر هنا انشاء الحلف العربي الذي يضم السعودية ومصر والامارات ودول سنية اخرى لمواجهة المد الفارسي الذي يقضم الدول العربية الواحدة تلو الأخرى.
وتشير آخر التعليمات ان الولايات المتحدة سوف ترفع من حدة العقوبات ضد حزب الله وتفرض على الدول المعنية الالتزام بكامل تفاصيلها وتشعباتها.
كما سرت اشاعات ان القوات السعودية قد تبدأ في اية لحظة بشن هجمات ضد حزب الله وايران وتدعمها القوات العربية الى جانب اسرائيل والولايات المتحدة عند الضرورة، وان ما يزيد على 300 مقاتلة هي على اسعداد لاستهداف الوجود الايراني، خاصة في سوريا.
باعتقادي ان نهاية داعش هي مؤشر آخر على مساعي فتح جبهات قتال جديدة وقد يكون حزب الله وايران هدفاً لها.
بانتظار ان تنجلي الامور وعودة الحريري الى لبنان، في حال سمح له العودة، سيلجأ العهد الى تأليف حكومة تكنوقراط تضمن اجراء انتخابات نيابية او على الأقل تصريف اعمال العهد، اذا سمحت الظروف بذلك. فلا يمكن للعهد والوطن ان يبقيا في حال الترقّب والانتظار، لأن الظروف الداخلية والاقليمية لا تسمح بذلك.
تبقى المعضلة الاولى هي في كيفية تعامل العهد مع السنة في لبنان ومع السعودية ودول الخليج التي تدور في فلكها؟؟ خاصة بعد ان تبين ان سعد الحريري ليس محتجزاً في السعودية، بل التقى امس العاهل السعودي في الرياض وان صحّت هذه التسريبات، فان استقالة الحريري تتخذ ابعاداً اخرى تثير قلق المعنيين في لبنان والخارج.
فهل يعود الحريري يوماً الى لبنان وهو مطأطأ الرأس ام انه سيعود زعيماً وطنياً بعد ان اعاد الوطن الى اهله؟؟