لبنان بعد 40 سنة

اكبر خيبة امل أُصبت بها عندما ارغمتني ظروف الحرب اللبنانية على مغادرة بلادي في اواخر سنة 1977. فأنا لم اكن مقتنعاً ان حرب الفلسطينيين على لبنان سوف تعيدهم الى بلادهم او ان «السنّة اللبنانيين» سيتمكنون من تغيير المعادلة والواقع وان المحرومين سوف يتخلون عن حالات الحرمان وهي حالات مشتركة لدى جميع اللبنانيين. ولم اكن واثقاً انني سوف احمي مسيحيي لبنان ضد الجحافل التي رغبت باقتلاعهم من جذورهم لأن العناية الإلهية هي التي تحميهم في آخر المطاف.
باختصار لم ارغب ان ألطّخ يديي بدماء ابرياء كما انني رفضت ان أُقتل دون سبب على يد قناص او مسلّح صوروا له ان العدو يقيم في «المناطق الشرقية». بكل بساطة كنت ادرك في اعماق وجداني ان العرب لا يخططون بل ينفذون وان جميع الفئات المسلحة هم مجرّد ادوات تحركها اصابع خفية، وجميعهم لا يدركون حجم الاخطاء التي يرتكبونها عن وعي او جهل ضد الوطن والانسان والتاريخ.
كآلاف اللبنانيين حملت حقيبتي لاقتناعي ان الحرب اللبنانية لن تثمر خيراً لأحد وان الحروب عامة لا يمكنها اصلاح اية اوضاع في الدول التي تندلع فيها.
آخر مشهد اتذكره بعد الابحار من جونية هو تمثال سيدة لبنان في حريصا. نظرت اليها ضارعاً: «يا سيدة لبنان احمي لبنان…» دمعت عيناي لأني كنت على يقين ان لبنان لن يكون كما عهدته وحلمت به ان يكون. وصممت في تلك اللحظة الا اعود اليه مجدداً قبل ان تعود الدولة والقانون والأمن الى ربوعه. كما ادركت من معايناتي الخاصة ان نار الحرب المشتعلة على الساحة اللبنانية سوف تنتقل شرقاً وتقضي على «الأخضر واليابس» وانها لن ترحم الغرب المتخاذل بسبب الاخطاء التي ارتكبها بحق لبنان.
بالأمس، وبعد حوالي 40 سنة عدت مجدداً الى لبنان الوطن الذي حملته في ضميري وانسانيتي، لبنان الذي غادرته قصراً دون ان يغادر قلبي ومشاعري وهمومي اليومية. هذا الوطن الصغير وهو رسالة الايمان والتعايش والسلام والحضارة الى العالم، حاولت طوال السنوات الاربعين ان اعيد اليه الوزنات الخاصة التي منحني اياها وان اخدم قضيته ضمن امكانياتي المتواضعة مذكراً سكانه المغتربين ان لا قوة قادرة على اقتلاع اي فريق من مكونات المجتمع اللبناني وان التعايش والتكامل بين ابنائه هو الحل الوحيد لكل مشاكلنا الاجتماعية والسياسية والوطنية، وانه من العبث البحث عن حلول خارج الحدود…!!
من البديهي ان يسألني اصدقائي: «كيف اصبح لبنان بعد هذه السنوات الطوال؟ وما هي التحولات التي لاحظتها على ارض الواقع؟»
لن اكرر ما قاله آخرون ان لبنان بألف خير لأنه بامكان المواطن ان يتنقل مجدداً في المناطق اللبنانية دون اية موانع او حواجز. فاصبح بمقدوره ان يسهر في جونيه ويسكر في «عيون ارغش» ويتناول «الحمص والفول» في مطاعم طرابلس او يسبح في شاليهات الهري والجيه ويزور عنايا وحريصا مهما كانت معتقداته… فهذه المظاهر كانت تمارس حتى في «عز الحرب» .
التحولات التي جرت على الساحة اللبنانية هي اعمق بكثير من هذه الممارسات الاجتماعية واختصرها كالتالي:

– ارتفاع عدد السكان
رغم اعمال القتل والتهجير ارتفع عدد سكان لبنان الى ما يقارب 4 ملايين ونصف نسمة. ورافق هذا النمو السكاني حركة اعمار كثيفة وحالات من الفرز السكاني. وارغم اللبنانيون مجدداً للعودة الى قراهم وبلداتهم «الآمنة». فشهدت حركة لافتة من الاعمار، ساهم بها المغتربون واثرياء الحرب. كما شهد لبنان طوال هذه السنوات نشوء مجمعات سكنية اقيمت على الاملاك العامة او على اراضٍ خاصة هجرها اصحابها لآسباب امنية. فغياب الدولة وقيام «امارات» مذهبية تتمتع بنوع من الادارة الذاتية ساهمت في بروز هذه الظاهرة تحت ذريعة «الحاجة تبرر الخطأ».
فالمجتمع الاهلي يواجه اليوم اشكاليات عديدة بسبب هذه المخالفات التي تجد الحكومات المتعاقبة صعوبات جمة في معالجتها. وأن بقاءها هو نذير شؤم على تعديلات جغرافية محتملة.
ارتفاع عدد السكان وحركة الاعمار لم يرافقهما تحديثاً ملائماً في البنى التحتية مما تسبّب بأزمات سير خانقة، خاصة في المدن والبلدات التي تحولت فيها الازمة الضيقة الى شوارع يصعب سلوكهاوازمة كهرباء ومياه وتلوث بيئي واللائحة تطول…
وعندما تتحدث عن المشاريع العامة تفوح روائح الفساد وسوء الأمانة في تنفيذ المشاريع الكبرى. فالرشوات والسرقات والمحسوبيات والاستفادة غير الشرعية من المال العام اصبحت جزءاً من الحياة اليومية. ولا تخلو مؤسسة حكومية من ثغرات تسمح للوزراء والمدراء العامين من سرقة المال العام بطرق شرعية وتحقيق الإثراء على حساب المصلحة العامة. وساهمت هذه الظواهر بنشوء طبقات جديدة من الاثرياء الجدد دعمتهم روابط «التزلم والمحسوبيات». فلكل وزير او زعيم سياسي «حاشيته» المستفيدة من هذه الخدمات غير المشروعة، فأصبحت واقعاً يصعب معالجته بسبب تكريس الفساد داخل المؤسسات الحكومية وانماط الحياة اليومية.

– ازمة البطالة
يقدّر البعض ان نسبة البطالة في لبنان تتراوح بين 43 و60 بالمئة . وتشكّل هذه النسبة المرتفعة مشاكل حياتية تعود الى اسباب عديدة فغياب الاستقرار السياسي يؤثر سلباً على الازدهار الاقتصادي بشكل عام. اضف الى ذلك عوامل عديدة اخرى اهمها:
ارتفاع مستوى التعليم في لبنان لدى فئات الشباب وتدني الأجور بسبب المزاحمة الناتجة عن وجود حوالي مليون ونصف لاجئ سوري. فاللبناني يرفض العمل في مجالات عديدة لاعتبارات شخصية وهو يفضل الهجرة الى دول الخليج او الى الغرب. كما انه تخلى الى حدّ ما عن الاستثمارات الزراعية. فتحولت الاراضي الزراعية الى «ارض بور» بسبب الاهمال وعدم الاستثمار فيها. الاراضي التي اعتاش منها اللبنانيون سابقاً وكانت مصدر رزق واثراء اهملت او تحولت الى مواقع اسكانية بعد انتشار حركة الاعمار وانتعاش القرى مجدداً.
للأسف الشديد، يمكن توصيف اللبناني انه تحول بشكل عام الى انسان اتكالي يعتمد على المساعدات الخارجية من اقارب في بلاد الانتشار، ويلجأ الى «التذاكي» لكسب معيشته. انه مجتمع يتآكل من الداخل ويهيمن عليه الاثرياء والشركات الكبرى ورجال السياسة. ويؤلف هؤلاء تحالفات تتعاون فيما بينها لتحقيق المزيد من الإثراء على حساب المجتمع واليد العاملة التي ترغم على قبول الحد الادنى من الاجور، مما يفسر شيوع ظاهرة «البخشيش» في قطاع الخدمات بسبب غياب الأجور والضمانات الاجتماعية وظهور الطبقية داخل المجتمع. لذا غابت الطبقة الوسطى لينقسم المجتمع اللبناني الى فئتين: اثرياء وفقراء.

– جيش ومقاومة؟؟
يعاني المجتمع اللبناني بشكل عام من الانقسامات الحادة التي تؤثر على قيام دولة «قادرة وعادلة» تطبق القوانين بالمساواة على الجيمع. فإلى جانب نظرية «عفا الله عما مضى» التي لم تعالج اسباب اندلاع الحرب اللبنانية وانعكاساتها على الناس بل كرست زعماء الحرب قادة للبلاد، لا يزال وجود السلاح بيد مجموعات مذهبية من العوامل التي تمنع قيام الدولة القادرة. فوجود سلاح «حزب الله» رغم كل المبررات والاوصاف التي تطلق عليه يخلق حالة من القلق وعدم الاستقرار داخل مجتمع مكوّن من اقليات دينية ومذهبية. فلبنان هو مقسم اليوم بين معادلتين متناقضتين : «دولة وشعب وجيش» يقابلها «جيش وشعب ومقاومة».
وفيما يعمد فريق من اللبنانيين الى تغليب الاولى يسعى فريق آخر الى فرض النظرية الاخرى كأمر واقع لا يمكن تجاهله او التخلص منه. وباعتقادي ان لبنان لن يشهد الاستقرار المتين مع وجود سلاح خارج سلطة الدولة. وقد اصبح معروفاً وثابتاً انه سلاح يلقى الدعم المالي والعسكري من الخارج الى جانب الأوامر والتوجيهات الخارجية. وهذا واقع يتناقض جذرياً مع مفهوم «الدولة القادرة» والسيادة الوطنية، خاصة بعد ان تحول حزب الله الى قوة عسكرية اقليمية له دوره في معظم دول الشرق الاوسط. فتخلي «حزب الله» عن سلاحه يتعلق بانتفاء الحاجة اليه ولدوره المحدد في الشرق الاوسط. وهو مرتبط بالتالي بالنزاعات الشيعية السنية والعربية الايرانية وبالقرارات الدولية التي تعيد الآن ترسيم الدول في «الشرق الاوسط الجديد»…!!

– الحضارات تلتقي وتتنازع في لبنان
لبنان المميز بموقعه الجغرافي ومكوناته الاجتماعية والدينية والثقافية يعتبر باعتقادي انه ملتقى الحضارات الشرقية والغربية، الاسلامية والمسيحية. هذا الواقع يجعله حاجة انسانية لدعاة السلام والحوار الحضاري ويستهدفه بالمقابل اتباع نظرية «صراع الحضارات» الذين يسعون الى دماره. الشرق العربي يرى في لبنان ضرورة وجودية والغرب الاوروبي ينظر اليه كصبّاب أمان للسلام العالمي.
ورغم كل الشوائب يبقى لبنان بلد التعايش والإيمان والحرية والانفتاح وقبول الآخر المختلف. انه بلد القداسة التي تتخطى المذاهب والطوائف، بلد العذراء مريم التي توحد جميع اللبنانيين وبلد شربل القديس العجائبي الذي لا يرد طلب اي انسان مهما كانت انتماءاته الدينية او ميوله السياسية.
بعد 40 سنة وجدت ان لبنان لا يزال البلد الذي يحبه الله بعد ان سار على ارضه واجترح اول اعجوبة في احدى قراه…
انه لبنان الذي احب ، لبنان المتمايز في عالم متبدّل يسير نحو الانهيار.
pierre@eltelegraph.com