سمير جعجع «الحكيم»

بقلم بيار سمعان

في نيسان 1975 بدأت الحرب اللبنانية وارغم المسيحيون على حمل السلاح دفاعاً عن وجودهم، خاصة بعد ان اطلق بعض القادة الفلسطينيين مقولة ان «طريق فلسطين تمر بجونية و… عيون السيمان..» كما نُشر كلام أخطر على لسان وزير خارجية الولايات المتحدة هنري كيسنجر والمبعوث الاميركي دين براون اللذين عرضا على المسيحيين الهجرة الى اميركا وسواها من البلدان مقابل مساعدات مالية وتوطين الفلسطينيين في لبنان.
وفي حزيران 1976 دخل ستة آلاف جندي ومئتان وستون مدرعة للجيش السوري الى لبنان، سبقهم «قوات الصاعقة»…
لم يكن مقبولاً بنظر تلميذ الطب، الشاب سمير جعجع الارتهان لقوة خارجية او السماح للوجود الفلسطيني المسلح السيطرة على لبنان. وقد تكون معركة الكورة من المعارك الاولى التي شارك فيها سمير جعجع القتال، فخاض الحرب بدون سابق تصميم تدفعه غريزة البقاء  و 1400  سنة من الاحتكاك الدائم ومحاولات التضييق على الوجود المسيحي في اكثر من عصر او حكم او استعمار غريب سيطر على لبنان.
دخل سمير جعجع معترك السياسة دون ان يرث الزعامة من اب او جدّ او قريب. فمن دراسة الطب الى متاريس الحرب والمعارك الدامية والمواجهات السياسية مع الاصدقاء قبل الاخصام والاتهامات المدبرة والاحكام المسبقة لاقصائه والتخلص منه، وسنوات السجن الطويلة الى استعادة الحرية والموقع السياسي، ليصبح سمير جعجع رقماً صعباً في الحالة السياسية.

يصعب الكلام عن سمير جعجع في بلد تكثر فيه التناقضات وتتعارض المصالح وتتضارب فيه الولاءات. لكن سمير جعجع، ورغم كل ما عانى منه بقي محافظاً على المبادئ التي ناضل من اجلها. فهو لم يضعف امام الاغراءات او يلتوي امام التهديدات. لم يتنكّز لجذوره او يخجل من تاريخ اجداده الموارنة ونضالهم للبقاء متجذرين في تلك الارض.

سمير جعجع لم يهرب من معركة فرضت عليه رغم مخاطرها. والتزم بمبادئ تدعو للحفاظ على لبنان، البلد المتميّز بتعدديته ونظامه الديمقراطي.
عانى سمير جعجع من مرارة الانقسامات الداخلية وتداعيات الصراع على السلطة والمناصب. وتمكّن يوم كانت البلد دويلات من تنظيم المجتمع الذي عاش فيه مطلقاً شعار «أمن المجتمع المسيحي».
ومع نهاية الحرب قرر الاسهام في قيام الدولة، فكان اول من سلم السلاح وحل القوات كتنظيم عسكري. لكن الوصاية السورية ارادته تابعاً ومطيعاً لأوامرها، الامر الذي رفضه ، عكس امراء الحرب الذين نقلوا البندقية من كتف الى اخرى وبدّلوا الولاءات من جبهة الى اخرى. عرضوا عليه المناصب لاغرائه ، فلم يقبل. هددوه فلم يهرب. لفقوا له الاتهامات وسجنوه، لكنه صمد في زنزانته التي تحولت الى «صومعة» ومكاناً للتأمل ومراجعة احداث الماضي بهدوء. حاولوا استمالته قيد الاعتقال وتهديده، لا بل سعوا الى قتله ببطء، لكنه لم يضعف او يتراجع قيد انملة… ذهبوا هم وبقي مرفوع الرأس ليخرج مارداً رغم ضعفه الجسدي.
وبالرغم من السجن والتعذيب والاهانات وكل انواع الارهاب والعزل والاعتداءات على رفاقه، بقي سمير جعجع شامخاً متمسكاً بمبادئه وقناعاته.
سمير لم يتنازل عن مبادئه من اجل منصب او مكسب. وقد اثبتت الايام ان كل ما قيل عن دوره في «حرب التحرير» التي اطلقها الجنرال عون للسيطرة على المنطقة الشرقية فيه الكثير من المغالطات. فسمير الذي وصف بالخصم اللدود للجنرال عون والمرشح ضده للرئاسة لم يتردّد من تأييد ترشيحه ودعم الجنرال بعد ان اصبحت الجمهورية دولة فراغ وحاول البعض التخلّص نهائياً من الرئاسة الاولى للتخلص من دور المسيحيين في لبنان واضعافهم…
فالقرارات التي يتخذها سمير جعجع لا تحركها المصلحة الخاصة وحب السلطة، بل الرغبة في الحفاظ على الوطن وقيام الدولة وصيانة وجود ودور المسيحيين في لبنان والشرق .

لقد اصبح سمير جعجع اليوم رقماً صعباً بالنسبة لكثيرين، كما كان الرقم الأصعب ايام الوصاية السورية وفي مواجهته لمشاريع هيمنة حكم البعث على لبنان، وما رافق ذلك من تعديات وتصفيات واعتقالات واغتيالات. وفرض النظام السوري طوال 30 سنة حرباً مدمرة على لبنان لتطويعه وضمه الى «سوريا الكبرى» لكن النظام السوري اخطأ حساباته وما يحدث اليوم في البلد الجار هو من نتائج هذه الاخطاء.

لكن يبدو انه كتب على لبنان ألا يستعيد عافيته. فبعد انسحاب الجيش السوري منحت الوكالة لمجموعة مسلحة اقسمت الولاء لولاية الفقيه، تارة بحجة تحرير الاراضي اللبنانية، وطوراً لمواجهة التطرف والارهاب.

التفاهم بين القوات والتيار لم يكن وحيداً اذ سبقه وتلاه على نار خفيفة هادئة لقاءات وحوارات مع تيار المردة. فسمير جعجع يولي اهمية قصوى لوحدة الصف المسيحي. فهو مقتنع ان تفتت المسيحيين يؤثر على آدائهم الوطني ودورهم الطليعي في اعادة قيام الدولة.
اليوم، وبعد ان انخرط حزب القوات اللبنانية في الحكم، اصبح للحكيم كلمة الفصل في كل الامور والقضايا المصيرية بعد ان اثبت وزراء القوات عملهم بشفافية وموضوعية وتجرّد وتحوّلوا الى علامات فارقة في نظام اعتاد على مزاولة الفساد والرشوة وتقاسم المغانم. ويتعهد سمير جعجع مع رفاقه بمحاربة الفساد ومحاولات تفريغ الدولة ومؤسساتها من دورها المطلوب. «بعد ان اصبح لبنان يعيش ازمة جوهرية عميقة على مستوى وجود الدولة والكيان بحكم ازدواجية السلاح ومصادرة قرار السلم والحرب».

امور عديدة شائكة تتفاعل على الساحة اللبنانية اليوم وتؤثر على وحدة البلاد واولوية قيام الدولة. فالى جانب ازدواجية السلاح، يوجد قضايا هامة وخطيرة مثل الارهاب وازمة اللاجئين السوريين وقضايا المساءلة ومحاسبة المسؤولين، مسألة استخراج النفط وكيفية الحفاظ على مداخيله. الازمات التي تعصف بمنطقة الشرق الاوسط واحتمالات تقسيمها واعادة ترسيم حدود دويلات جديدة، مشاكل البطالة وتحديث البلاد، ازمة الكهرباء والبنى التحتية و«امور عديدة تتطلب رجالات على مستوى المسؤولية.

سمير جعجع «الحكيم» و المطلع على أدق التفاصيل المحلية والاقليمية والدولية ، يقرأ الأمور بتمعن وموضوعية. قد لا تحبه، ولكن يصعب تجاهله ولا يمكن الا ان تحترمه . لأنه يحترم نفسه ويلتزم بكلامه وتعهداته.
سمير جعجع هو السياسي الوحيد الذي اعتذر للشعب اللبناني ولمن اساء اليهم. ويعمل ضمناً لانجاز مصالحة وطنية شاملة للحفاظ على الوطن، فيما يحكم لبنان قيادات ساهمت بالحرب والقتل والتهجير وهي اليوم تتصرف وكأن شيئاً لم يحدث.

زعامات تستخف بالشعب ولا تولي اهمية للوطن بعد ان تحوّل الى سلعة للمتاجرة. قد تنحسر شعبية زعماء كثر بعد الانتخابات المقبلة، لكنني ارى العكس بالنسبة لسمير جعجع، لأنه «لا يصح إلا الصحيح».

لست أراه يسعى الى منصب او رئاسة لأن الوطن هو اهم من حقيبة او وظيفة. نحن بحاجة الى قادة تحمي الوطن ، وسمير جعجع هو اهمها اليوم..
انه ضمير الشعب وامله و«حكيمة».