ترامب : القدس عاصمة اسرائيل خلفيات وردود فعل وانعكاسات هذا القرار!!

بقلم بيار سمعان

حذر رجال دين مسيحيون في القدس وخارجها الرئيس الاميركي دونالد ترامب من الانعكاسات السلبية والنتائج الوخيمة التي ستنتج عن قراره اعلان القدس عاصمة لاسرائيل.
وكان البابا فرنسيس قد وجه نداءً عاطفياً الى الرئيس الاميركي يرجوه فيه العودة عن قراره هذا. وقال الحبر الاعظم: لا يمكنني ان ابقى صامتاً بشأن المحاذير العميقة حول الاوضاع المستجدة خلال الايام الاخيرة. وانا اوجه نداءً حاراً الى الجميع ان يبقوا ملتزمين بالوضع الحالي القائم في مدينة القدس، انسجاماً مع القرارات الملائمة للأمم المتحدة. القدس هي مدينة فريدة ومقدسة بالنسبة لليهود والمسيحيين والمسلمين، فيها تتواجد اماكن مقدسة يجلها ابناء هذه الديانات، ولديها رسالة خاصة من اجل السلام.
وقال البابا فرنسيس انه يصلي لكي تسود الحكمة والادراك والا يضيف هذا الاعلان عناصر جديدة للتوتر في عالم مهتز وترعب نزاعات قاسية المزيد من الناس.
لكن الرئيس الاميركي دونالد ترامب تجاهل نداء البابا فرنسيس ودعوة اساقفة الكنائس الشرقية في القدس واعلن الاربعاء الماضي، وفاءً لتعهداته الانتخابية، ان القدس هي عاصمة اسرائيل وانه اصدر اوامره لنقل سفارة بلاده اليها. وهكذا خطا ترامب خطوة لم يجرؤ رؤساء الولايات المتحدة الخمس الآخرين على اتخاذها، رغم القرار الذي اتخذه الكونغرس الاميركي منذ عقدين والذي يوصي باعتبار القدس عاصمة الدولة العبرية.

< لماذا اتخذ ترامب قرار القدس؟
اللوبي الصهيوني الذي يمارس ضغوطات منذ سنوات، استقبل القرار بحفاوة بعد انتظار طويل. لقد عمل لمجيء رئيس اميركي يعلن ان القدس هي عاصمة اسرائيل..
الناخبون الاميركيون الانجيليون ابتهلوا لهذا القرار، لإعتقادهم ان عودة المسيح لن تتم قبل قيام دولة اسرائيل تكون القدس عاصمة لها. ويلتقي هؤلاء مع فكرة اعادة بناء الهيكل كشرط اساسي لقيام دولة اسرائيل، بعد ان يهدم المسجد الاقصى الذي يقوم، حسب ادعاء الاسرائيليين، فوق الجناح الثالث للهيكل، اي ما يعرف بقدس الأقداس حيث يحتفظ بتابوت العهد.
ويشكك علماء آثار بهذه الادعاءات وبمكان وجود هيكل سليمان. وباعتقادهم ان حائط المبكى هو مجرد حائط من اسوار المدينة القديمة ولا علاقة له بالهيكل. ويؤكد هؤلاء ان هيكل سليمان موجود في مدينة داوود على بعد بضعة كيلومترات من القدس.
ويروج الرئيس ترامب لمفاهيم التكامل العقائدي المتجلي بالقيادات المسيحية اليهودية التي يروج لها الاعلام منذ عقود. وتمكنت الصهيونية من ربط المسيحية باليهودية لاكتساب دعم المجتمع المسيحي في العالم الغربي. فاصبح يفهم الانجيل من خلال تفسير التوراة حسب النظرة الصهيونية.
– ترامب المحاصر داخلياً يخشى على مصيره من النورانيين الذين وجهوا طاقاتهم ضده ويحاربونه علنية بواسطة وسائل الاعلام الكبرى. فقد تعهد جورج سوريس صراحة باسقاطه، لذا وُضع ترامب امام خيارين: اما اعلان الحرب على كوريا الشمالية والصين ثم روسيا التي يُتهم بالتعاون مع ادارتها، او اعلان القدس عاصمة لاسرائيل، ففضّل الخيار الثاني، وهو اهون الشرّين، خاصة ان ترامب يعلم ان العرب يعترضون فقط بالبيانات والخطب السياسية والتظاهرات.. ثم يهدأون ويتناسون ما جرى ليستفيقوا على صدمات جديدة…
والتاريخ هو افضل شاهد على ذلك منذ قيام دولة اسرائيل (1948) وتوسعها على حساب الاراضي العربية وتنفيذ خطة «التجمّع والاقتحام» على التوالي.
الكل يعلم ان العرب والمسلمين مختلفون ومنقسمون ومتناحرون ومتلهون في خلافاتهم الداخلية والحروب الصغيرة المندلعة هنا وهناك. وقلّ ما تجد بلداً عربياً ينعم بالاستقرار اليوم.
والدول العربية التي لا تنتج اسلحتها بل تعتمد على دول اجنبية لتسليح جيوشها هي غير قادرة على محاربة اسرائيل وتقتصر عملية التسلّح على شراء الاسلحة الدفاعية بشكل عام التي غالباً ما تستخدم لقمع شعوبها وليس محاربة اسرائيل.
وحدها ايران قادرة على صناعة الصواريخ وتعمل على تطوير صواريخ بالستية قادرة على الوصول الى اسرائيل. وفي اسوأ الحالات يشكل حزب الله في لبنان بفعل تموضعه الجغرافي وتسليحه، خطراً على امن اسرائيل. هنا يكمن القلق الاسرائيلي والخوف الاميركي على سلامة «البلد الصديق» الذي تعهد ترامب بحمايته مئة بالمئة.
مقابل هذه الانقسامات السياسية والطائفية والمذهبية والعرقية (العرب والفرس والاتراك) يجب ان نتذكر ان الاردن ومصر قد وقعتا معاهدات سلم مع اسرائيل ومن ضمن شروطها عدم القيام بأعمال عسكرية ضد الدولة العبرية. سوريا التي لم تحرّك ساكناً لاستعادة الجولان منذ 1973 هي الآن منهكة ومستضعفة ولا تزال في حالة الحرب، يأمل النظام فيها ارضاء الدول الممولة لاعادة بناء المدن التي هدمت على مدار 6 سنوات من الحرب المدمرة.
تركيا الغاضبة والبلد القوي، تربطه باسرائيل معاهدات عديدة، منها الدفاع المشترك والتبادل التجاري، وهي منشغلة بالحرب السورية، ومتخوفة من قيام دولة كردية في العراق وسوريا قد تقتطع قطعة من اراضيها. كما تعاني تركيا من سوء العلاقات مع اوروبا بسبب فتح الحدود التركية امام امواج اللاجئين، والنزاع حول عضوية تركيا في الاتحاد الاوروبي، وميول اردوغان نحو الاصولية الاسلامية. باعتقادي ان موجة الغضب التي تعم تركيا هي مجرّد غيمة عابرة.
العراق المدمّر والمقسّم وغير الموحّد سياسياً ومذهبياً يُعاني الحكم فيه من الهيمنة الايرانية. دول الخليج العربي القلقة على الثروات التي تجنيها من النفط وعلى حركة الانماء العمرانية السريعة تخشى تصاعد قوة ايران التي سُمح لها التمدّد من ايران الى لبنان لتشكّل عامل ضغط وترهيب لهذه الممالك والامارات، فارتمت دول الخليج بأحضان اميركا، وبدأت بالانفتاح على اسرائيل لحماية مصالحها. والسعودية التي تشهد حالة من الاصلاحات التي تهدف الى حصر الصلاحيات والسلطات كاملة بيد ولي العهد محمد بن سلمان دفعت الىانشاء اتحاد عربي بوجه تعاظم قدرات ايران في المنطقة، وسارعت الى جمع القادة السنّة للقاء الرئيس ترامب عند زيارته الاولى الى المنطقة. في ذلك الاجتماع اكتشف ترامب حالة الضعف والضياع لدى الدول العربية، فأملى عليهم شروطه، وحمل ما امكن من الغنائم وعقد صفقات تجارية وعسكرية بلغت قيمتها 450 مليار دولار، مع السعودية وحدها. وقاد ترامب جميع هذه الدول خاصة ان بعضها يتلقى المساعدات المالية والعسكرية من الولايات المتحدة، الى الانضمام الى معسكر يأتمر بتوجيهات اميركا مجدداً، بعد ان كان موقف الرئيس اوباما قد افقد بلاده دورها القيادي، مما سمح لروسيا بوتين ان تدخل المنطقة بسهولة ودون تردّد.

< اميركا ترامب لا تحترم المعاهدات الدولية
لم يتردد ترامب منذ تسلمه الحكم من اتخاذ قرارات اقل ما يقال عنها انها لا تلتزم بالمعاهدات الدولية وبقرارات الأمم المتحدة.
فقد انسحبت الولايات المتحدة من معاهدة التبادل التجاري مع دول الباسفيك، وانسحبت من الاونيسكو تعاطفاً مع اسرائيل. كما انقلب ترامب على معاهدة باريس للتبدّل المناخي، بعد ان كان للولايات المتحدة اليد الطولى في سياسة التلوّث المناخي.
وخلال الشهر الماضي اعلن نائب الرئيس ترامب ان الولايات المتحدة ستقوم بمساعدة الدول والمجموعات السكانية المحتاجة بطريقة مباشرة دون المرور عبر الأمم المتحدة.
وهدّد ترامب بوقف المساعدات المالية لهذه المنظمة الدولية. وجاء اعلان الرئيس الاميركي ان القدس هي عاصمة اسرائيل ليضرب كل القرارات السابقة الصادرة عن المنظمة الدولية والتي توصي ببقاء القدس مدينة مفتوحة للجميع. وتدعو الى اقامة دولتين على ارض فلسطين.

< ردود فعل المجتمع الدولي؟
الدول العربية ادانت هذا القرار وعقد وزراء الخارجية العرب اجتماعاً طارئاً صدر عنه بيان تقليدي خجول. وتقرّر عقد اجتماع آخر بعد شهر من اليوم.
دول اسلامية كثيرة اعلنت عن استعدادها المشاركة في القتال ان قرّر العرب ذلك. اندونيسيا وماليزيا هي على استعداد لارسال جيوشها للقتال من اجل القدس. لكن من سيتجرأء على فتح جبهة جديدة مع اسرائيل؟
لقد اخطأ الفلسطينيون والعرب والمسلمون عندما طرحوا القضية الفلسطينية انها قضية اسلامية، فخسروا بذلك الكثير من الدعم الدولي. ويتناسى هؤلاء ان «مدينة السلام» هي مدينة مسيحية بامتياز. فيها عاش السيد المسيح وبدأ بشارته منها، شفى المرضى واجترح العجائب، وعلى ارضها سفك دمه ورفع على الصليب ليغفر خطايا كل الشعوب.
وحده ياسر عرفات ادرك اهمية البعد المسيحي للقضية الفلسطينية، فاستدرك رغم كل اخطائه مشدداً على اظهار اهمية المسيحية في اتاريخ وكيان فلسطين. لكن بعد عرفات تعرّض المسيحيون الفلسطينيون الى الاضطهاد على يد اخوانهم اكثر من اضطهاد الصهاينة لهم وهنا تكمن نقطة الضعف القاتلة رغم ان الغرب لا يزال ينظر الى القضية الفلسطينية من الناحية الانسانية، لكنه يبقى عاجزاً اليوم عن تعديل السياسة الاسرائيلية- الاميركية الممسكة بمعظم القرارات الدولية المتعلقة بالنزاع حول فلسطين، والقدس اليوم هي واجهتها.

< الموقف الاوروبي
قد يكون الاوروبيون اكثر تفهماً لخطورة ودقة النزاع العربي الاسرائيلي بسبب انعكاسات القضية الفلسطينية التي اخفق المجتمع الدولي في معالجتها، رغم كل القرارات التي اتخذت من قبل الأمم المتحدة والتي توصي بقيام دولتين، اسرائيل وفلسطين علىان تتمتعان بالاستقرار والاعتراف المتبادل والسلام والتعاون الضامن لحقوق الناس لديهما.
ورغم الانسجام بين الموقفين الاوروبي والاميركي تعيش الدول الاوروبية حالة من القلق للاسباب التالية:
{ عدم القدرة على التحرّر من التأثيرات الاميركية على السياسة الاوروبية.
{ التخوّف من محاولات اميركا فرط الاتحاد الاوروبي باعتباره كتلة قد تزاحم الولايات المتحدة والدولار الاميركي .
وتعيش اوروبا حالة قلق من ان تفتعل الولايات المتحدة حرباً مع روسيا تدفع اوروبا ثمناً باحظاً لها.
{ القلق من موجة اللاجئين المسلمين والافارقة الى اوروبا مما سينعكس مستقبلاً على التكوين الديمغرافي داخل البلدان الاعضاء.
{ استغلال المخابرات الاسرائيلية والاميركية لهؤلاء اللاجئين لافتعال مشاكل داخل اوروبا.
{ التخوف ان تتسبّب حروب الشرق الاوسط بانتقال المزيد من اللاجئين الشرق اوسطيين الى اوروبا، مما يشكل ازمات عديدة، اقلها فرض اعباء اقتصادية اضافية، وعدم القدرة على التعامل مع انتقال آلاف اللاجئين دفعة واحدة ومحاولات توفير الاقامة والمسكن والعمل لهم ودمجهم في المجتمع الحاضن.
وهذا ما يفسر اهتمام فرنسا بقضية معالجة احتجاز الرئيس الحريري، خوفاً ان تتسبّب الاضطرابات على الساحة اللبنانية بانتقال مليون ونصف لاجئ سوري الى اوروبا.

< القدس عاصمة اسرائيل.
لقد فُوجئت من ردة الفعل العربية، ليس بسبب ميوعة ورتابة ردود الفعل لديهم، بل نتيجة لادعائهم انهم فوجئوا وصدموا بقرار ترامب واعلانه القدس عاصمة لاسرائيل.
فهل يجهل العرب دعوة الصهاينة منذ مؤتمر بال (1860) ومساعيهم لاقامة دولة اسرائيل علىان تكون القدس عاصمة لها؟؟ وهل نسي القادة العرب خريطة اسرائيل الكبرى الموضوعة على جدار الكنيست (البرلمان) الاسرائيلي وتظهر صراحة حدود دولة اسرائيل الكبرى وعاصمتها القدس؟
وهل تناسى العرب ان الصهيونية العالمية تسعى منذ سنوات طوال ان تكون القدس عاصمة اسرائيل وعاصمة حكم العالم وعاصمة دين العالم؟؟
ألم يبشرنا الصهيوني هنري كيسنجر منذ اشهر انه سيحول المسلمين في الشرق الاوسط الى رماد وان المنتصر الوحيد في الحرب القادمة هما الولايات المتحدة واسرائيل؟”؟
ألا يدعو «التلمود» الى استعباد كل الشعوب (الغويم) واستغلالهم دون رحمة، والتخلص منهم عندما يصبحوا غير صالحين او قادرين على الانتاج، وهذا يشمل كل الشعوب دون استثناء..؟؟
أيجهل القادة العرب ان الصهيونية العالمية وعدت يهود العالم ان «المشيا» – المسيح سيعود عن قريب ويفرض احكامه على العالم، وينطلق حكمه من القدس، عاصمة حكم العالم؟”؟
لماذا يعاني العرب من فقدان الذاكرة والجهل والاستغباء ؟ ربما اعمت الثروات بصيرتهم واضلت الحروب مسيرتهم نحو الحق. فنحن شعوب يمحوا حكامها ما انجزه الآخرون لنبدأ مسيرة التطور من الصغر. نعيش في دوامة التخلف والكراهية والدمار الذاتي ونتلذذ برؤية الدماء العربية تسفك من اجل الشرف العربي الذي لا يتخطى «حجاب المرأة» وبسبب النزاعات العربية توقف التاريخ لدينا وكبل التعصب عقولنا.
باسم مكافحة عدم التطبيع كرّس العرب القدس لاسرآئيل قبل سواهم.

< ترامب يحيي النزاعات العربية الاسرائيلية
لقد نعمت اسرآئيل منذ ما قبل احداث 11 ايلول 2001 بالسلام الداخلي. وادت ثورة الربيع العربي وما رافقها من حروب عربية الى ضمان استقرارها وازدهارها.
لكن الرئيس الاميركي اعاد اليوم تصويب البوصلة ووضع اسرائيل في مواجهة العالم الاسلامي مجدداً. المطلعون على خفايا الامور يدركون ان الحرب العالمية الثالث، كما خطط لها، يجب ان تكون بين الصهيونية العالمية والاسلام. فالمطلوب ان يعمد المسلمون (ابناء اسماعيل) في اوروبا للقضاء على المسيحية وفرض معادلة جديدة، علىان تقوم اسرآئيل والولايات المحدة بتدمير الاسلام وفرض دين واحد وحكم واحد وحكومة عالمية واحدة على رأسها «المسيح الدجّال».
اسرائيل تدرس الآن بناء القسم الثالث من الهيكل على انقاض جامع الاقصى.
فهل يستفيق العرب من غفوتهم التي دامت عصوراً مديدة قبل ان يستفيقوا على وضع جديد صادم او يتحولوا كما يرغب كيسنجر الى مجرد رماد؟
وبانتظار ذلك، نكرّر مع فيروز : «القدس لنا.. والغضب الساطع قادم… ان لم يكن اليوم، فغداً.
كلي ايمان انه لن تقوم لهم مملكة. ألم ينبئ السيد المسيح بذلك؟