العوامل الخارجية التي تؤثر في قيام الدولة في لبنان

 

بقلم  /  بيار سمعان

نظرة تاريخية
يتميّز لبنان بموقعه الجغرافي الهام (بين الشرق والغرب) ويتمايز عن محيطه الشرق اوسطي، بطبيعته الجبلية التي تكسوها الثلوج طوال اشهر الشتاء . طبيعته الجبلية الخضراء في محيط صحراوي جاف ومنبسط وشديد الحرارة.
منذ بداية البشرية كانت المنطقة الممتدة على البحر الابيض المتوسط مأهولة ومدنية تزهر بالعمران والبنى التحتية الاساسية. فمع الفينيقيين الكنعانيين اتسعت المملكة اللبنانية من حدود تركيا الساحلية حتى فلسطين، رغم تمحور هذه المملكة حول المدن والمراكز الرئيسية، مثل جزيرة ارواد، طرابلس، جبيل (مدينة الابجدية) بيروت (ام الشرائع) وصيدا (المرفأ التجاري الهام) وصور (المدينة العصية) التي دعت اوروبا بهذا الإسم بعد ان خطف الإله زوس ابنة ملكها وحملها نحو القارة التي دعيت باسمها فيما بعد.
وموقع لبنان وخصوصيته الجغرافية والثقافية والتجارية دفعت عبر العصور معظم الامبراطوريات لاجتياحه والسيطرة عليه. من البابليين والفرس في العصور القديمة الى اليونانيين والرومان وصولاً الى العثمانيين والفرنسيين حتى الاستقلال (1920).
ويعتقد البعض ان لبنان كان امتداداً لسوريا، لكن هؤلاء يتجاهلون ان لبنان ذكر اسمه 63 مرة في العهد القديم وذكر اسم ارز لبنان ما يزيد على 70 مرة. وحدهم العثمانيون اعادوا تقسيم المنطقة حسب مصالحهم وهيأوا قبل البريطانيين لقيام دولة اسرائيل التي انشئت بعد الحرب العالمية الثانية (1948) نتيجة لمعاهدة سيكس بيكو التي قسمت منطقة الشرق الاوسط ومنحت قسماً من فلسطين لليهود.
اردت من هذه المقدمة ان اقول ان لبنان الذي يرسم حدوده «تكوينه الطبيعي» اتسعت رقعته او تقلصت حسب ارادة المحتل والمستعمر ، لكنه بقي، بسبب العوامل الجغرافية، متمايزاً عن محيطه، منفتحاً على الشرق والغرب معاً متمايزاً بصلابة شعبه ونزعته الاستقلالية رغم محاولات العزل والاضطهاد والقضم والضم والسيطرة واستغلال خيراته.

المخاطر الخارجية
لبنان، كمعظم الدول الصغيرة، يتأثر دائماً بالعوامل والدول الخارجية. ويصعب ان نجد حقبة معينة لم يعان منها هذا البلد من التأثيرات الخارجية. فالمجتمع اللبناني المؤلف من اقليات طائفية ومذهبية رهن مصيره بدول وقوى خارجية. وبدل ان تبحث هذه الاقليات عن صيغة داخلية تضمن بالعدل وجودها وازدهارها وتحمي وجودها، فضل اللبنانيون من باب القلق والاستضعاف للبحث عن سند خارجي.
وتبلورت التأثيرات الخارجية بشكل فاضح مع اندلاع الحرب اللنبانية (1975 – 1990) . وندر ان نجد بلداً عربياً لم يرمٍِ بثقله وينفق الاموال الطائلة لدعم المقاومة، ولتغيير المعادلة السياسية في الداخل.
ولعبت سوريا دوراً بارزاً بعد ان اعتقد النظام الحاكم ان في مقدوره اضعاف كل الاطراف وضم لبنان، كإقليم آخر الى سوريا الكبرى. واستفاد الحكم السوري من انشغال الولايات المتحدة بالازمة الكويتية وما تلاها من حروب ادت الى اسقاط صدام حسين لتحكم سيطرتها على لبنان. وبدأ التأثير السوري جلياً في رسم سياسة البلاد وفرض الرؤساء والحكومات وكبار الموظفين والمدراء حتى آخر مختار في اصغر قرية لبنانية. ورافق ذلك اضعاف كل الاطراف والطوائف وتصفية القيادات السياسية التي رفضت الانصياع لأوامر عنجر والشام او اتخذت موقفاً معادياً من الحكم السوري ووجود القوات السورية في لبنان.
اضف الى ذلك الاموال الطائلة التي انفقتها بعض الدول العربية لتغيير وجه لبنان السياسي والحضاري، عملاً بتوصيات مؤتمر قمة الدول الاسلامية الذي عقد في جدة سنة 1969 والذي اوصى بدعم الاسلام والثقافة الاسلامية بوجه الثقافة الغربية (المسيحية).
ومع تسلم آية الله الخميني الحكم في ايران وقيام الجمهورية الاسلامية بدأت احلام استعادة «الخلافة الشيعية» تراود اذهان شيعة الشرق الاوسط. وتعهدت ايران بدعم هذه التوجهات وانفقت المليارات لانشاء ودعم تنظيمات سياسية وعسكرية لتحقيق «الحلم القديم». من هنا يفهم دور حزب الله وموقف شيعة العراق وظهور الاحزاب المسلحة التي تؤتمر بأمرة «ولاية الفقيه».
وارتبط حزب الله عقائدياً وسياسياً وعسكرياً بالجمهورية الاسلامية التي لجأت الى دعم تسليحه بالمعدات العسكرية المتطورة ووفرت للمنتمين اليه التدريب العسكري الملائم والمساعدات المالية.

سوريا
وادى انخراط قوات «حزب الله» في الحرب السورية الى تكريس الارتباط في الخارج لدرجة ان كل فريق لبناني اصبح يفتش عن دولة تدعمه مالياً وعسكرياً كتدبير وقائي في مواجهة تصاعد قوة «حزب الله» في لبنان.
فسوريا التي لعبت دوراً مؤثراً في عدم قيام الدولة. فرضت وكلاءها في المناصب المؤثرة، على امل فرض وصايتها حى بعد انسحابها المفاجئ من لبنان.
وسوريا اليوم لم تعد كسوريا في السابق، بعد ان وضع النظام الحاكم في العناية الفائقة وقدمت روسيا وايران و«حزب الله» الانعاش له.
ويحاول انصار سوريا في لبنان اعادة ربط مصيرهم «بالنصر» الذي حققه بشار الاسد. لكن باعتقادي ان الرئيس السوري اصبح عاجزاً عن حكم البلاد كالسابق، هذا اذا قدّر لسوريا ان تبقى بلداً موحداً.
ربما يتمنى حزب الله وايران والحكم السوري خلق جدار جغرافي يبقى العالم العربي بعيداً عن البحر المتوسط، فيما تأمل ايران وحزب الله بناء علاقة متينة مع الحكم السوري، وبالتالي مع لبنان لضمان قيام «الهلال الشيعي الذي يمتد من ايران الى بيروت».
وتدخل عملية تطبيع العلاقات اللبنانية مع سوريا بشار الاسد ضمن هذه المنظومة فتعنت الاطراف المؤيدة والمعارضة في الداخل اللبناني تعيق عملية قيام الدولة التي يجمع عليها اللبنانيون.
وستحدد الانتخابات المقبلة كيفية توجه البلاد سياسياً، مع العلم ان كل احتمالات التغيير واردة في لبنان وسوريا والعالم العربي بأسره. فقد ننام على واقع ونستفيق على واقع آخر يبدّل كل المعادلات.

ازمة اللاجئين السوريين:
من نتائج الحرب السورية هو انتقال ما يزيد على مليون ونصف لاجئ سوري الى لبنان. هذا النزوح الكثيف شكّل هزّة داخلية في بلد الأقليات الدينية، كما شكّل عبئاً اقتصادياً واجتماعياً يذكر باللجوءالفلسطيني الى لبنان وما رافقه من اشكاليات كان آخرها استخدام البندقية الفلسطينية لاشعال الحرب اللبنانية. ويخشى اللبنانيون ان يستخدم الوجود السوري الكثيف لإفتعال مشاكل امنية والاخلال بالاستقرار اللبناني الهشّ.
فسوريا الأسد تسببت بنزوح الملايين من الشعب السوري ومعظمهم من السنّة والمسيحيين. وباعتقادي ان الرئيس السوري لا يرغب بعودتهم دون ثمن ما. ففي حال جرى تقسيم سوريا، فإن الدولة العلوية تريدهم في مكان آخر. لذا اعتقد ان اللاجئين السوريين هم باقون الآن في لبنان بانتظار ان يتبلور مصير سوريا. هل ستبقى موحدة ام انها ستقسم ويجري اعادة توزيع السكان على اسس جديدة. ولا يستبعد ان يبلغ اللاجئون السوريون في لبنان حالة من اليأس ويدفعون الى التطرف والارهاب، بعد ان خسروا بيوتهم وارزاقهم وعائلاتهم وكل امل بالعيش المستقر والكريم.
وربما سيجري دفعهم الى التطرف والتخريب داخل لبنان ليطبق عليهم الجيشان اللبناني والسوري. انه احتمال وارد باعتقادي، خاصة في منطقة عكار حيث يجدون بيئة حاضنة وداعمة.

سياسيو النظام الطائفي يربطون مصير لبنان بدول خارجية
يبدو وكأن الزعماء اللبنانيين اعتادوا على الولاء للخارج واستشارة دول خارجية حليفة لهم. فأصبح تقليداً ان يحصل هؤلاء على بركتهم في القرارات الكبرى من دول اقليمية. وبينما كانت فرنسا «الأم الحنون» للموارنة، لا تزال السعودية ودول خليجية اخرى هي المرجعية بالنسبة للقادة السنّة، واصبحت ايران مند تحولت الى الجمهورية الاسلامية مرجعاً بالنسبة للشيعة. اضف اليهم البلد الجار سوريا، والدولة العظمى الولايات المتحدة التي لا تزال تنسق مع دول اوروبية مثل بريطانيا وفرنسا لمعالجة امور الشرق الاوسط بشكل عام.
وبرزت روسيا مؤخرآً، لاعباً دولياً بعد ان استفادت من قلة الحراك في اميركا ايام الرئيس باراك اوباما، ففرضت نفسها لاعباً قادراً على تعديل سياسات وفرض قرارات تتلاءم مع مصالحها، دون الوصول الى حالة الصدام مع الولايات المتحدة.
الطامة الكبرى هي ان الشعب اللبناني ينتخب نوابه وممثليه، فيقوم هؤلاء بتحويل صلاحياتها وشرعيتهم الى دول اخرى خارجية. وهذا ما تسبّب ولا يزال بتفريغ القرار اللبناني وبربط مصيره بتمنيات واوامر خارجية. هذه الوكالة للخارج تعيق دون شك قيام الدولة في لبنان، بعد ان ارتبطت مصالح الطوائف والزعامات السياسية بقرارات خارجية. ويتساءل المرء: أنحن فعلاً في بلد مستقل قادر على رسم سياسته وتحديد مصيره؟ تساؤلات بحاجة الى اجابات شفافة. فلماذا اصبح تقليداً ان نردّد : اسألوا ايران والسعودية والاميركان…؟؟

تهديدات اسرائيل مقابل الارهاب الاصولي

عندما انتدبت الدول العربية سنة 1973 الرئيس اللبناني سليمان فرنجية ليمثلهم في الأمم المتحدة، وجّه الرئيس سليمان فرنجية دعوة صريحة لمعالجة القضية الفلسطينية واقامة دولة مشابهة للبنان تقوم على الديمقراطية التعددية المذهبية. منذ ذلك الحين كان لبنان مثالاً اعلى ورسالة الى العالم. فقررت اسرائيل ضرب هذا المثال. فكانت الحرب اللبنانية (1975) التي جرى تصويرها انها قتال بين الطوائف . فدمّر «المثال» وجرى القضاء على القضية الفلسطينية على يد اصحابها.
ذكر بن غوريون في مذكراته: «كل ما اخشاه هو ان ينفتح العقل اللبناني». كان يدرك بن غوريون الخطر الذي يمثله لبنان والانتشار اللبناني على مستقبل دولة اسرائيل. لذا تُعتبر اسرائيل في طليعة الدول التي ترغب ان تعم الفوضى وعدم الاستقرار في لبنان وألا تقوم فيه دولة قوية وجيش قوي وحكم ديمقراطي عادل. هذه برأيي هي الخلفية الاساسية لمعظم المشاكل الداخلية وللثورات والحروب والفراغ وتعطيل البلد. اضف الى ذلك الغباء العربي، والطائفية والأنانية لدى الطبقة الحاكمة التي تتلهى بالمحاصصة وسرقة اموال الدولة على حساب الشعب والوطن.
وباعتقادي ان اسرائيل ستمنع لبنان بشتى الوسائل من استخراج الغاز في مياهه الاقليمية. فالسلطة الحاكمة والعاجزة عن معالجة ازمة «الزبالة» في لبنان هي باعتقادي غير قادرة على استخراج النفط من البحر. وان اختلف اللبنانيون على بيع الزبالة فكيف سيتفاهمون فيما بينهم على اموال النفط. الغاز سوف يجلب المزيد من الويلات والنكبات على لبنان لأن اسرائيل ستعمل ما في وسعها على تعميم العجز والفراغ وعلى تعطيل الدولة واستمرار الخلافات داخل الوطن الصغير. وهذا ينطبق ايضاً على سوريا .
ولا يمكن ان نتجاهل النوايا التوسعية لدى اسرائيل التي تسعى الى اقامة مملكة لها على حساب الدول المجاورة.
وقد يكون التطرّف والارهاب «الاسلامي» احد الوسائل لزعزعة الاستقرار. يقابله قيام ميليشيات مسلحة تحاكي الجيوش بقدرتها العسكرية، أعني «حزب الله» الذي سيطالب من الآن وصاعداً بحصة الأسد من جميع خيرات البلاد بعد ان صوّر نفسه رادعاً للتعديات الاسرائيلية ومكافحاً لموجة الارهاب الاسلامي المتطرف. وحزب الله، حامي لبنان (بنظرهم) يسعى الى فرض قبوله ضمن التركيبة اللبنانية لتحقيق «الشرعية» له والمطالبة بالمثالثة وربما في حال اعيدت ترسيم الحدود في المنطقة يمكنه انجاز دويلته من الجنوب الى الداخل السوري.

شرق اوسط جديد
لبنان هو جزء من هذا الشرق المضطرب لكنه يختلف ثقافياً عنه في امور جوهرية، اهمها الانفتاح والحرية والنزعة الديمقراطية مقابل الردة العربية الى احلام «الخلافة الاسلامية»، بعد ان فقد العرب كل آمالهم وثقتهم بالغرب. فالعودة الى الأصولية ليست ميزة خاصة بداعش الذي هبّ معظم المسلمين لدعمه بالمال والرجال والعتاد، بل هو شعور داخلي لدى معظم المسلمين (السنّة) الذين يؤمنون ان لا حل لمشاكلهم الا في الاسلام والعودة الى الاصول.
هذا المناخ العقائدي هو مرفوض لدى معظم اللبنانيين الذين يتطلعون الى المستقبل ويرفضون العودة الى الوراء والبكاء على الاطلال.
هذه الفروقات لا تبدّل الواقع المأساوي الحالي الذي تشهده منطقة الشرق الاوسط التي يعاد ترسيمها بعد ان انتهت مفاعيل اتفاقية سايكس بيكو (1917) ومرور مئة عام عليها.
فهل سيتمكن اللبنانيون من الحفاظ على وحدتهم ووحدة اراضيهم (10452 كلم2) وبناء دولة ديمقراطية ترعى شؤون المواطنين بالعدل والمساواة ام اننا ربطنا مصيرنا بمصير الآخرين ولن نفك هذا الارتباط الا بعملية قيصرية تضعنا امام مخاطر جديدة.؟؟