“إثبات عذرية” للروائي جابر مدخلي… الموت حينما يكون فزّاعة

تُمثل رواية «إثبات عذرية» للكاتب جابر محمد مدخلي، الصادرة عن المركز الثقافي للكتاب للنشر والتوزيع بالدار البيضاء 2017، حالة من الانكسار، على اعتبار أن معظم شخوص الرواية تعرضوا إلى تلك الحالة، التي بموجبها نشأ الترابط الأقوى بينهم، إن حالة الانكسار تكاد تتضح لقارئ الرواية حينما يصرُّ على متابعة خيوطها، ليكتشف أن هناك ثمة موت ينال من شخصيات الرواية، حيث تُعتبر ثيمة الموت مثل فزاعة حاضرة وبقوة، كما أنها تعتبر محركاً لأحداثها، وراصداً لمسارها الثانوي على أقل تقدير، نجد ذلك في موت «حاسر» الصديق الوفي لبطل الرواية «سيف» إثر حادثة مأسوية وهو قادم إلى قريته «صامطة»، ما ولّد حالة من الانكسار والألم لدى «سيف» على حد قوله: «فقدتُ قمّتي يا أمي، هوى هرمي الذكوري الثاني، ماتت إرادتي، وطموحي الرجولي، رحل ميزان العدل…». كما نجد حالة الانكسار تلك قد شملت «ياسمين» الفتاة التي ولدت من أبوين سوريين وتحمل شهادة ميلاد سعودية، حينما مات أبواها وانعكس ذلك على «سيف» الذي أحبها وعلى «أمه» التي كانت جارة لهما، نلحظ ذلك في سؤال «سيف» لـ»ياسمين» كيف مات أبواك في وقت واحد يا ياسمين؟

ولا تقتصر حالة الانكسار المتوالدة من فقدان تلك الشخصيات فحسب، وإنما حالة الانكسار والخوف والحزن من المجهول والقادم من الأيام قد نلاحظها حينما أعلن عن وفاة «نوال» أخت «سيف» ذات العامين والستة أشهر إثر مرض «التشنج» الذي أصابها، ومن هنا ندرك أن ذاكرة الموت تعم معظم فصول الرواية، على رغم أن الرواية لم تقتصر على موت شخصياتها، وإنما وثقت حقباً سياسية لأحداث وقعت وغيّرت من مسار بعض السياسات الخارجية تجاه الوطن، نذكر على سبيل المثال غزو العراق للكويت، على رغم أن الكاتب لم يتعمق في ذكر تفاصيل هذه الحرب في روايته، وإنما ذكر جزئيات مختصرة لنتائج ذلك الغزو على الوطن وعلى حياة الناس في منطقة جازان، وبالتحديد في قريته التي يسكنها على كفوف وادي (ليه، والمغيالة) وهما الواديان التابعان لمحافظة صامطة.

إن فصول الرواية التي عنونها الكاتب في روايته ترصد أنساق الأحداث التي تعتبر مشروعاً لكتابة مترابطة، يجمعها الحب، ويحركها الرحيل، نجد ذلك في أكثر من فصل ومنه (وبعد، المدينة العذراء، الرجل الحائض، نطفة، عزل، إجهاض)، إنها عناوين تنتمي إلى العنوان الأكبر للرواية «إثبات عذرية»، وهي عناوين تنحاز إلى معاناة كبرى، تكاد تلقي بخيباتها أو انتصاراتها على النفس البشرية، بما تتضمنه من إيحاءات جنسية ينفر منها القارئ المتحفظ حينما يقرأها، وبالمقابل لا يجد القارئ الآخر أي حرج في تناولها، على اعتبار أن الرواية تضمنت المسكوت عنه… إنّ حالة الحب تطالعنا منذ الصفحات الأولى للرواية بين «صالحة اليتيم» و»إبراهيم النجار»، وتكفل الشيخ صيبان بتزويجهما، وتبرعه بتكاليف الزواج من مهر وكسوة واحتفال، ما يؤكد أصالة الشيخ، على اعتبار أنه يمثل السلطة الأعلى في القرية، السلطة التي تؤسس لمنظومة اجتماعية تعاونية أساسها الانتماء إلى الأرض وأفرادها، حتى يصل الأمر إلى إثبات عذرية «صالحة» كتقليد يصل إلى تمسك أهالي القرية به حينما طلبوا من العريس إثبات عفتها وطهرها وشرفها، وهذا ما أكده إبراهيم النجار على حد قوله: «أنا إبراهيم النجار زوج صالحة اليتيم،،، أعترف لكم بأنها والله لفتاة عذراء، شريفة، عفيفة، طاهرة».
ويرتبط «الرحيل»، ونقصد به رحيل الشخصيات من مكان إلى آخر بأحداث الرواية المنسجمة مع حالات الحب المتعددة، وكانت ياسمين محوراً أساسياً في تلك الحالات، الرحيل جاء كحاجة ضرورية، تمثلت في رحيل سيف وصديقه حاسر للعمل في مكان آخر، ورحيل ياسمين وعائلتها إلى سورية وفرنسا، ورحيل نادر إلى الإمارات والبحث عن عمل، ذلك أن الرحيل كان بمثابة الرصيد الذي يستدعي الأحداث ويكونها على شكل صراع بين الشخوص لم يُسعف الكاتب في عجنها – إن صح التعبير – حيث اللغة التي تراكمت في الرواية وانصهرت داخلها، ما أفقدها التوازن في سرد كثير من التفاصيل المهمة، إن قارئ الرواية يجد الاحتفاء الطاغي للغة الشعرية والصور البلاغية الكثيرة، التي بدورها عرقلت ديناميكية السرد، وأضفت نوعاً من الضبابية على شخصيات العمل، على اعتبار أنها شخصيات في معظمها تتسم بالبساطة واللا انفعالية، وكانت اللغة المحكية مناسبة لتكوين حوار واقعي بينهم، كما أن الرواية غيّبت كثيراً من تفاصيل الأحداث، كان جديراً بالكاتب أن يتناولها بواقعية وعدم الاكتفاء بذكر أجزاء بسيطة منها، لكنها تظل رواية مختلفة عن كثير من الروايات من ناحية السبك اللغوي والوصفي، وستقدم للدارسين أنموذجاً للغة الشعرية في الرواية المحلية.