محمد الحديني …………. قصص قصيرة جدا

مهمة خاصة جداً

دوت صفارات الإنذار.. صدرت الأوامر بالاستعداد لصد الهجوم البري.. وقبل أن أركب إحدى العربات الحربية مع غيري من الجنود، سمعت أحدهم ينادي اسمي في مكبر الصوت ويأمرني بالذهاب إلى مكتب القائد العام.. توجهت مسرعاً.. وجدته في انتظاري.. بادرني قائلاً بوجه مبتسم: «يمتدح زملاؤك ذاكرتك ولذلك ستمكث هنا وحدك؛ لحفظ الوصايا المكتوبة على الجدران».
فرار

لحظات و يبدأ العرض.. فُتح الستار.. انهالت على الشاشة مشاهد مفزعة انخلعت لها قلوب المشاهدين.. تعالت صرخات الرعب في أرجاء القاعة.. حاولوا إغماض عيونهم، لم يستطيعوا.. فقؤوها.. باب الخروج موصد.. تزاحموا و تدافعوا إلى الخارج محطمين إياه.. وهناك كانت عيونهم عالقة في الهواء.. امتدت أياديهم إليها.. أمسك كل منهم بعينيه.. أعادهما إلى محجريهما.. مضى في طريق العودة، لكنه كان طريقاً آخر تلك المرة.
سيلفي

في أستوديو التصوير الفوتوغرافي، وقفت في الطابور منتظراً دوري.. توالى وميض الفلاشات.. وبعد أن تسلم كلُ واحد منّا صورته، ضُبطت الكاميرا على كادرٍ أوسع.. اصطففنا لأخذ صورة جماعية يتوسطها المُصور الأعمى.
ارتخاء

في أحد مختبرات علم نفس الحيوان، أدخل أحد الباحثين تلفازاً إلى قفصٍ يسكنه قرد وأداره على نشرة الأخبار.. تابع القرد بعينين مفزوعتين مشاهد لحروب في أماكن مختلفة من العالم.. بعد حين انزوى في أحد الأركان.. وبينما كان يضع يده على عينه والأخرى على أذنه، أصدر جهاز قراءة الأفكار، الموصّل بشريحة مثبتة داخل رأس القرد، أزيزاً مصحوباً بترجمة مكتوبة على الشاشة تقول:»ليتني ما ارتقيت».

عودٌ على بدء

حول طاولة القمار جلست مع أشباه لي منتظرين.. فُتح الغطاء الزجاجي وبانت السماء.. نُثرت أوراق اللعب السود.. امتدت أيادينا وتلقفتها.. احتدمت المعركة.. مر الوقت بنا.. ودون أن نشعر، سحبتنا الرمال إلى أسفل حتى قبعنا في القاع.. وقبل أن نختنق، امتدت اليد الكبيرة لتقلب الساعة الرملية.. تنفسنا الصعداء واستأنفنا اللعب.

ضحية

أمام الواجهة الزجاجية لمحل لعب الأطفال، وقف مطالعاً لعبة مدفع رشاش أعجبته.. تمناها.. لم يندهش من سعرها الذي ربما يساوي ما يتقاضاه طيلة عشرة أيام من العمل.. لعن الفقر الذي اغتال طفولته مبكراً.. قرر الادخار.. بعد عدة أيام، اشتراها.. بتهج.. خارج المحل، وقف شاهراً لعبته.. أطلق عدة رصاصات على المارة ثم انصرف مزهواً بنفسه.

ضلال

المسرح ممتلئٌ عن آخره.. هي ليلة العرض الأخيرة للتراچيديا الشهيرة.. فُتح الستار.. وعلى غير المعتاد دخل الممثلون يرتدون ملابسهم بالمقلوب، وأخذوا يرددون الحوار بلغةٍ معكوسةٍ.. وبينما كانت القاعة ترتج على وقع ضحكات الجمهور، كان المُلقن قابعاً في مخبأه يبكي في صمت.

مهمة مدفوعة الأجر

مهرجٌ متميز أنا.. أطوف قرى ومدناً لا تزال صامدة.. ألعب مع الصغار، وأرسم بسمات على وجوه الكِبار.. ومع اقتراب موعد مغادرتي، تمتد الأيادي نحوي بلهفةٍ, وأنا أُخرج من قبعتي الكبيرة قطع حلوى، رسائل حب, ونسخاً ليست قديمة من خريطة الوطن.

عِتاب

دوت صفارات الإنذار.. استهدف هجوم جوي معادٍ ثكنة عسكرية تعج بالجنود.. لم يمهلهم القصف أن يذهبوا إلى المخابئ الأرضية.. تناثرت الجثث واختلطت الأشلاء بالركام.. كنت الناجي الوحيد.. قمت أجرجر قدميّ، ورحت أجمع عيوناً مفتوحة خرجت من محاجرها.. على قطعة رخام سليمة، رصصتها وهي تنظر إلى السماء باتساع.