لاهثاً، يبتلع الهواء! لبدوي الحاج

بقلم  /   عباس مراد

 

يقول الجاحظ: «لا يزال المرء في فسحةٍ من عقله، ما لم يقل شعراً، أو يؤلف كتاباً».
بدوي الحاج وحسب تعريف الجاحظ لا فسحة عنده لأنه قال وألف كُتب في الشعر.
عام 2014 نشر بدوي كتابه الشعري ألأول « …ولو بعد حين!» وعام 2016 كان كتاب «قامات في فراغ أبيض» وها هو اليوم في جديده «لاهِثاً، يبتلِعُ الهواء» بأقانيمهِ الثلاث المرأة، الروح والوطن، يبوح بقلقه وألمه وحبه متأففاً وثائراً، يعبُر على جسرٍ من الأشعارٍ لترتفع ماداميك أبيات قصائده بهندسة بلاغية ليضيء على انكساراتنا، معاناتنا ومعاناته التي تعشش في يومياتنا، ببساطةٍ لأنه لا يريدُ للبيئة أن تحاصره.
في القسم الأول المخصص للمرأة يغرف من ذكرياتِ طفولة وصِبا مسترجعاً حباً « في بئر طفولتي…بعيدة تصدَحُ الأغنية…!»، «أنا صبيٌ أرعن..يسرقُ الهوى اختلاساً» لينتهي به المطاف ناطوراً للهوى «أبقى هُنا..أنا!… ناطوراً للِهوى». ونرى إصرارهُ على حبيبته لتناديه «ناديني… إلى مروجِ العشقِ… إلى النهود العارية»، ويستمر الشاعر في التغزل بحبيته باستعارة النجوم والقمر «بين النجوم وعينيكِ/ قمرٌ»، ويعترف بدوي الحاج بغيرته على حبيبتهِ ولا يتوارى خلف خجلٍ قد يكلفهُ حبهُ «في الشتاءِ أغار عليكِ أكثر/ أغارُ من المطرِ والرِّيح»، قد تبدو هذه الغيرة موسمية لكن الحاج يُبدد هذا الشعور حين يقول:» فأنتِ أجملُ أغنية في البال..»، وفي تعبير عن مدى هذا الحب والغيرة وفي إستعارة معبرة « أتذكرين يوم مشى البحرُ إليكِ/ حافياً/ لٍيُداعب قدميِكِ الحافيتين!» لينتهي به المطاف من إدمانه لشفتَيّ هذه الحبيبة في أول الطريقِ إلى الله « شفتاكِ أسطورة …/ علمتني شريعة الإدمان!/ شَفَتَاكِ،/ أول الطريق إلى الله..».
في القسم الثاني من الكتاب «الروح» لا يستعمل الكاتب أسلوب التورية فنراهُ معترفاً أنه لا يريد أن يعيش ضجر الألوهة..ولا رتابة الكمال ..لِأنه يتعب، يعشق، يقلق ويغضب أكثر ويقول: ثمة فَارقٌ بيني وبين الله../أنا لستُ على صُورتهِ ومِثالهِ!» ليثبت أن المدّ والجزر غريبان..لا يتحاكيان لا يلتقيان، وكأن ذلك مقدمة للحرب التي يُعلنها على الفجّار والكشف عن خطاياهم حين يقول: «أعظم الخطايا أرتكبها وأنا أُصلي …ساجداً خاشعاً/ لا أخبرُ أحداً /عن العبث غير اللائق/ الذي يدور في رأسي!/ القس رجُلٌ فاجِر/ تسكنه الشهوة في بدايةِ كًل صلاة?».
وفي قصيدة «غير مبالٍ بفَرَحِ المكان!» من كثرة الحزن في الزوايا يعود الى وجهِ أمهِ، يريد أن يعود الى أرضٍ/مياهُها صافِية.
وما بين غيابٍ وغربة، يَدَعُ عنه السكوت ويُظهر ألم الغربة ومعاناتها ويقول::» في الغُربة،…هناك الكثير من العُلب/ بلا أبواب، بلا نوافذ» وليتغلب على هذه الغربة نراه في قصيدة « …وفي الجنة خمر وحوريات!» يسأل الساقي المزيد من الخمر لأن الحياة لم تعُد الحياة وتنتهي الى تكتكة ساعة الحائط. هنا نرى كيف يفيض الحنين بالشاعر الى بلدته لأن الروح تتعذّب خصوصاً عندما وجد نفسهُ بعيداً من كُل المنازل… لا فرق بين الشروق والغروب، ومضى زمن بل زهور، بلا نحل وبلا عصافير! ليجد نفسه مسكون بالأغنية…/مسكون بالمواويل…/مسكون بالبساتين…
وفي عالم قست قلوب بنيه وسُفكت دماء كثيرة ولِدَتْ حال من عدم الإستقرار وخُلِقَ شعور بقلقٍ وجودي وأحساس بالحيرة والشك والنقمة لغياب القيم الروحية والجمالية والوطنية والإنسانية التي ينشدها بدوي الحاج في شعره، لذلك يبدأ في القسم المخصّص للوطن ثورته متسائلاً:» كيف لنا أن نقود ثورة!؟» ويصب جام غضبه على الحاقدين «أيها الحاقدون ألم تتعبوا؟ ورغم عبث هؤلاء الحاقدين فلم يغادره الأمل ويقول في قصيدة «غداً، حين يأتي المساء! قبل الرحيل.. لا تنسوا أن تزرعوا الأرض معاول/ فتنبت ثوراتِ فكرٍ ومبادىء/ بعيداً من الظلِ والصدأ…/ في أحضان أطفال موطني».
وفي قصيدة نكاية بالطائفية يرى الحاج أن الشعوب المكدسة مذهبياً تقف أمام حائط مسدود ويعلن المواجهة المسلحة فكرياً.
في قصيدة أنا طفلٌ فلسطيني! يلتحق الشاعر بثورة الحجارة «بندقيتي مقلاع» ويعيد قضية فلسطين الى مركزيتها «فلسطين تاريخ النبض». ويهيل التراب على الباقي من فكر العروبة المُصادرة .
وفي قصيدة تراقصون ألآيات ! لا يهادن عُبّاد الكراسي الفارغة… ويتبرأ من فسادهم مميزاً بين وطنه وفسادهم حيث يقول: «لنا وطَنُنا/ ولكم فسادكم».
« لاهِثاً، يبتلعُ الهواء!» لا يقتصر على الأبداع الشعري ففيه قسم خُصِّصَ لنثريات مهمة تتحدث عن ذكرياتِ أيام منصرمة بحلوها ومرّها حُفرت في وجدان الكاتب الذي يتوقف عند ثقافة العصر وأفكارهِ وعاداته وتقاليده ومعاناتهِ والتغرُّب عن الذات، ويقارن الشاعر مع صرخة من الألم بين أشياء أحَبَّها وأخرى تفرض نفسها من باب الموضة أو الحداثة أو اللحاق بالركب! معبراً عن مرض العصر ومآسي الأمة التي ترتدي قناعاً مزيفاً ويقول:» الفارقُ هو حَنينٌ وعِشقٌ وانِتماء»… ويقول أيضاً:» على هامِشِ هذا الكون، سقط الكثيرون،سهواً، دون إمتحان»… ولا يتوقف عند ذلك وفي موقع آخر يقول:» أشفقُ عَلَيكِ وأنتِ ترتدين القناع…!» وللدلالة على ما يفضّله يلتجئ الى حضن أمهِ حيث الأمان ويقول:» في حضن أمي، وطن وملجأ ومسبحة صلاة…!» وينتقل الى ما آلت أليه حال الأمة بسبب ما سُمِّيَ الربيع العربي «بإسم الربيع العرَبَي..! شردنا الشعوب، قتلنا الرجال والنساء والأطفال، دمّرنا الأوطان وكفرنا بالقضية»… ولا يوفر بدوي الحاج المظاهر الإيمانية الكاذبة حيث يقول:» في المعابد الضخمة/ الفخمة يختبئ الخالقُ حياءً.. في هكذا معابد، يهرب ربُّ المنزل ويسكنُ الشّيطان…!» وعندما غلبه الحنين قفل الشاعر عائداً إلى البيت ويقول:» كُل شيء حَولَ بيتِنا يُشبِهُ نَفسَهُ»..متسائلاً قبل ذلك:» كم من العصافير عادت، ولم تجد بيوتها؟!»
خلاصة القول أن بدوي الحاج في «لاهثاً، يبتلعُ الهواء!» ينتصر للحب، للوطن، للقضية والإنسانية ويدوِّن اللحظات بمرارتها وشهامتها معبراً عن ذاتهِ ومواقفهِ بإتقانة معرفية، ثقافية، وجودية، اجتماعية وحضارية ومحطات جمالية غنيّة بفكر ونظرية بدت في نصوصه التي تنسجم مع رؤاه من خلال الاسئلة الكثيرة التي بدت في الكتاب لأنه يلمس جوهر الصراع ويعيش داخل دائرته وليس على هامشهِ لذلك اتّسم النص بترابط معبراً عن تجربة الشاعر في مجاهل الحياة وظّفها للتعبير مجازاً وإستعارة ومشابهة .