كندة سمارة – ملبورن

الحنين تلك المشاعر التي تسيطر علينا، ونعبر من خلالها جسر الماضي والزمن الجميل… تلك المشاعر التي تجتاح أرواحنا وتأخذنا إلى عالم آخر، وزمن آخر … فتعود بنا إلى ذكريات مضت … ليس بالضرورة إلى أشخاص… فهنالك حنين إلى الوطن، أو للمكان… أو حنين لفترة ما من العمر، أو إلى ما نحب… الحنين إلى من فارقونا ورحلوا، إلى ذكرياتنا معهم، ابتسامتهم، وحكايات تحمل عبق رائحتهم… تمرّ بأذهاننا كطيف رقيق لا نستطيع بل حتى لا نريد الفرار منه.

لكل مدينة رائحة تعبق منها رائحة الحنين، كما الزهور لها ألف عطر… يسرقنا الحنين إلى الوطن ونحن في الغربة فلكلّ منا دمشقُه، وهاهي دمشق تغمرك بالحنين إليها… دمشق التي وصفها الرحالة ابن جبير في القرن الثاني عشر قائلاً: «إن كانت الجنة في الأرض، فدمشق لا شكّ فيها.» دمشق المقيمة في حياة أهلها فهي قوية إلى حد يصعب معه تبديل أمزجة مغادريها بما ينسجم مع مزاج المدينة الجديدة، لا بل ثمّة شيء في مكانهم الجديد يتغير وفق ما تمليه روحهم… فتجدهم ينقلون إليك حرارة تعلّقهم بمدينتهم، وتتفاجأ بذلك الزخم في الوصف والألوان… لتهزم روحهم الكهولة المقيمة في أرواح الآخرين.
دمشق التي كانت ولا تزال تعيش حلم حداثتها رغم كل الظروف، دمشق المتلونة والتي يتغنى بها العديد مقيماً كان أو عابراً. بيوتها القديمة التي يعربش فيها الفل، وشوارعها التي تسمع فيها وقع خليط من الثقافات والأغاني المختلفة، فيسمعها الفقراء قبل الأغنياء… الفقراء الذين اتسعت لهم سماء دمشق.

نستنشق هواء بلادنا ونشعر بحرارتها … نلقي نظرة في الصّور، فنضع ابتسامة خفية على وجوهنا، كما لو أننا نعيش اللحظة ذاتها، نعود بذاكرتنا إلى أيام المراهقة والحب الأول، وليلة العيد… هذه الذكريات التي يقوم بها دماغنا مستخدماً ما في الماضي من أحداث كمواد خام لصناعة هذا العمل الإبداعي… فتختلف صياغتها بحسب روح الإنسان… نصوغ ذكرياتنا كما نريد، لننتقي ونقتطع منها الأحداث ونضيف عليها مضامين جديدة… فهي تجميع انتقائي لبعض من تجاربنا التي يتخللها دون انتباه الكثير من الحذف والإضافات… وللحنين بقية.