صديقتان للأبد

بقلم هاني الترك OAM

حينما كان عمر آدات دو اتم ثماني سنوات كانت تلعب في مدرستها في السودان مع باقي التلميذات، بدأت القنابل تنهال من كل حدب وصوب على ملعب المدرسة والطلقات النارية تقذف في الشوارع.. وهرع الناس من كل مكان خوفاً من الموت الاسود.. حضنت آدات ابنة عمها آبك البالغة من العمر 3 سنوات.. وصديقها دينغ.. وشقيقها الصغير وانطلقوا هلعاً وهرباً في الشوارع.. وظلوا يسيرون على الأقدام لمدة عامين حتى عبروا الحدود الى كينيا ووصلوا الى مخيم للاجئين التابع للأمم المتحدة فيها.. واصبح عمرها 10 سنوات وهي الأكبر من الاطفال الذين كانوا معها وفروا من أتون الحرب.. ومن ثم كان عليها العناية بهم.
كانت الحياة في المخيم قاسية للغاية.. يأكلون كل يوم حفنة من حبوب الذرة.. وبعد مكوثها لمدة اربع سنوات في المخيم جاء والدها.. حيث كان يقبع في السجن السياسي حينما اندلعت الحرب الاهلية… ولم تكن تعرفه جيداً.. وكان يتجول بين مخيم وآخر عاري القدمين بحثاً عن اطفاله.. وتقدموا بطلب اللجوء الى استراليا.. ولكن وقع خطأ ما في اوراق الطلب ولم يشمل آبك التي كانت تعتني بها آدات طيلة حياتها وكأنها ابنتها.. ولجأت آدات الى استراليا.. وفي عام 2004 عثر على أم آدات وهاجرت مع آبك الى استراليا.. وبعد عدة ايام توفي والد آدات في استراليا لاصابته بمرض السرطان.
وفي مدرسة أفالاون في سيدني كانت الطالبة صوفي ويلدون تتعلم في المدرسة.. وكان المطلوب منها القيام ببحث رئيسي.. ورأت ان تقوم ببحث ينتفع منه الناس.. واتصلت بصديقة لعائلتها تعمل كوكيلة للهجرة.. وطلبت منها ان تعرفها بأي لاجئ حتى تكتب عنه البحث.. وعرفتها على آدات.. وقضت معها ليلة كاملة شرحت لها ظروف حياتها الصعبة التي مرت بها حتى جاءت الى استراليا.. واخذت آدات تبكي بمرارة وهي تقص حكايتها المعذبة حتى نخاع العظم.. وعانقتها صوفي وانهمرت دموعهما سوياً.. حتى اصبحت قصة آدات وكأنها قصة صوفي.. وجزء من حياتها.
وقالت صوفي انها لا تتمتع بالحياة طالما انه يوجد اناس مثل آدات يعانون من الآلام المبرحة.. ولكن آدات اصبحت تهدئ من روح صوفي وتقول لها: «انها ليست غلطتك ان يقاسي الناس.. تمتعي بحياتك».. وقالت صوفي انها لم تكن سعيدة في المدرسة.. ولكن بعد ان نمت صداقتها مع آدات تسربت السعادة الى حياتها.. وجميع التلاميذ في المدسرة اصبحوا يتعجبون كيف تحولت صوفي الى انسانة تدافع عن البشرية المعذبة.. ومن خلال صداقتها مع آدات اصبحت تمد يد المساعدة للناس الذين بحاجة الى المساعدة.
وقالت آدات البالغة من العمر الآن عشرين عاماً وتدرس في كانبيرا انها شعرت بالأسف نحو صوفي التي لم يكن يتجاوز عمرها 14 عاماً حينما اكملت البحث في المدرسة لأنها صغيرة السن تستحمل الموقف الانساني الحزين.. ولكن من المهم اخبارها بالقصة وحتى تشاركها قصتها.. وطبعاً لم تخبر آدات صوفي كل شيء في ليلة وضحاها لأن قصتها طويلة.. بعض فقراتها مؤلم للغاية ولم تكن تتذكر كل شيء.. والناس الذين يجربون الحياة القاسية سوف يقدرون عندما يسمعون قصص المعاناة ويدركون الحياة الممتعة التي يعيشونها. وقالت آدات انها حينما تتذكر الحياة المآساوية التي عاشتها في المخيم تشعر بآلام الحياة المهلكة المدمرة.. وتعيد لذاكرتها صور المعذبين فيه.. بعضهم اصدقاء واقارب لها.. فتحس بالذنب لأنها وصلت الى استراليا وتعيش حياة رغيدة في الوقت الذي يعانون فيه في المخيم.
ولكن صوفي تقول لها مخففة: «اذا كنت في استراليا فإن قدرك ان تكوني هنا ولا تدعي الحزن ينهش اعماقك».
واصبحت صوف صديقة ادات الحميمة.. وتعرفت عائلة صوف على عائلة آدات.. حتى انها ساعدتها مالياً في احضار باقي عائلتها من المخيم في كينيا.. وتقول آدات انها كانت دائماً تتطلع وتبحث عن مكان تقيم فيه.. وتشعر الآن آدات انها جزء من المجتمع الاسترالي .. وسوف تحيا صداقتهما للأبد.
وبقي ان نعرف باقي القصة بأن البحث الذي اجرته صوفي حظي بجائزة عالمية من قبل الأمم المتحدة لأفضل عمل ادبي.. وكل من صوفي وآدات عينتا بمنصب مندوبتين للشباب الاسترالي في الأمم المتحدة.