ربيع المسافات رحلة في القارة الأسترالية

دينا سليم

أُخذني جمال نهر بريزبن، ساكن في أحضان الطبيعة والناس، خطير هذا النهر! وكأني أرى (النيل) المصري مجددا والقاهرة ملتفة حوله، أو ربما كان (السين) الفرنسي وباريس النائمة برومانسية مطلقة على ضفافه، لماذا أتذكر كل هذه الأشياء الآن، ربما هو انتمائي للذاكرة الملعونة! كم هي ملعونة ذاكرتي لأنها تأبى النسيان، استذكرت وأنا على ضفته رحلاتي المتعددة إلى القاهرة ومصر العليا، لكن هنا أشاهد نهرا بياقة جديدة وحلّة لم أرها من قبل.

هو أطول نهر في جنوب شرق ولاية كوينزلاند، أستراليا، ويتدفق من خلال مدينة بريزبن، يبلغ طوله 344 كم وينبع من موريتون باي ومصدره، جبال ستانلي، شرق نانانغو، حوض: 13600 كم 2 (5،300 ميل مربع) تقريبا.

استغرقتني الرحلة من بيت تمارا وحتى وصولي إلى النهر نصف ساعة، لم أشعر بالوقت وأنا أمتطي جدول الأرصفة العالقة بين الأشجار الضخمة وزفير أنفاسي.

امتلأ الرصيف المرصوف بالحجارة الناعمة على ضفة النهر بالناس، الأطفال في عرباتهم تجرهم أمهاتهم، والمسنون يتنزهون ثنائيا، المعوقون داخل مقاعدهم الخاصة، وأنا وحدي أجوب الوجوه في وضح النهار، لا أحد ينتقد أحدا، ولا يشعر المعاق شعور النبذ أو الرفض، فينمو الطفل على احترام وقبول الآخر دون شروط.

صممت مدينة بريزبن بعناية حول النهر  الذي بدا كأفعى تتلوّى حول الأماكن العامرة التي بنيت حوله، مارا بكم هائل في المناطق السكنية المأهولة، نهر مفعم بالخير يأتي بالأرزاق من كل صوب.

شعوري بالإرهاق لم يثنني من المتابعة، تابعت ثم توقفت أمام ضفته وسط حديقة جميله مشجرة أتابع الأوتوبيس النهري الذي اخترق المياه بخفة محملا بالركاب والسيّاح.

جلست على أحد المقاعد وراقبت المكان الذي اكتظ بتحركات الناس، رجال ونساء، قطط وكلاب، أطفال ودراجات هوائية، أراقب تموج المياه بعد اختراق الزوارق، ثم تسافر نظراتي نحو الجسور المنتصبة بضخامتها، تحاذيها من الطرف الآخر البنايات الزجاجية التي شاهدت بعضها عندما ترجلت.

ظهرت فجأة بعض النوارس لتأخذ مكانها قربي وحطت الطيور على كتفي، شعرت بالعجز أمامها، طلبت بعض الفتات الذي تركه عمدا ممن كانوا قبلي، قفز قلبي من بين أضلعي، حميت وجهي من مناقيرها المسالمة، حدّقت بي مستغربة تصرفاتي، وظلّت تحيطني وكأنها ترسل لي رسالة هامه:

– ( لا تخافي فنحن نرحب بك هنا) أسمع صوتها وكأنها تكلمني!

– ( أين ذهبت بالفتات، لمَ لم تتركيه لنا)؟ اسمع صوتها مجددا وهي تحدثني!

– ( سننتظرك غدا، حتما سوف تأتين وتتركي لنا بعض فتات خبزك)! يا إلهي، الطيور هنا تتحدث!

أدركت بعد طول تأمل أن من يستفيق من حلم مزعج، ويجد نفسه في حلم آخر سعيد حتما ستتحقق أهدافه ولا داعي له أن ينام لكي يحلم، أو لم يعد الحلم مصدر إزعاج ما دام كل هذا الكمّ من الطيور يحوم حولي، منظر ذكرني بمقولة الكاتب عبد الرحمن منيف:

– « من لا يعرف الطير يشويه «.

فقلت لنفسي:

– إهدأي واشعري بالأمان بما أن طيور هذه البلد تشعر بالأمان. أحسست لحظتها أني طائر سعيد وحرّ أترنح إرهاقا بعد طريق طويل أمضيته وأنا معلّقة بين السماء والأرض، وبعد طول هذه الجولة في المدينة التي بدأت أتعلق بها منذ البداية عدت إلى البيت.

الليلة الأولى

لم أدر كيف استطعت النوم في أوّل ليلة أمضيتها في بلد جديد وغريب، لا الناس هم الناس ولا الأماكن هي الأماكن التي أعرفها، وحيدة حبيسة بين أربعة جدران، الغرفة صغيرة تكاد تكفي لحمل تذاكر ترحالي، عادتني الأفكار متلبسة فقرصتني كالبعوض الذي هجم على جسدي بدون سابق إنذار، حتى النعاس والإرهاق لم يستطيعا من لسعاته المستمرة، عدا عن أزيز الحشرات التي بدأت (تهسهس) معلنة مصاعب شهر الصيف، ولأول مرّة أعرف أن (لأبي بريص)(1) صوتا خاصا به يشبه صوت القبلات الآدمية، لقد حامت بأزواجها وملأت سقف الغرفة والجدران.

وجدت نفسي داخل غرفة صغيرة وحيدة، عيناي معلقة بالسقف، أخشى أن تسقط على وجهي إحدى الزواحف فيتوقف قلبي عن النبض.

تناوبت على رأسي غارات البعوض والحشرات القارصة، لينالوا من دمي في ليل معتم اختفى منه القمر وبقيت مستيقظة حتى لاح الفجر، حينها اختفت الحشرات، انطوت على نفسها داخل شقوق خفية، لكني بقيت قلقة، خطرت على بالي فكرة، فربما أشعر بالنعاس وأنام، دندنت بصوتي المبحوح إحدى الأغنيات التي أحبها، دندنت حتى بُحَ صوتي… ولم أنم، تهيأ لي أن اللحن التصق  على الجدران الخارجية، لو انقطعت أوتاري فسيبقي صدى وجودي في ممر طويل خارج الغرفة، تمنيت لو يسمعني الجيران فأشعر بالراحة والاطمئنان، لو يأخذوا بمقولة (النبي وصى على سابع جار)، لو يتدخلون بشؤوني الآن وينقرون باب الغرفة، لو أسمع خطواتهم في الخارج حتى أطمئن، لكن لا يوجد في الخارج سوى سلم خشبيّ معلق على عشرة سلالم، ولم يصعدها أحد حتى الآن، جميعهم نيام إلا أنا بقيت أردد ما قالته السيدة فيروز:

– ( أنا عندي حنين ما بعرف لمين، ليلي بيخطفني من بين السهرانين، بيصير يمشيني لبعيد ويوديني، تأعرف لمين وما بعرف لمين…)

انتفضت من السرير وحاولت تشغيل المروحة، كانت المروحة صامتة لا تبعث الهواء، فتحت المرناة، المرناة  تبث أخبارا ميتة، عدت إلى سريري الذي بدأ يصرخ من كثرة الفراغ، نظرت من النافذة، تطلّ النافذة على ثمة حياة!

اكتشفت أن النهر يمكث بهدوء خلف نافذتي، هائم، نائم، صامد، أبدي، جماله يبعث على التقوى والإيمان، تربعت على السرير ووضعت ساعديّ على حافة النافذة، ركنت ذقني على كفي، وأخذت أتأمل هذا العملاق ولم أكتفِ من النظر.

بقايا قماش أبيض معلّق يتدلى من الجدار ليصل حتى أعماقي الهائجة، يعيق جلستي، الستائر قديمة وبالية ومتسخة، يا لهذه (التمارا) الغائبة عن المكان والوعي، أيقنت أنها عدوة الشيء الذي يسمونه النظافة، ومن يأبه بذلك الآن! ينتابني شعور مختلط لا أعرف كنهه، أهو الرضا أم الخوف من المجهول، الفرح بمناظر الطبيعة الخلابة أم  الخلاص من عبودية الماضي، الانبهار أم الاشتياق للمكان القديم، الدهشة للمكان الجديد أم الغربة، الوحدة أم التمتع بها، الحرية أم ماذا؟ لست أدري!

فتحت باب الخزانة حتى أتلقف ثوبا خفيفا يتحمل ململتي ويبعد عن جسدي بعض تحرشات تلك الحشرات التي أبدا لا تنام، رأيت وجهي في المرآة الملتصقة ببابها من الداخل، أمعنت النظر فيه (أي وجهي)، كثيرا، وتساءلت:

– أهذه هي أنا؟

لم تجبني المرآة فوقفت بسذاجة أمامها، بحثت في عيني عن عيني، لم يتألق وجهي سحرا، بل كانت هناك سعادة حقيقية خفية، لم أرَ بريق عيني منذ زمن بعيد، دائما كانت هناك ندبا، أسميتها ندب الزمان…لا ندب الآن، أرى بعض غبار الطريق فقط…

أغلقت الخزانة ثم أغلقت التلفاز، أطفأت النور وتسحبت خطوة واحدة حتى السرير.

أدخلتُ جسدي المنهك داخل (ملحفة)(2)، بقي رأسي مشدوها بأمر معالجة الحشرات التي تكاثرت حولي والتي تحاول امتصاص بعض وجعي، غطيت وجهي بمنشفة، أخمدت تفكيري ونمت نوما عميقا، لم أستفق إلا ظهر اليوم التالي على صوت طائر غريب وقف على حافة النافذة، صبّ  ألحانه الجميلة في عقلي، مغتصبا مكان  ديك حارتنا وصياحهِ.

(2) أبو بريص، أو الوزغ، يعيش غالبا في شقوق الجدران والسقوف، من فئة السحليات الصغيرة الزاحفة.

(3) ملحفة: غطاء اللحاف.

يتبع