جلسة «حقيقة ومصالحة» أسترالية لجنود أطفال من جنوب السودان

أثار برنامج تلفزيوني على شاشة قناة (إس بي إس) شارك فيه إثنان ممن كانوا ضمن الجنود الأطفال في الحرب الأهلية بجنوب السودان في ثمانينات القرن الماضي، اهتمام آلاف المشاهدين في أستراليا، ومتابعي وسائل التواصل الاجتماعي.
اتاح برنامج (واجهني)، الذي يعرض على قناة (إس بي إس)، أول لقاء منذ عشرين عاماً بين (أييك) الذي كان جندياً في طفولته، و(أنيانق) الذي كان يضربه ويعذبه خلال عمله حارساً على الجنود الأطفال.
قال أييك: «لم أصدق أنك ما زلت على قيد الحياة…. كنت أدعو عليك، تمنيت لك الموت في الحرب، ولو اتيحت لي الفرصة لقتلك. وعندما رأيت وجهك في إحدى الكنائس هنا في أستراليا، أصبت بالوجوم.. الوجه الذي ارتبط عندي بالضرب والتعذيب والقسوة. كنت تضربنا وتعذبنا وتجعلنا نجلس تحت الشمس الحارقة لأننا لم نمتثل لأوامرك».
لم يكن أيانق، نفسه، سوى صبي في السادسة عشرة من عمره، عندما ترقى لرتبة حارس على الجنود الأطفال خلال الحرب الأهلية في جنوب السودان، وقال: «في تلك الفترة كنت صبياً، وكنت أعتقد بأن ما أقوم به هو الصواب، لم أفكر في عذابات الأطفال، أو ما يشعرون به…».
وطلب من أييك أن يسامحه.
بدأ البرنامج، الذي ذكر البعض بمبادرة «الحقيقة والمصالحة» في جنوب أفريقيا، بجلوس المشاركين وجهاً لوجه، حيث قضيا بعض الوقت دون تبادل أي حديث.
بعد فترة من الصمت، كان على أييك أن يُنفس الغبن الذي ملأ صدره قبل أن يقرر ما إذا كان سيصفح عن أنيانق أم لا.

شرح أييك صنوف التعذيب والضرب والحبس الذي مارسه أنيانق عليه ضمن عدد من الجنود الأطفال الذين لم يطيعوا أوامره.
وأضاف أييك موجهاً الحديث لأنيانق: «هل تذكر أيام التدريب؟… لقد قمت بحبسي عدة مرات.. كان هناك الكثير من الأطفال الجنود معي… أريد أن أعرف هل قتلت أحداً منهم»؟!
وأكد أنيانق، الذي كان يتصبب من العرق، أنه لم يقتل أي شخص، لكنه أقر بأنه ارتكب العديد من الأخطاء، وقال:»كنت صغيراً، ولم يكن لدي الوعي اللازم. أما الآن فقد كبرت، وأصبحت أعرف ما الفرق بين الخطأ والصواب، وسأثبت لك إني تغيرت».
وقال أنيانق إنه أصبح جندياً عندماً كان في الرابعة عشر من عمره بعد أن فقد والديه وبعض أفراد أسرته في الحرب، وإنه كان مضطراً لضرب ومعاقبة الجنود الأطفال، إذ كان ينفذ أوامر رؤسائه.
طلب أنيانق من أييك أن يصير صديقه حتى يتعافى، وقال له:» أفهم شعورك، وفي كل ليلة عندما استرجع ذكريات ما فعلته، لا أحس بالراحة، ولا أستطيع النوم. أحتاج صديقاً… لكي أشاركه هذه الأفكار، ويساعدني في التعافي. أين سأجد مثل هذا الشخص؟ أنت الشخص المناسب..».
وروى أييك الصعوبات النفسية التي واجهها بسبب ظروف التعذيب التي عاشها في طفولته، وقال إنه كاد أن يصاب بالجنون، وكان يحطم كل ما يجده أمامه قبل هجرته إلى استراليا، حيث تغيرت الأوضاع ووجد شريكة حياته، وإن ولاده ابنه، الذي يبلغ من العمر 10 سنوات الآن، كانت ميلاداً جديداً له، حيث يعيش معه الطلفولة التي لم يعشها!