الواقع الاسترالي حسب احصاءات 2017

بقلم بيار سمعان

 

الاستفتاء العام الذي جرى في استراليا في منتصف 2016 واجه العديد من المطبات العملية بعد ان واجهت الشبكة الالكترونية اخطاءً لم يعرف حتى اليوم اسبابها. فادعى البعض ان هذه الشبكة تعرضت للقرصنة الالكترونية مما دفع مكتب الاحصاء الاسترالي الى وقف العمل بها خوفاً ان تؤدي هذه الاختراقات الى سرقة المعلومات الخاصة للاسرة الاسترالية، فيما اعتقد البعض ان الجهاز الالكتروني لم يكن قادراً على تلقي ملايين البيانات الشخصية خلال يوم واحد. مما دفع مكتب الاحصاء الى اغلاقه بالكامل واعادة تفعيله بعد يومين لمتابعة جمع المعلومات من المواطنين والأسر الاسترالية.
ورغم هذه المطبات ادعى مكتب الاحصاء الاسبوع الماضي ان 95،1 بالمئة من الأسر الاسترالية ارسلت بيانات الاستمارات، معظمها عبر البريد الالكتروني والبعض الآخر بواسطة ملء الاستمارات بطريقة خطية وبواسطة البريد.
ومهما تكن الاسباب حول هذا العطل الفادح، لا تزال نتائج الاحصاءات هي المصدر الوحيد والشامل القادر على اعطاء صورة واسعة وموضوعية حول السكان في استراليا، واماكن اقامتهم ونوع المساكن التي يقيمون فيها، اعمارهم، واعمالهم ومداخيلهم والمستوى الثقافي لديهم، اصولهم العرقية وانتماءاتهم العقائدية والدينية. وتعطي النتائج صورة واضحة حول هرم الاعمار للمجتمع الاسترالي ونسبة الضرائب التي يدفعونها لمختلف الحكومات الفيدرالية والولاية والمحلية.
في بلد متنوع كاستراليا يصعب تحديد صفة عامة تحدّد الانسان الاسترالي اليوم. لكن مع اطلاق نتائج الاحصاء العام يمكن تحديد المواصفات العامة للفرد الاسترالي حيثما وجد على الاراضي الاسترالية، كما يمكن معرفة التبدلات الطارئة في التكوين السكاني المعاصر. فما هي المميزات الشخصية التي يمكن استخلاصها حسب نتائج الاستفتاء العام؟
< المميزات الشخصية للمواطن الاسترالي:
يستدل من نتائج الاستفتاء ان المواطن الاسترالي المثالي هو امرأة ( ما يعني ان نسبة النساء هي اكثر من الذكور)، تبلغ من العمر 38 سنة ولدت في استراليا، وهي من خلفية انكليزية. انها متزوجة او تعيش مع رجل، ولديها ولدان. ( وهذا هو متوسط حجم العائلة الاسترالية). وقد انهت الدراسة الثانوية. وهي تعيش في منزل من 3 غرف نوم ولديها سيارتين.
ويستدل من الاحصاء ان السكان في استراليا يميلون لتوصيفهم انهم من كبار السن. ففي احصاء سنة 2011 كان متوسط العمر 37 سنة واصبح الآن 38 سنة. مما يشير ان عدد كبار السن الذين يعتمدون على النظام الاجتماعي الخدماتي سيصبح عالياً وانه يتوجب على الفئات المنتجة توفير المزيد من المساعدات بواسطة الضرائب لضمان الاعانات الاجتماعية والطبية لهم.
وكشفت نتائج الاحصاءات ان حوالي نصف السكان في استراليا تزيد اعمارهم على متوسط الاعمار، بينما النصف الآخر هم من فئات الشباب.
وتختلف هذه النسب من ولاية الى اخرى. ففي تازمانيا يبلغ متوسط الاعمار 42 سنة انما في الاقليم الشمالي، فهو 34 سنة. وفي العاصمة كانبيرا يبلغ متوسط الاعمار 35 سنة و40 سنة في جنوب استراليا.
وتجدر الاشارة ان متوسط الاعمار في الاقليم الشمالي (35 سنة) هو مرتبط بحجم العائلة لدى السكان الاصليين.
< المعتقدات الدينية
في سنة 1966 اعلن حوالي 90 بالمئة من سكان استراليا انهم مسيحيون، فيما كانت نسبة الملحدين شبه مفقودة. لكن في سنة 2016 ادعى حوالي 22٪ منهم انهم ملحدون ولا يعترفون بأي عقيدة دينية، وانحدر بالمقابل عدد المسيحيين الى 55 بالمئة.
وفيما يبتعد الاستراليون عن المسيحية تبين وجود نمو لافت في نسبة الهندوسيين التي ارتفعت من 0،3 ٪ في سنة 1991 الى 1،8 ٪ في احصاء 2016، اي بزيادة تبلغ 533 ٪ ويعود ذلك بالدرجة الاولى الى الهجرة الكثيفة.
كذلك ارتفعت نسبة البوذيين من 0،8 ٪ في سنة 1991 الى 2،4 5 . كما ارتفعت نسبة المسلمين من 0،9 ٪ في سنة 1991 الى 2،6 ٪ حسب احصاء 2016، اي بزيادة 100٪. وهذا يعود الى عاملي الهجرة واللجوء وحجم الولادات المحلية، ويتوزع سكان استراليا من الناحية الايمانية كما يلي:
-30،1 ٪ بدون دين
– 22،6 كاثوليك
– 13،3 ٪ انجيليين
– 3،7 ٪ اللكنيسة المتحدة
– 2،6 ٪ مسيحيون لم يحددوا مذاهبهم
– 2،6 ٪ مسلمون
– 2،4 ٪ بوذيون
– 2،3 ٪ كنائس اصلاحية
– 2،1 ٪ ارثوذكس شرقيون
– 1،9 ٪ هندوس
– 1،5 ٪ معمدانيون
– 1،1 ٪ Pentecost
– 1,2 % لوثريون
– 0،5 ٪ سيخ
– 0،5 ٪ يهود
– 0،5 ٪ بروتستانت
– 0،4 ٪ شهود يهوه
ومع ارتفاع نسبة غير المؤمنين او الملحدين،يبدو ان المجتمع الاسترالي يميل اكثر نحو فقدان صلته مع الاديان. ويرد بعض الخبراء ان وضع خانة «ملحد» في طليعة قائمة الاديان كان يهدف الى دعم الالحاد في استراليا، اذ كانت هذه الفئة توضع سابقاً في اسفل القائمة. لكن تبقى المسيحية بكل فروعها هي الاولى (61 ٪) والكاثوليكية هي المهيمنة بين المذاهب المسيحية ـ25،1 ٪) اي ما يزيد على 6 ملايين نسمة تقريباً.
< استراليون ولدوا في الخارج
وتشير نتائج الاستفتاء ان حوالي نصف سكان استراليا ولدوا في الخارج وهاجروا او لجأوا الى استراليا في زمن ما، او ان احد الوالدين ولد في الخارج. وحلت الدول التالية في طليعة قائمة الدول المصدرة للمهاجرين، وهي:
– انكلترا، نيوزلندا، الصين، الهند والفليبين، الى جانب ايطاليا وفيتنام وجنوب افريقيا.
كما تبين ان اجمالي المهاجرين الى استراليا خلال سنة 2015 – 2016 بلغ ما يزيد على 182 الف مهاجر اكثر من السنة السابقة اي بزيادة 3٪ (5300 مهاجر) واقام ما يزيد على 71 الف منهم في نيو ساوث ويلز و65 الف في فيكتوريا و20 الف في كوينزلاند.
اما بالنسبة للهجرة الداخلية خلال سنة 2015 – 2016 فقد جذبت فيكتوريا 16،700 مواطن للعيش والعمل فيها وخسرت نيو ساوث ويلز 11،300 شخصاً فضلوا الانتقال الى ولايات اخرى، ويعود ذلك الى غلاء المعيشة وسعر العقارات المرتفع.
< مداخيل الحكومة من الضرائب
تحصل الحكومة الفيدرالية ضرائب مباشرة على مداخيل واجور الافراد والمؤسسات التجارية والمنتجة، كما تجمع قسماً من الضرائب على السلع والخدمات (GST).
كما تحصل حكومات الولايات والاقاليم الضرائب على الاملاك والعقارات وعلى رواتب ارباب العمل وتحصل على نسبة من الضرائب على بيع السلع والخدمات. اما ضرائب البلديات، او ما يعرف بالحكومات المحلية فيقتصر على الضرائب والرسوم العقارية وضرائب البناء.
وقد ارتفعت نسبة الضراذب المحصلة من المواطنين في استراليا بنسبة 4،2 ٪ اي ما يوازي 18،587 مليار دولار . فكان مجموع الضرائب في سنة 2014 – 2015 حوالي 446،137 مليار دولار ليرتفع الى 464،724 مليار في سنة 2015 – 2016 . الزيادة هي ناتجة عن رفع الضرائب على الدخل العام بنسبة 2،5 ٪ اي ما يوازي 6،506 مليار دولار ورفع الضرائب على السلع والخدمات بنسبة 5،4 ٪ اي ما يوازي 5،656 مليار دولار خلال 2015 – 2016.
وتؤلف الضرائب على الاجور والمداخيل نسبة 57٪ من مجموع الضرائب العامة. اما نسبة الضرائب على السلع والخدمات فهي 37،7 بالمئة.
ولا بد من الاشارة ان مجموع الضرائب لدى الحكومة الفيدرالية ارتفع من 290،047 مليار في سنة 2010 – 2011 الى حوالي 370 مليار في سنة 2015 – 2016. كما ارتفعت ضرائب حكومات الولايات والاقاليم من 58،363 مليار دولار في 2011 الى 79،053 مليار في 2016.
كذلك ارتفعت مداخيل البلديات من 12،448 مليار في 2011 الى 16،620 مليار في 2016.
اما مجموع الضرائب لكل الحكومات مجتمعة فقد ارتفعت من 360،178 مليار في سنة 2011 الى 464،724 مليار في 2016.
< القدرة على شراء منزل:
ان حلم كل مواطن وعائلة تعيش في استراليا هو التوصل الى امتلاك منزل مؤلف من 3 غرف نوم وتوابع اخرى.
لكن الوضع يختلف من ولاية الىاخرى.
ففي ولاية كوينزلاند يوازي عدد مالكي المنازل لعدد المستأجرين. اما تازمانيا ونيوساوث ويلز. فيبدو ان عدد مالكي المنازل او الشقق هو اكبر من عدد المستأجرين. اما في الاقليم الشمالي للبلاد فيبلغ عدد المستأجرين ضعف مالكي المنازل.
وتعاني فئات الشباب في استراليا اليوم من صعوبة امتلاك المنزل الاول بعد ان ارتفع معدل ثمن المنزل في سدني الى ما يزيد على المليون دولار، وفي ملبورن الى حوالي 750 الف دولار. وبرزبن 575 الف دولار،ادلايد 450 الف دولار ، بيرث 550 الف ، هوبارت 445 الف وكانبيرا 670 الف دولار.
الحكومات الاسترالية، ان كانت حكومة فيدرالية او حكومة ولاية او بلدية هي على علم دقيق للتكوين السكاني للمجتمع الاسترالي ولكيفية توزيعه عرقياً ودينياً واقتصادياً وسياسياً. فالمجتمع هو ممسوك للغاية بفعل المعرفة والمراقبة والتنظيم الداخلي ونتيجة للتطورات التكنولوجية والقدرة على مراقبة الافراد والجماعات. لكن استراليا تبقى بلد الفرص. انها لا تزال بلداً نامياً، وتبلغ فيه الكثافة السكانية 2،91 نسمة في الكيلومتر الواحد. ويقيم الاستراليون بشكل عام في الناطق الممتدة على شواطئ البلاد. وهذه النسبة هي ضئيلة بالمقارنة مع دول اخرى. فتبلغ كثافة السكان في الهند 382 نسمة في الكيلومتر الواحد و690 نسمة في هونغ كونغ.
باختصار ان استراليا النامية تخلق فرصاً عديدة في معظم القطاعات الانتاجية المرتبطة بالبنى التحتية والاعمار والقطاع الزراعي والتعدين والخدمات، بالاضافة الى المصارف والمؤسسات المالية. المستقبل هو دون شك لرجال الاختصاص والمهنيين في مختلف القطاعات.وفيما يفاخر العرب ان اللغة العربية هي الثالثة المحكية في استراليا، يتوجب على الناطقين بالعربية ان يفكروا ابعد من الانطواء داخل مجموعات معزولة ومنطوية على ذاتها والانطلاق في المجتمع الكبير للاستفادة من كل الفرص المتوفرة ولإضافة نفحة ثقافية على المجتمع الاسترالي المتعدد الثقافات.
pierre@eltelegraph.com