الماسة الاغنياء والتيارات الفكرية في ايام الحرب

كمال براكس

كانت السلطة للقوة البدنية، فأختص بها الأقوياء الذين يقهرون غيرهم في الحروب، وتوارثها اعقابهم، فقام منهم الملوك بالانخاب او بالإرث ، ولما كان عملهم الإمارة، وهي غير منتجة، اي لا دخل لها لا من الازرض ولا من عمل الغير، تقاضوا نفقاتهم من الغنائم، او من ابتزاز الاموال من الاغنياء، فكانوا يغزون غيرهم لاغتنام اموالهم، ويصادرون الاغنياء من ابناء قبيلتهم ويبتزون ما عندهم فوق ما يضربونه على عامة الشعب من الضرائب، فقد بقي ابتزاز اموال الاغنياء شائعآً حتى اضطروا ان يخفوا اموالم ويتظاهروا بالفقر.
ولقد نهض الشعب من وقت لآخر لاسترداد السلطة المغصوبة منه، فكان يفلح تارة ويفشل اخرى، وكان يتفق ان يتسلط عليه رجال اشربوا حب العدل فيعدلون فه، فالغنى ينمو، وقلما يستطيع الغني ان ينفق كل امواله فتزيد وتتراكم سنة بعد اخرى، ولم يكتلف هؤلاء الاغنياء بالاحتفاظ بأموالهم بل صارت لهم السلطة السياسية القوية ايضاً في البلدان التي هم فيها حتى جعلوا جيوشها واساطيلها رهن امرهم وطوع اشارتهم، تدافع عن اموالهم بدمائها. وهذا معنى ما يقوله الآن ساسة الدول الكبرى، واذا بحثت عن اصحاب هذه المصالح الحقيقيين، من كبرى دول العالم، وجدتهم الأغنياء اصحاب البنوك والمعامل والمصانع الذين لا يتجاوز عددهم الألوف واما جمهور الشعب من العمال، الذين يُعدّون بمئات الملايين، فلا يملكون شيئاً من هذه المصالح، واذا تذكرنا القول المزثور وهو «ان المديون عبد للدائن» فجمهور الاهالي او 95 ٪ منهم لا ينالهم شيء من هذه الثروة، فهي خاصة بالاغنياء وهم خدّام لهم يخدمونهم بقوى اجسادهم وعقولهم.
الناس في الحرب ، كل الناس وفي كل حرب، يشدهم الواقع المرير الى التفكير في الموت ومعنى الوجود، وما وراء هذا الوجود وما امامه، اذ يكونون في ايام السلم الى الغفلة اقرب، لا سيما عن الموت، وما يكمن فيه من عبر، ويوحي به اليهم من افكار، وهكذا انتشر تيار الوجودية في ايام الحرب العالمية الثانية، واكتسح كل ما سبقه من تيارات، فطغى على الأدب، وتغلغل في كل زاوية من زوايا الفن، وراح يتعاظم ويستثري، حتى هيمن على الحياة الاجتماعية شأنه شأن الرومانطيقية من قبل وظلّ في مدّ لا يناله جزر الى ايامنا هذه في كثير من المجتمعات، وهو في جملته لا يعزو ان يكون اثراً من آثار الشعور بالقلق حيال النكبات الفردية والجماعية التي تحل بالناس في اوقات الحرب. اذ ينسحب هذا الشعور على كل الاوقات، اي على الوجود كله، ويتحول الى فكر يواجه واقع الوجود بعنف وتمرّد، فتتهاوى معه القيم، ويتحطم في النفس، في داخل النفس، فلا يبقى لمعنى قيمة، ولا لشيء قيمة، وتذوب التقاليد، وتتعرى الاصطلاحات الاجتماعية من كل ازرار او لباس، ويقف الوجودي بمفرده حيال وجوده فيرتاح، ويأخذ في ترويع الآخرين، مستنداً في كل ما يعمل الى دعواه بالحرية التي لا يرى في نفسه القلقة معنى تعتد به سوى الحرية، وهو يهزأ بالقيم ، ويتوجه في سلوكه الى العنف والوجودية كفكر تيار كان له ما يبرره، ولذلك عمّ وانتشر وجرف وظل بقوة الاستمرار على شيء من الزخم حتى يومنا هذا.
وكل ما فعله «فرويد» واتباعه وتلامذته انهم «افرغوا» الجنس من الحب، ثم اتخموا الحب من بعد الجنس وحتى قاوموا «الكبت» على صعيد الطب والعلم، انما قاموا على التحقيق معنى «النزاهة النفسية» هذا المعنى الذي تفصح عنه كلمة «العفة» العفة عند الانسان، رجلاً كان ام امرأة ليست في جوهرها، إلغاء للاحساس ولا كبتاً للشعور، انما هي توفيق ذاتي بين احترام الانسان نفسه، ورغباتها في جانب، وتغليب لهذا الاحترام على الاغراءات والجاذبيات الخارجية في جانب آخر. وحياة العواطف هي التي تقدر سيرة الانسان ومسلكه، فاذا كانت هذه العواطف «تحيا» داخل النفس وهي متضاربة متنازعة، انتهى بها التضارب الى الوهن، وساقها التنازع الى السقم. لا بد اذاً من عاطفة قوية، صارمة، حازمة تملأوها الصحة والعافية، تتمكن بها المرأة خاصة، من السيطرة على بقية ما يعمر نفسها من احاسيس وعواطف وانفعالات.
والمسألة ليست ان تحيا المرأة او المرء في حال الكابة الذي يؤدي الى الظلام، واحتجاب النفس، عن جمالات العالمخ وافراحه ومسراته، بل بالعكس هو الصواب، فيما ينتهي اليه الانسجام النفسي.
وليس من المعقول ان ننفي الحب، من الحياة النفسية لأنه في جذورها، وبه تنتعش وتزدهر، والذين ينفقونه منها، يضعون مكانه الأسى والمرارة والشعور بالفراغ ونزعة الهرب، وما يواكب هذه الظلمات مجتمعة من تفاهة وجمود وضيق افق، وفي الناس من ينفي الحب، ويضع مكانه الجنس، وهم الضائعون المضيعون من ابناء هذا العصر.
وان هذا الحب المموه بالجنس، او هذا الجنس المموه بالحب، يتحول في المجتمعات التي ارهقها الترف، وايهما كان الحب او الجنس، كلاهما فارغاً من محتواه، من الحرية نفسها، اذ تنصب على السلوك الخارجي، منغير تحرر داخلي.
والمسألة في حقيقتها هي هذا «التغير» الذي يطرأ على الحياة النفسية لدى كل فرد ومجتمع، حين يتنقّل من العبودية الى الحرية، او من حالة الغفلة الى الوعي النيّر الصاحي، فإن من شأن هذا الانتقال ان يخلق تفجيرات جديدة داخل الذات، ويصبغ الشعور بلون جديد كمن ينتقل مثلاً من جو بارد قارص الى جو دافئ حار، والحرية نفسها اطوار يختلف كل طور منها عن سابقه، ولا سبيل معه الى الرجعة، ولذا نجد الناس في كل جيل تتوزعهم ثلاثة مشاعر، منهم من يحنّ الى الماضي، ومنهم من يطمئن الى حاضره ، ومنهم من يرفض الماضي والحاضر، ويحيا بفكره في المستقبل.