اللاجئون السوريون في لبنان أمام خيارين..!!

بقلم بيار سمعان

أصبح وجود ما يقارب المليون و800 ألف لاجيء سوري في لبنان يشكل معضلة بالنسبة للبلد الذي استضافهم، ليس فقط بسبب الأوضاع الاقتصادية الراهنة والصعبة في لبنان ومزاحمة العمال السوريين لليد العاملة اللبنانية، بل لأسباب عديدة أخرى، خاصة بعد المداهمات التي نفذتها قوات الجيش اللبناني على بعض المخيمات السورية واكتشاف أسلحة ومتفجرات وإلقاء القبض على بضعة مئات من الإرهابيين والداعمين لهم كانوا يخططون لتنفيذ أعمال إرهابية ويكتشف اللبنانيون يوماً بعد يوم احتمال أن تتحول هذه المخيمات الى مراكز للإرهابيين، ينطلقون منها لتفجير الوضع الداخلي الدقيق في لبنان ونقل النزاعات السورية إلى الساحة اللبنانية.
بالأمس دعا سوريون إلى التظاهر ضد قوات الجيش بعد أن الصقوا ألف تهمة. إنها لظاهرة ديموقراطية غريبة في العالم العربي: لاجئون من الشعب السوري في لبنان يتظاهرون ضد جيش البلد الذي يستضيفهم… أمر غريب للغاية.
ومنذ أيام وجه البطريرك الراعي في عظة قداس عيد القديس شربل عنايا والذي حضره رئيس الجمهورية العماد ميشال عون دعوة صريحة باسم الشعب اللبناني إلى «تصويب مسار عودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم، بعيداً عن الخلافات السياسية التي تعرقل الحلول المرجوة)).
وكانت هند سعد الحريري قد طالبت بحل أزمة اللاجئين السوريين واتهمتهم بمناصرة نظام بشار الأسد وأنهم «احتلوا بلدنا وهجروا شبابنا وقتلوا زعمائنا.. ووجهت إليهم كلاماً نابياً قائلة: «ما عاد بدنا سوريين بهالبلد»، داعية السياسيين اللبنانيين إلى الاقتداء بالشيخ راشد بن مكتوم الذي طرد اللاجئين السوريين من الإمارات العربية بعد أن صوتوا لصالح الرئيس السوري في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. كذلك فعل الملك عبد الله على حد قولها إذ رماهم في الصحراء.
فالبطريرك الراعي وهند الحريري يعبران نيابة عن المجتمع اللبناني عن وجود مشكلة ضاغطة. فكيف نشأت أزمة اللجوء السوري وتتطورت إلى هذه الحالة الخطرة؟

لاجئون سوريون في لبنان:

بحكم الجيرة والموقع الجغرافي واللغة وعوامل القرابة، يعتبر لبنان من الجهات السهلة للاجئين السوريين الهاربين من ويلات الحرب الأهلية.
في 28 نيسان 2011 عند بدء النزاع بين السلطة والمعارضة السورية انطلقت عملية اللجوء السوري إلي لبنان بعد أن انتقل حوالي ألفي مواطن سوري من سكان تل كلخ عابرين الحدود اللبنانية للإقامة في منطقة وادي خالد التي تربطهم بها علاقات القرابة والتجارة والدين، وأنشأوا بذلك أول مخيم للاجئين السوريين في لبنان.
كان هذا العبور بداية ظاهرة نزوح جماعي ضخم وصل معه عدد اللاجئين السوريين المسجلين لدى الأمم المتحدة ما يقارب مليون ونصف نسمة في سنة 2015، بالإضافة إلي ذلك انتقل آخرون للإقامة في لبنان ولم يسجلوا تحت هذه الخانة كلاجئين.
وفي أيار 2015، طلبت الحكومة اللبنانية من منظمة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين السوريين الكف عن تسجيلهم بعد أن بلغ عددهم نسبة مرتفعة في بلد يبلغ عدد سكانه حوالي 4.5 مليون نسمة.
ومنذ 2011 عملت الحكومة اللبنانية ما في وسعها لتوفير الخدمات الضرورية لوفود اللاجئين بالتعاون مع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.. وكان الانطباع السائد في الوعي الجماعي أن بشار الأسد سينتهي بسرعة ويجري تكريس واقع جديد في سوريا. لكن التدخل الروسي غيَّر هذه المعادلة وأطال من عمر الأزمة السورية، مما انعكس على وضع اللاجئين السوريين في لبنان وعلى نظرتهم وعلاقتهم بالبلد المضيف. وتحولت آمال العودة إلى مدن وقرى مدمرة مطلبا بعيد المنال، فاتجهت هموم اللاجئين إلى الداخل اللبناني وإلي ضرورة التكيف معه والاستفادة من الوقت الضائع لهندسة أوضاعهم وأعمالهم وإشغالهم وطرق انتاجهم لمعيشتهم بالاضافة إلى المساعدات الدولية المخصصة لهم. واصبح الانطباع السائد أن حالة اللاجئ في المخيمات هي أفضل من حاله اللبناني في لبنان والمقيم على أرضه وفي منزله.
– تحديات الواقع اللبناني
بعد مرور 6 أعوام على انطلاق أزمة اللاجئين السوريين إلى لبنان، يبقى الوضع اللبناني الرسمي متقلباً وغير واضح، فيما تثير هذه الظاهرة مخاوف ومخاطر قديمة اختبرها اللبنانيون مع اللاجئين الفلسطينيين، خاصة بعد أن تحولوا إلى قوة عسكرية مقاتلة وهددوا التركيبة الاجتماعية والأمن القومي. ويرى عديدون أن اللجوء السوري يشكل خطرا فادحا في حال جرى تكريسه أمرا واقعا. فالمواطن السوري المرغم على خدمة الجيش في بلده لديه مهارات عسكرية وقد خدم العديد من اللاجئين في لبنان أيام الوصاية السورية، وهم بالإضافة إلي انتشارهم الواسع على الأراضي اللبنانية، يمتلكون معلومات ميدانية عن مختلف المناطق وتركيبته الاجتماعية والطائفية، وقد ترتفع حدة المخاطر في حال جرى استغلال أوضاعهم ودفعوا نحو التطرف والأصولية فتدخل العلاقات اللبنانية السورية منعطفا خطيرا لا يبشر بالخير للطرفين.
لبنان كالأردن هو على وشك الانهيار إذ يقيم في الأردن ما يزيد على 220 الف لاجئ عراقي وما يزيد على مليون سوري بالإضافة إلى 3.5 مليون فلسطيني.
أما لبنان فيعيش فيه اليوم 45 ألف عراقي و 1.5 مليون سوري و 500 الف فلسطيني، أي ما يزيد على 22 بالمئة من المقيمين على أرضه هم من غير اللبنانيين، هذا بالإضافة إلي بعض المصريين وآلاف العمال الأجانب من أثيوبيين وفيليبينيات وسيرلانكيات، وتبلغ نسبة البطالة فيه 35 بالمئة على أقل تعديل. فالاقتصاد اللبناني يعتمد بالدرجة الأولى على السياحة والمساعدات الخارجية والمداخيل التي ينتجها اللبنانيون في الخارج ومساعدات المغتربين.

الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة

ومقابل الواقع الرديء الذي ينعكس على المجتمع اللبناني، بدأت دول الاتحاد الأوروبي تعاني من أمواج اللاجئين المتوافدين إلى أوروبا دون قيد وشرط. لذا سعى الاتحاد الأوروبي إلي معالجة قضية اللاجئين بشكل مبتور وغير موضوعي. وعوض أن تمارس الدول الأوروبية ضغوطا على المجتمع الدولي لمعالجة الأسباب الكامنة لازمة اللاجئين وإصلاح الأوضاع في سوريا والعراق. مارس الاتحاد الأوروبي ضغوطاً على الحكومة اللبنانية لتشريع إقامة اللاجئين السوريين مقابل المزيد من المساعدات لهم وللدولة اللبنانية.
لكن لبنان عارض هذه الاقتراحات ورفض الانصياع للرغبات الأوروبية.
الموقف اللبناني دفع منظمة الأمم المتحدة إلى اقتراح حل يؤيد عودة السوريين الراغبين إراديا بالعودة إلي بلدهم. ويدرك اللبنانيون أن اللاجئين السوريين لن يعودوا تلقائياً وخياراً إلي بلادهم بعد أن دمرت أراضيهم ومنازلهم وخسروا ممتلكاتهم. القلة الضئيلة التي تؤيد الحكم قد تعود بقرار شخصي، لكن يبدو أن الأغلبية العظمى التي اعتادت على مناخ الحرية في لبنان وتلقى المساعدات الدولية تفضل البقاء فيه، خاصة بعد أن ثبت لهم أن بشار الأسد سيبقى حاكما في القريب المنظور.
هذا الواقع سوف يدفع الحكومة اللبنانية إلى اتخاذ قرارات حازمة لإرغام اللاجئين على العودة إلى بلدهم، خاصة أن 43 بالمئة من الأراضي السورية هي الآن آمنة.
غير أن عملية نقلهم لن تتم إلا من خلال التنسيق مع الحكم السوري، الأمر الذي لا يرغب معظم السنة في لبنان القيام به، لأن في ذلك اعتراف غير مباشر بسلطة اعلنوا الحرب ضدها في وقت سابق، وهي متهمة بتصفية واغتيال زعامات لبنانية.
بالطبع إن نظام الأسد الذي أحرق السجلات الشخصية للاجئين السوريين ودمر قراهم واتلف مستندات الملكية لديهم قد يطالب بثمن ما لإعادتهم وتحسين ظروف إقامتهم.

وما هو الحل؟

إن الشعب البناني كحكومة بلاده لا يضمر الكراهية لأي لاجئ وخاصة للشعب السوري الذي تربطهم به علاقات الجيرة والقرابة والثقافة والمصالح المشتركة بغض النظر عن أية اعتبارات أخرى تعود إلى زمن الوصاية ومساعي الحكم السوري ابتلاع لبنان الذي تعتبره اقليما سوريا.
لكن تمسك جميع اللبنانيين بأرضهم واقتناعا منهم أن لبنان هو وطن نهائي لهم جميعاً يمنحهم المناعة للتعامل مع أزمة اللاجئين السوريين ومعالجة كل ذيولها. فلا أحد يرغب بالمغامرة بالأمن القومي في لبنان ولا أحد يشكك بنوايا الجيش اللبناني والتزامه بحماية الوطن والمواطنين مهما كان الثمن.
فالجيش والشعب والوطن هو الأقنوم الثلاثي الذي يوحد اللبنانيين بعد أن تحول حزب الله إلى قوة عسكرية إقليمية وإلي لاعب هام في سياسة وأحداث الشرق الأوسط. ورغم كل الاعتبارات يفضل هذا الحزب معالجة أزمة اللاجئين السوريين بالتنسيق مع الحكم السوري وقد يشهد لبنان في مرحلة ما بعد معركة عرسال واستبعاد الأصوليين من هذه المنطقة انطلاق الخطوات الأولى لمعالجة ملف اللاجئين السوريين فإن رفضوا العودة إلى بلادهم على المجتمع الدولي معالجة وجودهم في لبنان على نفقتهم وحسابهم وليس على حساب لبنان والشعب اللبناني الذي صمم على أن لبنان هو وطن نهائي للبنانيين، وأن مشاريع افراغه من شعبه لن تمر بسهولة على لبنان.
فالمؤامرة التي بدأت منذ اتفاقية القاهرة مروراً بالحرب الأهلية قد تكون مستمرة اليوم ولكن تماسك اللبنانيين الذي أفشل محاولات تقسيم وابتلاع لبنان وتهجير المسيحيين منه لن يسمح اليوم بتحقيق ما فشلت الحرب اللبنانية في تحقيقه.
43 بالمئة من الأراضي السورية هي محررة وآمنة وعلى اللاجئين السوريين حزم أمتعتهم والعودة إلى الوطن، قبل أن يتحول الوطن العربي كله إلى وطن يحلم بالعودة.