«اتفاق استراتيجي» بين روسيا وإيران… واختلافان!

سركيس نعوم

غداً الأربعاء يستقبل الرئيس الروسي في مدينة سوتشي نظيريه التركي والإيراني، ويتضمّن جدول أعمال البحث بينهم تقويماً لتنفيذ قرارات أستانا الكازاخستانيّة في الأشهر الماضية. ويتضمّن أيضاً تقويماً لنجاح الأطراف الإقليميّة والدوليّة على تناقضها في القضاء على دولة «داعش» في العراق وسوريا، وبحثاً في وسائل القضاء على الفكر المتشدّد لهذا التنظيم وأمثاله. ويتضمّن أخيراً بحثاً في المفاوضات التي قرّرت موسكو بالتشاور مع أصدقائها وحلفائها اطلاقها على أراضيها بين أطياف المعارضة السوريّة كلّهم ونظام الأسد. ويبدو أن المعارضة المذكورة تستعدّ للاتّفاق على تأليف وفد مفاوض واحد وعلى «الأجندة» التي سيحملها معه، وذلك في اجتماع يعقده قريباً زعماؤها في المملكة العربيّة السعوديّة. والبند الأبرز على كل من «أجندتَي» النظام والمعارضة سيكون التسوية السياسيّة التي يفترض أن تُنهي الحرب السوريّة بعدما ثبُت تعذّر حسمها عسكريّاً رغم النجاحات المُهمّة التي حقّقها الأول منذ التدخّل الروسي فيها قبل نحو سنتين.
هل يمكن أن تنجح روسيا وتحديداً رئيسها بوتين في إنهاء الحرب السورية بتسوية سياسيّة يضعها أطرافها؟
قبل الجواب عن ذلك لا بدّ من شرح معلوماتي وتحليلي دقيق للعلاقة الحاليّة بين موسكو والجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة المحاربتَيْن معاً في سوريا والمتلاقيتَيْن على مواجهة أميركا في الشرق الأوسط وتقليص نفوذها. ويقوم بهذه المهمّة مُتابع دقيق ومن قرب للعلاقة المذكورة فيقول إن البحث، الذي دار بين الرئيس الروسي والوليّ الفقيه الإيراني آية الله علي خامنئي في أثناء الزيارة الأخيرة للأول إلى طهران التي تحمل الرقم اثنين، كان في جزء كبير منه استراتيجيّاً. فالخلفيّة العدائيّة التاريخيّة التي حكمت العلاقة بين الدولتين والتي أثارت دائماً الخوف من إيران زالت أو بالأحرى لم تعد موجودة. والدولتان تُواجهان أميركا الآن وتعتبرانها عدوّة لهما مثلما تعتبرهما هي عدوّتين. وإيران مُهمّة في الشرق الأوسط وفي دول آسيا الوسطى. وذلك مفيد لروسيا. ويلفت المُتابع نفسه هنا إلى أن بوتين «نقز» عندما عرض على بلاده قبل مدّة غير قصيرة الأمير السعودي بندر بن سلطان ستة مليارات دولار أميركي لتقف مع بلاده في سوريا، وتحديداً عندما قال له مُطمئناً: «لا تخف على الأولمبياد الشتويّة في روسيا فنحن نضمنها». وكان في حينه الخوف من عمليّات إرهابيّة شيشانيّة (إسلاميّة) كبيراً. وبدا الأمير بتطمينه هذا أنه يمون على منفّذي العمليات وهم «عندي ولا تخف». إلى ذلك هناك «طريق الحرير» يضيف المُتابع نفسه. وروسيا لا تقتنع بأن أميركا ستقبل عودتها قوّة كبرى ذات تأثير عالمي. وهي تعرف أن توجٌّه إيران إليها صار أكثر وكذلك إلى الشرق (الصين) باعتبار أن جوهر عقيدة كل منهما هو مواجهة أميركا. كما تعرف أن إيران لم تعد تركّز على اعتبار أميركا الدولة الأكبر التي تحتاج إليها للنمو في عدد من المجالات. وهنا يشير المُتابع نفسه إلى أن خامنئي «نقز» عندما رأى هجوم كبريات شركات أميركا وأوروبا النفطية والتكنولوجيّة وفي كل المجالات على بلاده بعد «الاتفاق النووي». إذ اعتبر أنه يعطيهما مجالاً للسيطرة عليها رغم الامتناع عن رفع العقوبات المفروضة عليها كلّها.
على ماذا تتّفق روسيا وإيران الآن؟
تتّفقان استراتيجيّاً وهذا نهائي. وتتّفقان على إحلال «مؤتمر أستانا» مكان «مؤتمر جنيف». وعلى بقاء الأسد ونظامه في سوريا. لكن هناك اختلافاً بينهما. فروسيا مع بقاء الأسد حتى الانتخابات الرئاسيّة التي سيشارك فيها. أما بعد ذلك فإنّ بحثاً في الأمر سيجري. وهي مع سوريا فيديراليّة (أكراد وعلويّين) ومحافظات. ومؤتمر الشعوب السوريّة الذي دعا إليه بوتين يؤكّد ذلك. طبعاً رفض الأسد ذلك، وأبلغ موقفه إلى بوتين فاعتذر منه الأخير وألغى كلمة الشعوب. لكنّه لا يزال يلتزم الفيديراليّة. وهناك أيضاً نقطة اختلاف ثانية هي أن هدف إيران من الحرب في سوريا بقاء الأخيرة في «محور المقاومة». ولا يؤمّن ذلك سوى النظام الحالي ورأسه الأسد وعصبيّته الأقلويّة. أمّا روسيا فلا يهمّها كثيراً الموضوع الاسرائيلي. طبعاً لم يتجاوب مع اسرائيل عندما طلبت إخراج «حزب الله» من الجولان السوري. لكنّها في النهاية ليست عدوّة لها. والاختلافان قد يؤثّران سلباً لاحقاً على بقاء الأسد والنظام. فما تريده روسيا مع الأسد ولاحقاً مع غيره هو المحافظة على وجودها في المياه الدافئة (قواعد) وأن يقبل ذلك من يخلفه ونظامه. وهو أيضاً أن تكون لها كلمة في القضايا الدوليّة، ولن تتراجع عن ذلك.